• 0
  • مالي خلق
  • أتهاوش
  • متضايق
  • مريض
  • مستانس
  • مستغرب
  • مشتط
  • أسولف
  • مغرم
  • معصب
  • منحرج
  • آكل
  • ابكي
  • ارقص
  • اصلي
  • استهبل
  • اضحك
  • اضحك  2
  • تعجبني
  • بضبطلك
  • رايق
  • زعلان
  • عبقري
  • نايم
  • طبيعي
  • كشخة
  • صفحة 6 من 13 الأولىالأولى 1234567891011 ... الأخيرةالأخيرة
    النتائج 76 إلى 90 من 183

    الموضوع: بلا اتجاه

    1. #76
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      The Fury


      أهلا ً وسهلا ً بك وننتظر قراءتك.


    2. #77
      التسجيل
      29-04-2003
      الدولة
      Jordan
      المشاركات
      527
      المواضيع
      101
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      تسلم أخوي الفصل رائع بس ياريت تخلي أطول من كذي

      واكتب فصل كل ثلاث أيام يكون أفضل .....

      سلام...
      رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا


      كن مع الله ولا تبالي

      لاإله إلا الله محمد رسول الله


      أنا على موعد مع الموت متى؟ وأين؟؟

      The Fury

    3. #78
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      أخي The Fury

      أهلا ً بك، بالنسبة لتطويل الجزء فالمسألة متعلقة بالأحداث وليس بمجرد الطول، أما جزء كل ثلاثة أيام فهذا صعب جدا ً، ويقلل الجودة، وحتى تتأكد من كلامي حاول تكتب قصة من 12 صفحة خلال ثلاثة أيام، جرب وتعرف مقدار الجهد.

    4. #79
      التسجيل
      03-07-2005
      المشاركات
      12
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      دام بهاء قلمك ..

      السلام عليكم ورحمة الله و بركاته..



      الأخ أنا راحل



      و ابداع يعانق عنان السماء بلوحتك المعنونة



      بـــــ بلا اتجـاه ..



      أولا:

      جميلة تلك العلاقة التي تربط بسعد و نوال وياليت الأخوة يعلمون ماتعنيه مثل هذه العلاقة للفتاة

      بعكس حمد الذي سخر حين بدأت أخته بالتقرب منه و لم يعطها أدنى اهتمام ..

      - مستقبلا قد يتأثر بسعد و يكون سببا في تقوية العلاقة مع اخته -



      ثانيا:

      الصداقة بين مروان و حمد

      رغم الخلاف الفكري و الثقافي بينهما إلا أن صداقة جميلة نسجت خيوطها بينهم فقد اشتركا بحب طبيعتنا الصحراويه و رحلات الاختلاء الروحي عبر تلك الرمال ..



      ثالثا:

      أثر الماضي

      رغم مر السنين على تلك الحادثه التي تركت جراحها بقلب حمد اتجاه والده إلا أن كان لها اثر بالغ بخط تلك الصلة بينهما رغم الاشتراك الفكري والاهتمامي بعالم الثقافه فلم يعد الأمر بينهما سوى اب و ابنه ببرود متجمد بينما ولا يعدو عن تنفيذ الابن لاوامر والده ..

      لم يكن لاعتذار الوالد لابنه بالارضاء ذا فائدة تذكر ..



      رابعا:

      سعد و واقعيته

      كان لروايته صدى واسع ولاحداثها جمال هادئ و لكن الأجمل فيها نهايتها التي جاءت مبتورة كما ظن البعض

      و لكنها لم تكن سوى الواقع رسم بلون الحروف ..

      كان للبطل رسم خط النهاية حين اقر قراره الأخير باعتراف بما ستكون عليه النهاية ولم يحاول أن يستمر في شي قد علم مسبقا ألا فائدة من الاستمرار فيه و هذه نقطة تحسب لصالحه حين نتخذ قرارا مؤلما بالنسبة لنا دون النظر لغيره لعلمنا انه هو الصواب لا غير ..

      - لم يكن وحده من تأثر بغيره عبر الشبكة العنكبوتيه و هو لم ير سوى الحروف و لكن أفضلهم حين يقر قرارا صائبا و إن كان جارحا لنفسه به و يعلم أن هذا هو الواقع لا غير -

      المشكله أننا نجعل القصص ملجأ لأحلامنا و خيالاتنا و نتقمص تلك الشخصيات حتى في أحلام اليقظه

      و لا نعلم بمدى حقيقتها إلا حين نصدم بأرض الواقع ونشاهد انها لم تعد عن كونها خيوط واهيه نسجتها أحلامنا الحالمه ..

      اعجبني تفكير سعد حين بدأ بتنقية قسمه من القصص الساذجه و أراد ألا يجمع سوى المفيد من القصص

      و لكن الأمر لن يكون سهلا إلا حين يكون المتابع لقسمه القصصي اناس يعرفون ماذا يعني أن تكون قاص تحمل القلم سيفا يقطر رسالة ساميه تفيد البشر و تنفعهم و ترتقي بهم في سلم الابداع الأدبي ..

      و تكون قدوة لغيرك ..

      اتمنى لفكرة القصة الجماعية التوفيق و مشاهدة النور على صفحات قسمه القصصي ..



      خامسا:

      حمد و قصته

      كان بداية جميله تلك التي ابتدأ بها قصته .. كما ان كونها تارخية جعلت لها مذاق خاص

      أعترف الالفاظ التي انتقاها حمد لها وقع جميل على مسامع قارئها ( ما شاء الله على ابداعك )

      طراد و رفاقه و تلك الاحداث التاريخيه حين جاءت في صياغ الروايه أحدثت تغيرا نوعيا و فكريا فيها لم ينقصها بل أفادها فجميعنا يسمو للتميز و الانفراد و هذا ما اراه هنا ..

      - لو كتبت كرواية منفصله أعتقد ان سيكون لها شأن حين تربط بتاريخ من تواريخ أمتنا -



      سادسا:

      العائله

      استشففت من الاحداث التي تتصل بمنزل حمد ان لاجتماع عائلته حميمية خاصه و لكل فرد فيها مكانة خاصة في قلب حمد ..

      سابعا:

      لم تكن رواية سعد سوى :

      إما أن تكون ذات صلة بالماضي الذي عاشه

      أو

      أنه تأثر بكاتب يرى الواقعية منهجا لكتاباته

      او

      ان له نظرة خاصه استطاع عبر روايته رسمها و اراد ان يرى مدى تاثيرها على الغير

      و لكن

      اعتقد ان في الأمر غموض لم يكشف عنه إلى الآن ..







      ختاما:



      رسمت لنا أن هناك شباب ارتقوا دينا و فكرا و اهتماما

      و هذا نادر في تاريخ القصص الالكترونيه ..





      لله در قلمك
      - على فكره انا متابعه الروايه من البدايه بمنتدى ثاني و اسعدني وجودها
      اهني -






    5. #80
      التسجيل
      29-04-2003
      الدولة
      Jordan
      المشاركات
      527
      المواضيع
      101
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أنا راحل
      أخي The Fury

      أهلا ً بك، بالنسبة لتطويل الجزء فالمسألة متعلقة بالأحداث وليس بمجرد الطول، أما جزء كل ثلاثة أيام فهذا صعب جدا ً، ويقلل الجودة، وحتى تتأكد من كلامي حاول تكتب قصة من 12 صفحة خلال ثلاثة أيام، جرب وتعرف مقدار الجهد.

      أوكي أخوي


      سلام...
      رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا


      كن مع الله ولا تبالي

      لاإله إلا الله محمد رسول الله


      أنا على موعد مع الموت متى؟ وأين؟؟

      The Fury

    6. #81
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



      فارسة القلم



      سعيد بردك ِ أختي ومتابعتك المميزة، والنقط التي أشرت لها تدل على أن نظرتك للرواية نظرة صحيحة تتجاوز الأحداث إلى الشخوص ومجمل العلاقات بينها.



      علاقة الأخوة في حالتي سعد وحمد تبرز هنا الاختلافات النفسية بين الاثنين، كما علاقة الصداقة بين حمد ومروان المتجاوزة للخلافات فهي تبرز نظرة كل منهما للقضايا المشتركة.



      سعد وواقعيته، حاولت هنا تناول موضوع الرواية الإلكترونية التي لازالت تحبو، ولازالت تمر بمحاولات الهواة، وأنا هنا لا أزعم الاحتراف في هذا المجال، وإنما الرغبة في التغيير والانعتاق من قصص الحب واللغة العامية، ومحاولة تطوير أدوات الرواية الإلكترونية التفاعلية، وأتمنى أن يكون لما أكتبه أثر ولو كان ضئيلا ً.



      رواية سعد تكشفها أحيانا ً كلماته الموزعة هنا وهناك، لرواية سعد ولبطله خالد شأن كبير، ولكن في الفصول القادمة.



      شكرا ً لك ِ ومسرور بمتابعتك واهتمامك.



    7. #82
      التسجيل
      26-04-2003
      الدولة
      -(_)K..s..A(_)-
      المشاركات
      902
      المواضيع
      94
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      مازلنا ننتظر الفصل القادم ...
      هلالي إلى الابد




    8. #83
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      Tranedo


      السلام عليكم

      الفصل القادم سيتم طرحه بإذن الله يوم الخميس القادم، حيث تم تأجيله هذا الأسبوع لأني لم أفرغ منه بعد، كما أنه يهمني أن يكون العمل بالإتقان الذي يليق بكم كقراء.

      شكرا ً لإهتمامك.


    9. #84
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      الفصل الثالث عشر



      " ما الذي حدث؟" هذا هو السؤال الذي صار مضغة في ذهن حمد وسيارته تخوض في الرمال في طريقه إلى المخيم، والشمس التي تنحدر على خط الأفق كشطر برتقالة على حرف كأس تهاجم عينيه بشراسة اليأس، " لم رحل سعد بتلك الطريقة؟"، كان قد انتظر عودته لنصف ساعة أدرج خلالها الفصل الثاني من روايته، ولكن أمله بأن يكون الأمر مجرد انقطاع في الاتصال تبدد كخيط من دخان، وعندما عاد اليوم من الجامعة، فتح بريده قبل خروجه، ولكن لم تكن هناك رسالة اعتذار أو توضيح تزاحم فضاء الأسئلة المهووسة.



      " هل غضب سعد من كلامي؟ ولكن لم َ؟ أنا لم أقل شيئا ً ذا بال، عجيب أمره، ما هذا الغموض الذي يكتنفه؟ وما هذه الأسئلة التي يثيرها حوله دائما ً؟ وتصرفاته الغريبة، مع أبطاله، رواد المنتدى، معي الآن، ما دوافعها؟ نرجسيته ونظرته الفوقية؟ أم سره الدفين الذي ألمح له يوما ً؟ لن أنسى المرة الأولى التي قرأت فيها حروفه، لقد أحسست حينها بثقل المعاني المحملة فيها، وأنها ليست مجرد قصة عابرة، بدت لي كأنها سيرة ذاتية، تلك الحرارة وتلك التفاصيل العميقة التي بدت كأخاديد في سهل السرد المبسوط كانت تشي بآثار التجربة لا الخلق، هل يكون سعد قد أحب يوما ً؟ هل يمكن أن يكون سعد هو خالد؟ هل هناك نورا؟ هل نورا موجودة حقا ً".



      أحس حمد عندها بحرارة في بدنه، أحس كأنه توصل إلى السر الدفين، إذن سعد هو خالد، ونورا ليست نورا ورقية وهمية الملامح، هي إذن ذات بصفات حقيقية، هي الملهمة التي ألهمت سعدا ً كل هذا، وربما يكون اسمها الحقيقي نورة كعادة الكتاب في تحوير الأسماء عند استلهام الوقائع الحقيقية، ولكن أين خالد من سعد؟ سعد كما رأيته وعرفته ذو شخصية طاغية وقدرات عقلية وكتابية لا تتناسب مع شخصية خالد البسيط ذو الثقافة الوليدة، لا... لا... هناك فكرة ما... هناك شيء ناقص، سعد مبثوث في النص، هذا ما أنا متأكد منه، ولكن ليس بهذه السهولة، أحتاج إلى نفس أطول لأصل إلى العمق.



      توقف حمد عن التفكير عندما وصل إلى المخيم، وفيما هو يستعد للنزول عاتبته نفسه، " إلى متى تشغل بالك بهذا السعد؟ كأنه محور الدنيا وقطبها؟ لديك حياتك تعيشها... لديك أصدقاء تجالسهم... وهذا السعد الذي تركك بلا كلمة وداع لا يجب أن يحجب عقلك عن الاستمتاع بالمخيم والجو الجميل والرفقة الذين حرمك منهم في الأسبوع الفائت، يجب أن تنفض عقلك من هواجسه".



      * * *



      مضى الوقت جميلا ً سريعا ً، وحمد والبقية غارقون في الضحك والصخب والحديث، تناولوا عشاءهم المعتاد دجاجتين مشويتين تجلت فيهما خبرة مروان، وحمصا ً وزيتونا ً أخضر، ثم تناولوا شايا ً أسودا ً ثقيلا ً حول النار وهم يتسامرون ويتبادلون الأحاديث ومروان لا يكف عن المشاغبة والنيل من عبد العزيز بلسانه، يساعده في ذلك ناصر، فيما يكتفي حمد ومحمد بالضحك والدفاع عن صاحبهما معرضين نفسيهما للسان مروان ولذعاته.



      عندما وضع حمد رأسه على الفراش، طافت بذهنه ذكرى رحلة الأسبوع الماضي إلى الشرقية، بدت كأنها آتية من زمن سحيق، وفيما هو ينزلق على سفح النوم البلقع علقت في ذهنه صورة سعد وهو يودعه ذات يوم في مواقف سوق الراشد.



      * * *



      هب حمد فزعا ً في ظلام الخيمة الصغيرة، كان قلبه يدق بقوة، وبدا لعينيه اللتان مازال النوم يعشيهما كأن أحدا ً يقف تلقاء باب الخيمة حيث يتسلل خيط من النور، مد يدا ً مفزوعة وقبض على يد محمد ليوقظه بلسان معقود، هزه فتململ محمد ثم انقلب على الجانب الآخر، وفي تلك اللحظة ولج حمد مرحلة اليقظة الكاملة وأدرك أن ما حسبه رجلا ً قائما ً ليس إلا ثوب معلق بجانب الباب، تنفس بصعوبة وتوقفت الرجفة التي تهز أعماقه، حاول تذكر الحلم الذي أفزعه، تلاشت التفاصيل في العتمة، كل ما تبقى شارع طويل مظلم وفي آخره كان هناك شخص يجلد بالسياط، أرعبه أنه كان يعرف الشخص ولكنه لم يتذكر من هو، عاد إلى فراشه وأغمض عينيه مستدعيا ً النوم، وعندما انتظم تنفسه نام.



      نهض في موعد جولته الصباحية، خرج من الخيمة وغسل وجهه بالماء الذي تسربت إليه برودة الليل، تناول بسكويتا ً دسه في جيبه، وقصد ملاذه وبين يديه رواية ( الجذور) لأليكس هايلي.



      كانت الأعشاب قد يبست ولم يفلح ندى الصباح في ترطيبها، والمنطقة التي كانت قبل أسابيع قليلة خضراء يثعب فيها الماء ويجري في كل اتجاه، وتتنقل فيها الحشرات مابين أصناف الزهر، صارت اليوم يباسا ً غاض مائها، وأحرقت الشمس أزهارها، فصارت الأعشاب تهتز ورؤوسها للأرض كنادب الأهل.



      أسند ظهره إلى الجذع الحنون الذي ألف شقوقه وتجاعيده، داعب اللحاء بأصابعه ومسح على رؤوس الجذور الضاربة في الرمل والتي بدت كأفاعي تتقمص دور النعام المزعوم، فتح الصفحة الأولى من الرواية وقرأ:



      (( في بداية ربيع 1750 وفي قرية جوفور على مسيرة أربعة أيام من ساحل جامبيا في غرب أفريقيا ولد طفل ذكر ل "أمورو وبينتا كنت" مستمدا قوته من جسد بينتا الشاب القوي وكان أسود مثلها تجري في عروقه دماؤها وكان لا يكف عن الصراخ، وكانت القابلتان المجعدتا الجلد....))



      * * *



      صلوا العصر والشمس التي زادت حرارتها خلال الأسابيع الماضية تحد من حرية حركتهم، وتجعلهم يفيئون إلى الظلال أن وجدوا لها سبيلا، جلسوا بعد الصلاة يتناولون غداءهم الذي أخروه إلى أن ينادي منادي الجوع.



      وعندما انتهوا وغسلوا أيديهم حمل كلا ً منهم نصيبه من الشاي وجعل يتجول في المنطقة بخطى وئيدة، كان حمد يرشف الشاي بهدوء مدافعا ً هجمات الذباب بيده، ومتأملا ً شقوق التربة والنباتات الذاوية، والحشرات التي تأتي وتمضي سريعا ً، والبقايا التي نثرها متنزهون سابقون بلا أخلاق أو مروءة، بقايا زجاجية مهشمة، علب صفيحية صدئة، بقايا أطعمة ملقاة بإهمال وقد لونتها الشمس، وأكياس بلاستيكية ممزقة ذات ألوان باهتة.



      كان شاردا ً، يداه تتحركان بآلية الأولى ترفع كوب الشاي إلى فمه فيما الأخرى تهش الذباب المستبسل، الذي يطن بحيوية ممثلا ً الصوت الوحيد في هذه البرية، حتى جاء صوت ثان ٍ، كان صوت جوال حمد، تناوله بتراخي وهو يرشف الشاي الذي فترت حرارته، ولكن الحرارة هذه المرة جاءته من الاسم الذي كان يتراقص على الشاشة، لقد كان سعد، ضغط حمد على زر الإجابة وتدفق الصوت إلى أذنه:



      - السلام عليكم.



      - وعليكم السلام ( دفعها حمد بجهد كبير إلى نبرة اللامبالاة).



      - كيف حالك حمد؟ عسى مرتاح إن شاء الله ( كان الصوت هادئا ً يأتي كطبقة واحدة، كأن سعد يقرأ من ورقة).



      - بخير الحمد لله ( ماذا سيفعل الآن هل سيعتذر عن فظاظته؟ تساءل حمد).



      - عذرا ً على الانقطاع اللي صار بشرح لك السبب عندما نلتقي.



      - لا... لا... ما صار إلا كل خير ( بس؟ عسى ما تكلفت؟ والله من زين الاعتذار).



      - آ.... الحقيقة أنا الآن في الرياض، وراجع الليلة للشرقية، عندي أشغال أسويها العصر وبنتهي منها بحدود آخر العصر، فلو كان فيه إمكانية أشوفك قبل ما أمشي.



      - في الرياض ( أصاب الوجوم حمد، توقف عن المشي، وتلفت حوله، لم يتوقع أن يكون بهذا القرب)، آ... والله إنه...



      - حمد، لو كنت ما أنت متهيئ، أو مشغول لا تضغط على نفسك، أنا جاي بشكل سريع وبمشي الليلة، بس كل السالفة إني ما حبيت أجي الرياض وأروح بدون ما أقول لك.



      - لا... خير إن شاء الله، إذا خلصت شغلك اتصل بي.



      - تم... مع السلامة، أشوفك على خير.



      - مع السلامة.



      أعاد الجوال ببطء إلى جيبه، ورشف آخر قطرة في الكوب، وبدأت من جديد مسيرة الحيرة والاضطراب، " آآآآآآآه... يا ذا السعد، آآآآآعععه... محيرني في غيابه وفي حضوره، أف... أف... وبعدين؟ هو أنا كل ما قلت خلصنا، رجعنا لنقطة البداية، الآن كيف أترك الشباب؟ الأسبوع اللي فات عدت على خير، لكن الأسبوع هذا بيزعلون، وخصوصا ً مروان، هاها... يا سلام... مروان من جد بيقلبها على رأسي، أتركه وأمشي وعشان من؟ عشان سعد، والله حالة، أف... أف...".



      تحرك من وقفته عندما أحس بلسعة حبيبات الرمل الساخنة التي تسللت إلى نعله، نفض رجله بقوة ومشى وهو يجر الكوب خلفه خير منتبه لنقط الشاي الأخيرة التي تسربت ملوثة ملابسه، " طيب وأنا ليش غبي أواعده؟ كان قلت له لا مشغول... الله يساعدك، مع السلامة، يعني معليش واحد جاي بدون موعد سابق وبدون أتفاق مهوب ذنبي، لكن... لكن الرجل أكرمني يوم رحت له في الشرقية، مهيب حلوة بحقي أهمله يوم جاء للرياض، يعني مهما كنت مشغول الرجل ضيف، وبعدين على من ألعب؟ أنا اللي ضربت أربعمائة كيلو عشان أقعد معه، أزهد به يوم جاء عندي؟ مهوب منطق، بس الشباب وشلون أقول لهم؟ مروان قسم بالله إن يفضحني، طيب أقول لهم إن أمي اتصلت تبيني؟ لا... والله إن يبتليني ربي على هالكذب، وش الدبرة؟ أف... حسبي الله ونعم الوكيل يا سعد، ما تعرف تجي بيوم مناسب؟ لازم تحوسني؟"



      نظر إلى ساعته وحسب الوقت الذي يلزمه للرجوع إلى الرياض، مع الوقت المتبقي على صلاة المغرب، لم يكن لديه وقت كاف ٍ للحيرة، ولذا قصد سيارته مباشرة وأدار محركها، كان الشباب متفرقين في نواحي متباعدة ماعدا أبو سعود الذي كان مستلقيا ً في ظلال الخيمة وقد طرح شماغه على وجهه، ظنه حمد نائما ً ولكنه أبعد الشماغ ورفع رأسه عندما سمع صوت المحرك وقال وهو يشير بيده:



      - حمد... وين؟



      - عندي شغل يا أبو سعود في أمان الله.



      وانطلق بالسيارة، رأى مروان يتمشى في الشعيب الذي ألقت الأثول الضخمة ظلالها على جانبيه، اقترب منه واستجمع شجاعته وفتح النافذة الجانبية ونادى مروان فأقبل وهو يسحب خلفه عصا قصيرة وعلى وجهه ابتسامة ضاحكة:



      - وش عندك؟



      - آآآ... توصي على شيء أنا ماشي الآن، عندي شغل بسويه وأرجع الليلة، تبي شيء من الرياض؟



      غاضت الابتسامة من وجه مروان، وأشاح بنظره إلى الأفق البعيد، تاركا ً صفحة خده تواجه حمد قبل أن يعود بنظره ويقول:



      - الأهل؟



      - لا.



      أمال مروان رقبته قليلا ً منتظرا ً شرحا ً أكثر، ولكن حمد صمت وتشاغل بارتداء نظارته الشمسية، فهز مروان رأسه ومشى مبتعدا ً وهو يلقي خلفه بكلماته الأخيرة:



      - في أمان الله.



      نظر حمد بأسى إلى ظهر مروان الذي كان يمشي ببطء وبلامبالاة وهو يضرب الأرض بعصاه، أحس لحظتها بأن ثمة شيء قد انكسر في علاقته بمروان، شيء رآه في عينيه، ميزه في نبرة صوته، شيء كان موجودا ً ثم خبا، لام نفسه وهو ينطلق بسيارته لم َ لم يبرر فعله لمروان؟ لقد كان مروان ينتظر شرحا ً، ينتظر ما هو أكثر من هذه الكلمات البائسة.



      وهكذا أمضى حمد الطريق في لوم نفسه على ضعفها، حتى دخل الرياض والشمس تنزلق من قبة السماء، وسجف الظلام قد بدأت تتهدل حتى تكاد تغطي كل المرئيات، عليه الآن انتظار اتصال سعد.



      "ما الذي جاء بسعد إلى الرياض يا ترى؟ أي عمل هذا الذي يدعيه؟ ثم لماذا لم يعلمني بحضوره قبل اليوم؟ كان لديه الأسبوع بطوله... لم َ اليوم؟ هل هي محاولة منه لفرض سيطرته علي؟ لا شك أنها كذلك، مع هذا الغرور وهذه النرجسية لابد أنه يظن أن مجرد مكالمة منه تجعلني أغادر كل أعمالي لألحق به، كلام فارغ، من يظن نفسه؟ ولكن لحظة... هذا صحيح، لقد تركت أصدقائي، ووضعت علاقتي مع أحد أعز أصدقائي على خط النار بمكالمة منه، لا... لا... ليس الأمر هكذا، أنا فعلت هذا لأنه أكرمني ومن حقه أن أعامله بالمثل، أوف... خلاص بلا سخافة، يكفي تفكير، خلاص يجي الزفت هذا الحين وأشوف وش سالفته".



      * * *



      جاء الاتصال المنتظر قبيل المغرب، بذات الصوت الغريب ذو الطبقة الواحدة، بلا انفعالات، بلا دفء:



      - السلام عليكم، هلا حمد، تأخرت عليك؟



      - وعليكم السلام هلا والله، لا حيالك الله، تبي أوصف لك البيت؟



      - بيت؟ لا... لا... لا تأخذ المسألة بشكل رسمي، أنا ماراح أطول مسافر الليلة، خلنا نخليها جلسة شبابية خفيفة في كوفي.



      - ما يصير تجي الرياض ولا تدخل بيتنا، لازم نتعشى وإياك.



      - مرة ثانية، الظروف ما تسمح المرة هذي.



      - بس...



      - حمد، أرجوك المرة هذي أنا مستعجل، خلها مرة ثانية.



      - طيب مثل ما تحب، وين تحب نجلس؟



      - يناسبك ( د.كيف) اللي بشارع الأحساء؟



      - ممتاز... متى؟



      - بعد صلاة المغرب مباشرة.



      - خير إن شاء الله.



      * * *



    10. #85
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه



      أوقف حمد سيارته ونزل وهو يدير عينيه في الطاولات المتناثرة خارج المقهى، لمح سعد جالسا ً إلى إحداها وقد أمال جسده في استرخاء، قصده وحالما لمحه سعد قادما ً هب وتصافحا وهما يتبادلان عبارات المجاملة.



      كان حمد يتفحص وجه سعد الذي بدا طبيعيا ً وبلا تعبير محدد، طلب حمد كابتشينو فيما طلب سعد موكا، ثم نظر سعد إلى وجه حمد وقال:



      - أرجو إني ما أكون قطعت عليك أشغال أو شيء.



      - لا... لا... بالعكس هذي الساعة المباركة اللي جيت فيها الرياض، كان ودنا والله لو ضيفناك بالبيت.



      - لاحقين خير، ترى أنا زياراتي للرياض كثيرة.



      - اها... أنا فكرت إنك قليل ما تجي للرياض.



      - لا... أنا أجيها بمعدل ست... سبع مرات في السنة، مع إنه مالي أقرباء هنا.



      وصلت الأكواب الساخنة لحظتها والبخار يرقص فوقها رقصته الشهيرة المتموجة، تناول سعد كوبه ورشف منه رشفة، ثم مسح شفتيه التي تغطت بالكريم ( القشدة المخفوقة كما يسميها اللغويون) وأكمل:



      - الرياض بالنسبة لي ملاذ فكري، عندما أحس بالضيق والوحدة، أركب سيارتي وأخلف الخبر خلفي بل الساحل الشرقي كله، أغادر الرطوبة التي تكاد تزهق أنفاسي، أغادر الوجوه التي ألفتها، وآتي هنا... إلى الصحراء القاسية، أتجول في الرياض، أدور في أسواقها، مطاعمها، تقتحم أذني ضجة شوارعها، وأنفي رائحة طرقاتها، ثم أقصد أخيرا ً مكتباتها لأكدس في سيارتي أحدث الكتب، ثم أرحل وحيدا ً كما جئت وحيدا ً.



      سكت سعد هنيهة، وأنزل رأسه يتأمل الكوب الذي بين يديه ثم رفع رأسه وقال وهو يصوب نظراته إلى حمد:



      - أريد أن أعتذر عن خروجي الوقح ذلك اليوم، لم أفكر بصفاء حينها، تعاملت مع كلامك بحساسية شديدة، أنت وضعت يدك على الجرح، أنا فعلا ً تأذيت كثيرا ً من تعامل القراء مع ما كتبته على أنه مجرد قصة أخرى يحق لهم العبث بها، أحسست بشعور الغريق عندما يطلب منه أن لا يبلل ملابسه، شعور الفتاة التي استعدت لليلة رومانسية مع زوجها بشموع وإضاءة خافتة لتفاجأ بقوله عندما عاد ( وش هالظلمة ولعي اللمبات، كتمتينا بهالشموع).



      ضحك حمد بقوة على الوصف الغريب، وشاركه سعد الضحك وهو يكمل:



      - هذا هو شعوري والله يومها، الخيبة... الخيبة تمثلت لي جاثوما ً أزهق أنفاسي، هل يعلم هؤلاء أني أكتب الفصل في يومين ثم أصاب بعدها بما يشبه الحمى الفكرية، فأظل أهذي ولا أقرب ورقة ولا قلما ً لأسبوع، هل يعلم هؤلاء أن الأمر بالنسبة لي بمثابة استفراغ فكري؟ هل يعلمون أنهم بعثروا آلامي؟ أنهم وطئوا جروحي، عاثوا في مساحات حزني؟ لا... لا يعلمون، لأنهم لا يقرأون ولا يفهمون، لا تلمني يا حمد... فما كتبته لم يكن خيالا ً محضا ً، وإنما هو شيء مني، قطعة مني، لقد أطلعتهم على عوالمي الداخلية، على مسارات الأفلاك التي ظلت طريقها داخلي، ولكنهم طوحوا بهذا كله في لحظة.



      سكت سعد عندما أحس بأنه صوته ارتفع، تجاهل نظرات من حوله الذين وصلتهم كلماته الأخيرة، وأشاح بنظره بعيدا ً، فيما أطرق حمد مفكرا ً بما سمعه، ولم ينبهه إلا صوت سعد الذي جاءه قائلا ً:



      - حمد... تعرف مكان قريب نقدر نمشي فيه؟



      - نمشي فيه؟ كيف؟



      - مضمار للمشي يعني.



      - آآآآ... فيه طريق النهضة قريب، شارعين من هنا.



      - خل نروح نمشي هناك أحسن من الجلسة.



      ركبا سيارتيهما، ولحق سعد بحمد الذي انطلق مسرعا ً وفي عقله تتردد كلمات سعد الأخيرة، " ترى ما السر الذي تختزنه يا سعد؟ ترى ما السر؟ هل نورا حقيقية؟ هل أحببت يوما ً؟ ما هي جروحك؟ ما هي أحزانك؟ متى تفتح قلبك يا سعد وتخبرني؟ متى؟".



      كانت المواقف تمتلئ عادة في يوم الخميس، ولكنهما وجدا لحسن الحظ موقفين متباعدين، نزلا إلى الممشى الذي تحوطه الأشجار ويمضي متعرجا ً، فيما يجلس الناس على جانبيه، ويمضي الأطفال راكضين وهم يزعقون بفرح.



      لفهما الصمت قليلا ً ثم قال سعد وهو يسحب الهواء بعمق:



      - جميل هذا المكان، يبدو أنه سيكون مزارا ً لي في المرات القادمة التي آتي فيها إلى الرياض.



      - نعم هو جميل ( ما هذه العبارة السخيفة – قالها حمد لنفسه بعدما تلفظ بها).



      عاد الصمت يلفهما من جديد، كان ثقيلا ً لزجا ً، يكتم الأنفاس، ويتعب الروح، وعندما طال انبرى سعد قائلا ً:



      - أتعرف ما هي مشكلتي يا حمد؟ مشكلتي هي أني أفكر كثيرا ً، هي أني دقيق جدا ً أكثر مما يحتمل، كل شيء لدي يخضع لحسابات، نوع من هستيريا التنظيم والدقة، مشكلتي أن أفضل وأقرب أصدقائي هما الكتاب الذي يضيف لي جديدا ً والساعة التي تخبرني أن الوقت يمضي بسرعة، هل تعلم أني أحيانا ً أحس بارتفاع في حرارة جسدي من كثرة التفكير، أحس بضغط كبير على عقلي، أفكر في كل مكان... البيت، الجامعة، الشارع، وأنا أقود السيارة، أفكر وأحدث نفسي طوال الوقت، أفضل محاور لي هو ذاتي، أحاور ذاتي كل يوم، أنقدها، أبتدع نكتا ً وأضحك منها، أسلي نفسي بنفسي، هناك ثرثار في رأسي، لا يريد أن يصمت، يخبرني كل يوم بما أعرفه، يخبرني بتفاصيل كل ما قرأت، ويمضي يتنقل بين المعلومات والمواضيع بجنون، هل تريد أن تسمع جزء ً من هذره اليومي؟



      وأشار إلى رأسه بسبابته، فهز حمد رأسه أن نعم، بدون أن يفتح فمه، فألقى سعد بنظره إلى الأرض، وبدأ بالكلام بسرعة:



      - أين كنا؟ حسنا ً لا يهم... الكلام يأتي ببعضه... يقول ابن مالك في ألفيته (كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم) وكل ما أحتاجه الآن مجرد اسم أو فعل حتى أصوغ حكاية جيدة أو موضوعا ً شيقا ً، ألفية ابن مالك بالمناسبة هي منظومة في النحو، فالعرب كانت تنظم كل شيء... العقيدة، الفقه، النحو والتاريخ، فهناك ألفية العراقي ونونية ابن القيم ونونية القحطاني، فالشعر ديوان العرب الذي حفظ آدابهم، الغريب هو أن كثير من الأمم سبقت الكتابة الأدب عندهم، ما عدا العرب كان الشعر سابقا ً للكتابة، ولذلك ظهر فيهم شعراء مجيدون منذ القدم، وما شعراء العصر الجاهلي إلا أبسط مثال على ذلك، وإن كان الدكتور طه حسين يرى في كتابه الشهير ( في الشعر الجاهلي) أن الشعر الجاهلي منتحل، هذا الكتاب الذي سحب بسببه إلى المحكمة، طبعا ً ليس بسبب متحمسين للشعر الجاهلي وإنما بسبب أشياء أخرى ذكرها في الكتاب، نعود إلى الشعر والأمم... انظر مثلا ً إلى الإنجليز أشهر شعرائهم هو وليم شكسيبر لم يظهر إلا في القرن السادس عشر، شكسبير هذا لازال شخصية غامضة، لا نملك معلومات واضحة عن حياته حتى أن البعض نفوا أن يكون شخصية حقيقية ونسبوا أعماله إلى الفيكونت إدوارد دي فير، أما الغريب والمضحك في الأمر فهو أن هناك من أدعى أن اسم شكسبير ليس إلا تحوير لـ ( الشيخ زبير) ولا تسألني عن سبب هذا الادعاء، وليم شكسبير... وليم... بالمناسبة اسم وليم هو اسم تيوتوني مثله مثل إيرك وهنري، والأسماء التيوتونية هي الأسماء التي تنتج من اندماج اسمين لشيئين ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون للاسم الناتج معنى، وليم مثلا ً مكونا ً من جزئين ول التي تعني إرادة ويم التي تعني خوذة، وأسماء الأعلام بالمناسبة ذات أصول عدة فهناك الأسماء ذات الأصول العبرية مثل بنجامين أو بنيامين والذي يعني ( ابن اليد اليمنى) و سوزان الذي يعني ( زنبق) نتنياهو الذي يعني ( عطا الله) وهناك الأسماء اليونانية مثل ميلاني وهيلين وجورج وهناك الأسماء السلتية مثل دوجلاس وجنفر، وطبعا ً العربية مثل محمد وعبدالله، أما أغرب الشعوب في التسمية فهم اليابانيون فهم مولعون بالأسماء ذات المعاني الغريبة، قرأت قبل سنوات في إحدى الصحف عن الأب الذي كان يرغب بتسمية ابنه بـ ( زهرة زنبق على عجز كبش) أو شيء من هذا القبيل ولكن قسم تسجيل المواليد رفض قبول هذه التسمية، فأختار عوضا ً عنه اسم ( ابن الشيطان) مدعيا ً أن هذا لا يلحق الأذى بأي أحد، والشيء بالشيء يذكر، فالهنود الحمر كانوا شاعريين في اختيار أسمائهم فكان لديهم ( الريح في شعره) و ( الراكل إلى الأعلى) و طبعا ً أنت تعرف ( الراقص مع الذئاب)، ولكن الهنود الحمر تم ذبحهم وإبادتهم من قبل المستعمرين الأوروبيين، وكل ما تبقى منهم الآن أربعة ملايين فرد يعيشون في محميات، ولا نعرف عنهم شيئا ً سوى أسماء قبائلهم التي أطلقت على بعض المنتجات، فالشيروكي (السيارة) والأباتشي ( الطائرة الهجومية) ليست إلا أسماء قبائل هندية، طبعا ً هناك قبائل هندية كثيرة الكريك والسوك والشيووا والسيوكس والآباش وغيرها، ولكن الأمريكان لم يخرجوا حتى الآن بمنتجات تحمل أسمائها، وبما أننا في سيرة الأمريكان وإنتاجهم، فلا بد أن نعرج على الثقافة الأمريكية الاستهلاكية؟ فالشعب الأمريكي أكبر شعب استهلاكي في العالم، وهو على عكس ما يظن الناس يستهلك أكثر مما ينتج، ولذلك فأمريكا الآن ترزح تحت دين عام يبلغ 7400 مليار دولار، نعم... 7400 ألف مليون دولار، لقد سمعتني، بمعنى أن أمريكا الآن تنهب خيرات العالم بالدين ولا تقدم شيئا ً بالمقابل، بينما من الجهة الأخرى الشعب الياباني شعب منتج أكثر منه مستهلك، بالإضافة إلى أنه سوق مغلق أمام جميع المنتجين غير اليابانيين، فاليابانيون عودوا أنفسهم منذ سنوات على تقليل الإنفاق وزيادة الإنتاج وهم الآن يحصدون ما زرعوا، طبعا ً لا ينافسهم أحد إلا الألمان، والعجيب هنا هو الدافع لدى الشعبين، فدافع الشعب الياباني للتفوق هو الشعور بالدونية والنقص فاليابانيون يحاولون دائما ً التغلب على نقصهم وضعفهم وفقرهم إلى الموارد الطبيعية وهذا ما يدفعهم للأمام، بعكس الألمان الذين يشعرون بالفوقية وأن ألمانيا فوق الجميع كما يقول النشيد الألماني الشهير، وهو المدخل الذي دخل عليهم منه هتلر، فهتلر كان يذكر دائما ً بالظلم الذي لحق بالأمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى والأراضي التي اقتطعت منها وأعطيت إلى فرنسا ( الألزاس واللورين) وأيضا ً ما حصلت عليه بولندا، الغريب هنا هو أن هتلر ليس ألمانيا ً أصلا ً وإنما هو رسام نمساوي مغمور كان يبيع لوحاته للمقاهي في فيينا، واسم عائلته أصلا ً لم يكن هتلر وإنما كان هيدلر ولكن تم تحريفه إلى هتلر تخفيفا ً في النطق، شارك في صفوف الألمان في الحرب العالمية الأولى وأصيب، وعندما نتحدث عن هتلر فنحن لا ننسى رفاقه بالطبع هملر رئيس الجشتابو وجورينج صاحب اللوفتوافه، أتعرف اللوفتوافه؟ الطيران الألماني الحربي الضارب الذي أرعب أوروبا، أيضا ً جوبلز وزير الدعاية الوسيم الذي كان مؤمنا ً بهتلر حتى أنه عندما سقطت برلين قام بتخدير أبنائه الستة ثم قتلهم بالسم بالتعاون مع زوجته قبل أن ينتحرا معا ً، ورومل ثعلب الصحراء والقادة الكبار مثل فون رنشتد وفون باولوس ودانتز، لقد كانت أياما ً أسود من قلب الكافر، قتل فيها 35 مليون إنسان في ظرف ست سنوات، طبعا ً كان الختام باللمسة الأكشنية الأمريكية بواسطة قنبلة ( الولد الصغير) كما أسموها التي ألقيت على هيروشيما، وقتلت مائة ألف من سكانها في لحظة، أعوذ بالله من غضب الله، ولكن دعنا من الحروب وسيرتها مع أن المؤرخ توينبي قال أن مجموع السنوات التي قضتها البشرية بدون حروب في التاريخ المنظور 278 سنة فقط، تخيل هذا !!! آلاف السنين لم يدم فيها السلام سوى هذه الفترة البسيطة، فلذلك الحروب شئنا أم أبينا تشكل جزء من الثقافة البشرية، والعجيب أن الحروب ساهمت أحيانا ً في تقدم العلم، فكثير من المنتجات التي نستعملها الآن كانت في الأصل منتجات حربية ولأبحاث التي قامت عليها كانت تحت مظلة وزارات الدفاع، وأبسط مثال شبكة الانترنت التي كانت في الأساس شبكة لوصل متعهدي القوات المسلحة الأمريكية بوزارة الدفاع الأمريكية، عموما ً... قلت أننا سنخرج من الحروب وأقرب قشة نتعلق بها هي الانترنت، الانترنت الحالة الجديدة، سبحان الله... كل الأمور تبدأ بسيطة ثم تتعقد، انظر للانترنت الآن... بدأنا الآن نسمع بالجرائم الإلكترونية وبدأت الدول في سن القوانين التي تجرم بعض استخدامات الانترنت، ومع مضي السنوات ربما يتحول الانترنت إلى منظمات ضخمة وجماعات ضغط هائلة، فالانترنت يتميز بسهولة الاستخدام والعالمية مع قدرة عالية على النشر وتوصيل المعلومة، وسيأتي اليوم الذي تسود فيه الثقافة الجوجلية ( نسبة إلى محرك البحث جوجل) الذي يقدم لنا خدمات كبيرة جدا ً في نشر المعلومة كما يحمل سلبيات يجب أن نحذر منها، وبالحديث عن النشر... لو تعلم مقدار الخدمة التي قدمتها لنا الطباعة؟ في الماضي كان نسخ الكتب يتم يدويا ً ويأخذ وقتا ً طويلا ً، كما أن المؤلف الذي يقضي ربما سنوات في التأليف ويكد بدنه وعينيه في البحث والكتابة يضطر عندما ينتهي إلى البحث عن ملك أو وزير ليهديه النسخة الأولى من الكتاب، فإذا أعجب بها أمر بنسخها ومنحه مبلغا ً من المال كمكافأة، وربما لا ينتشر الكتاب كثيرا ً لقلة الناسخين له فيطوى في بطون المكتبات، وتتعجب عندما تنظر في سيرة الكتاب الكبار في الزمن الماضي فتفاجئ بأنهم شحاذين رسميين، خذ أبو حيان التوحيدي مثلا ً، أقرأ مقابساته أو كتابه الإمتاع المؤانسة ستعجب بعلم الرجل وسعة معارفه ولكنك أيضا ً ستعجب من اللغة الذليلة الخانعة التي يستجدي فيها مثل قوله ( أجبرني فإنني مكسور، اسقني فإنني صدٍ، أغثني فإنني ملهوف، شهرني فإنني غفل، حلني فإنني عاطل)، إلا يسوؤك أن تجد هذا في كتاب أدبي أو علمي؟ وأبو حيان هذا هو الذي أحرق كتبه في آخر عمره بسبب تألمه من أن لا أحد قدر جهده وعمله وظنا ً بعلمه على الناس أن يقرءوه بعد موته، ويشابه الشعراء في هذا الكتاب، فالمتنبي الذي عده البعض أفضل شعراء العرب، أين قصائده في الفقراء والمساكين أو في الأحوال الاجتماعية أو الفكرية، للأسف جل قصائده ذاتية استرزاقية مطعمة بالحكم التي تخلب لب الناس، لماذا؟ لأن الشعر أكل عيش، وعليه قس أكثر الشعراء الذين كانوا يقفون بأبواب الخلفاء لينعم عليه الخليفة بـ ( أعطوه عشرة آلاف دينار وجارية وغلام يا حاجب)، مساكين أولئك الشعراء فاتتهم الآن الدواوين المطبوعة لشعراء اليوم، ذات الصفحات المصقولة والتي تكتب بها القصيدة على خلفية تمثل شمس غاربة أو قمر في المحاق، ويصدر الغلاف بصورة الشاعر وهو يبتسم بخفر وحياء كأنه مغصوب على طبع الديوان، وعندما تفتح الديوان لا تجد قصائد وإنما تجد كلاما ً فارغا ً من نوع

      ( راحت وحسيت أنها بتروح

      وقلبي معها راح

      وبغت تروح الروح

      حزة صلاة التراويح

      والقلب مجروح

      جاء غزال مقبل مملوح

      مثل رجم العقوم الطراميح

      القلب يبي له عدة وتصليح

      والأكل ما يصلح بدون تبهير وتمليح)، تبهير وتمليح؟ من معنا؟ الهدوج وإلا ماما نورة؟ كلام فارغ، للأسف فات المتنبي هذا العز، وبما أننا مازلنا في سياق النشر فحمى النشر لم تصب فقط الشعراء بل والكتاب أيضا ً، اذهب إلى المكتبات ستجد على رفوفها الغث والسمين، وللأسف ستجد الغث يحتفى به وتتناوله الأقلام بينما تغض الطرف عن الكتاب ذوي المواهب، وهذا يدل على أن المسألة لا تخضع للثقافة أو لمعايير فنية وإنما هي القدرة على تسويق الذات والمصالح، لدينا شللية (من شلة) في الأدب للأسف، لدينا أقلام تضيع في الزحام بسبب الخلافات الإيديولوجية أو الشخصية، لدينا...



      كانا قد وصلا الآن إلى نهاية المسار من الناحية الشمالية وصار لزاما ً عليهما الالتفاف والعودة مع المسار الآخر، ترامت إليهما أصوات المؤذنين متداخلة وهم يدعون للفلاح، استدارا وعادا صامتين يرددان مع المؤذن، وعندما انتهى سعد (..... وآت محمدا ً الفضيلة والوسيلة وابعثه مقاما ً محمودا ً الذي وعدته) التفت إلى حمد الساهم وأشار إلى رأسه وقال بحزن:



      - أرأيت حجم ما يدور هنا؟ أرأيت ما يلاحقني في وحدتي؟ هل تصدق أني قطعت المسافة بين الرياض والشرقية وهذه الملاحم تدور وتدور في رأسي، إني لا أستطيع النوم بسهولة؟ صار النوم في فلسفتي مضيعة وقت؟ أحيانا ً أضع رأسي تحت الوسادة لا فوقها، وأحاول أن أسكت هذا الثرثار الموجود في عقلي، ثم عندما أتهادى في الوسن وأرى النوم كحضن أم رؤوم وعندما يغوص رأسي في نعومة المهد الرباني، ينسى الثرثار الذي بدأ صوته بالخفوت نصف بيت أو تاريخ حدث ما أو عبارة قرأها في كتاب ما، فيحرمني النوم، فأنهض هاتكا ً أستار الليل وأظل إلى الفجر أنقب في مكتبتي عن ما نسيه، حتى إذا صليت الفجر سقطت على الفراش فاقدا ً للوعي خانقا ً الثرثار.



      صمت والتفت ينظر إلى فتاة صغيرة جميلة كانت تمر بهما وهي تضحك بقوة وعلى فمها وبين أصابعها حلوى ذات لون أحمر جعلتها كمثال صغير لدراكيولا، ولكنه دراكيولا فاتن وجميل بالطبع، بينما كان حمد ساهما ً معقود اللسان، لا يدري ما الذي يجب عليه قوله، كان مبهوتا ً بكل ما سمعه، يحس بما يحس به كل إنسان اقترب من حافة المآسي الإنسانية.



      وصلا إلى المواقف، قال سعد وهو يمسح حبات العرق التي كللت جبينه ويتجنب نظرات حمد:



      - أنا ماشي الآن.



      - الآن؟ خل نتع...



      قاطعته إشارة سعد الحاسمة، فصمت ونظر إلى سعد الذي ركب سيارته وأدار محركها، ثم فتح النافذة الجانبية ونظر إليه نظرة أخيرة قبل أن يقول:



      - أتمنى إني ما أكون صدعت رأسك اليوم بحديثي، كما أني تركت للختام خبرين صغيرين، الأول هو أني تعوذت من شيطاني وسأرد ردا ً واحدا ً مفصلا ً على القراء في روايتي، والثاني هو أني قرأت الفصل الثاني من روايتك، وأعجبني كثيرا ً كما أعجب الجماعة الذين أرسلت لهم، تستطيع اعتبار نفسك العضو الجديد في الجماعة، هذه هدية بسيطة أرجو أن تمسح بعضا ً من وقاحتي، وبإذن الله خلال الأسبوع القادم سيكون الاجتماع التحضيري لوضع الخطوط الرئيسية للرواية الجماعية.



      - الله يبشرك بالخير، فاجأتني بصراحة.



      - ههههه، توصي على شيء؟



      - سلامتك.



      - مع السلامة.



      تراجع سعد بسيارته دافعا ً إياها خارج الصف، ولوح بيده وهو ينطلق حتى وصل مخرج المواقف حيث تمهل ولمعت الأنوار الخلفية الحمراء لسيارته للحظات، ثم رحل سعد.



      * * * * * * * * *







    11. #86
      التسجيل
      26-04-2003
      الدولة
      -(_)K..s..A(_)-
      المشاركات
      902
      المواضيع
      94
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      مشكوووور اخوي على الفصل الجميل
      ونطمع بالمزيد ...
      هلالي إلى الابد




    12. #87
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      Tranedo

      السلام عليكم

      شكرا ً لمرورك.

    13. #88
      التسجيل
      29-04-2003
      الدولة
      Jordan
      المشاركات
      527
      المواضيع
      101
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      تسلم أخوب على الفصل الطوييييييييييل والرائع

      وللأمام انشالله

      أترياك

      سلام
      رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا


      كن مع الله ولا تبالي

      لاإله إلا الله محمد رسول الله


      أنا على موعد مع الموت متى؟ وأين؟؟

      The Fury

    14. #89
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      The Fury

      شكرا ً لمرورك.

    15. #90
      التسجيل
      21-05-2005
      المشاركات
      100
      المواضيع
      1
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: بلا اتجاه

      الفصل الرابع عشر



      عاد إلى المخيم، ولكن الأمور لم تعد كما كانت، عاد يحمل خدوشا ً على جوانب روحه، كأن كلمات سعد أحجار ضخمة سقطت في أعماق نفسه وهي تصطدم في جوانبها محدثة صلصلة لازالت ترن في أذنيه.



      عاد ساهما ً، واجما ً، متسائلا ً... تخوض سيارته في الرمال، وتحاول كشافاتها تبديد الظلمة والغبار، والليل الذي كان وليدا ً عندما خلف الرياض وراءه قد صار أبا ً ذو نجوم وهلال.



      وصل المخيم ليجد أصدقائه قد جلسوا على السجادة الحمراء التي قد أحترق أحد أطرافها من مزحة سخيفة ذات يوم، ولونت بقع الشاي التي انسكبت في مناسبات متفرقة وجهها الأحمر ذو الزخارف، كانوا يتحدثون ويتناقشون بحماس ويصخبون حينا ً وحينا ً يضحكون.



      حاول وهو مقبل عليهم أن يدرع بوجه باسم يقيه تساؤلاتهم وكلماتهم، التي جاء أولها من ناصر:



      ناصر: هلا... والله هلا... هلا والله بالحامل والمحمول.



      حمد: السلام عليكم... لا حامل ولا محمول... ما معي شيء.



      ناصر: هه... ما جبت لنا شيء من الرياض؟



      حمد: وش أجيب يا كافي... عطوني بيالة شاهي بس... رأسي مصدع.



      عبدالعزيز: وهذي بيالة شاهي ( قالها وهو يمد يده بواحدة مثلومة).



      حمد: يا هالبيالة المكسورة... دايما تصير من نصيبي.



      ناصر: هذا أبو سعود الله يهديه... بخيل ولا يعرف بالإتيكيت.



      عبدالعزيز: مخلين الإتيكيت لك يالدب.



      ناصر وهو ينظر إلى مروان الذي كان يجلس على مبعدة عدة أمتار وبين يديه قطع دجاج يشويها على الفحم بنظرة طلب المساندة، ولكن مروان جاوبه بابتسامة خفيفة ولم يعلق: ما أقول شيء يا أبو سعود... أنت أبخص.



      عبدالعزيز: كمل نصبتك اللي كنت تنصبها علينا قبل لا يجي حمد تر....



      لم يسمع حمد باقي الجملة لأن عقله غاب من جديد في حمى الأسئلة، وعيناه معلقتان بمروان الذي كان يتشاغل بما بين يديه ولا يشارك بالحديث على غير عادته " هل هو غاضب؟ هل ضايقه رحيلي؟ لا بد أن أتحدث معه، ولكن ليس الآن فأنا لا أكاد أفيق من توهاني وشرودي" هكذا حدث حمد نفسه وهو يرمق يدي مروان وهما تديران الأسياخ بمهارة وخبرة.



      * * *



      الرياض بالنسبة لي ملاذ فكري، عندما أحس بالضيق والوحدة، أركب سيارتي وأخلف الخبر خلفي بل الساحل الشرقي كله، أغادر الرطوبة التي تكاد تزهق أنفاسي، أغادر الوجوه التي ألفتها، وآتي هنا... إلى الصحراء القاسية، أتجول في الرياض، أدور في أسواقها، مطاعمها، تقتحم أذني ضجة شوارعها، وأنفي رائحة طرقاتها، ثم أقصد أخيرا ً مكتباتها لأكدس في سيارتي أحدث الكتب، ثم أرحل وحيدا ً كما جئت وحيدا ً.



      * * *



      هل يعلم هؤلاء أني أكتب الفصل في يومين ثم أصاب بعدها بما يشبه الحمى الفكرية، فأظل أهذي ولا أقرب ورقة ولا قلما ً لأسبوع، هل يعلم هؤلاء أن الأمر بالنسبة لي بمثابة استفراغ فكري؟....



      * * *



      مشكلتي هي أني أفكر كثيرا ً، هي أني دقيق جدا ً أكثر مما يحتمل، كل شيء لدي يخضع لحسابات....



      * * *



      هناك ثرثار في رأسي، لا... يريد.... أ... ن... ي...ص... م... ت...



      * * *



      عاد حمد إلى أرض الواقع على أصوات الشباب وقد نهضوا يغسلون أيديهم استعدادا ً للعشاء، نهض يتبعهم متثاقلا ً وسار حافيا ً، يحس بخشونة الأرض تحت قدمه، وقسوة الحصى المبثوث في جنبات المخيم، وتداعب باطن قدمه أعشاب ميتة قد سجتها الرياح، غسل يديه بماء بارد، ثم وجهه ورأسه وجعل يهز رأسه نافضا ً الماء وهو يشعر بانتعاش، وبالهواجس تتوارى، وتختفي في الشقوق الذاكرة حتى حين.



      عاد إلى السجادة ليشارك الشباب وليمتهم البسيطة، كان مروان قد استرد جزء من روحه وعاد يداعب عبدالعزيز بكلماته، ورغم أنه لم ينظر إلى حمد أبدا ً ولكن مجرد عودته أشعرت حمد بالراحة، فجعل يضحك من كلمات مروان بقوة، للتنفيس أحيانا ً وللتملق أحيانا ً أخرى.



      مروان: أبو سعود تكفى شوي شوي... ترى الدجاج مهوب طاير... ما طار وهو حي وشلون يطير وهو مشوي.



      عبدالعزيز وهو يلوك خبزا ً وحمصا ً قد تبقى بعضه على طرف فمه: وأنت شوي شوي... مهوب لازم تعبي بطنك بق للمسلمين شيء.



      ناصر بلؤم: أبو سعود أمسح فمك حومت كبدي... وع.



      عبدالعزيز وهو يغمس قطعة خبز في الحمص ثم يبلل بها شفتيه ليغيض ناصر: وهذي خشتي صارت كلها حمص... وش عندك.



      مروان: الله يحلل البزور يا أبو سعود... هذا وحنا نقول أنت كبيرنا... قالوا من عاقلكم قالوا هالمربط.



      ناصر: مروان... تبي نربطه بعد العشاء، ترى معي حبل بالسيارة.



      مروان: والله إنها فكرة زينة... لا ونأخذه ونجدعه بالشعيب يقولون إنه كله جن.



      عبدالعزيز وقد أوجس خيفة لأنه يعرف جنون صاحبيه فقال محاولا ً توجيه الحديث وجهة أخرى: أقول أعقلوا بس... إلا أنت يا حمد وشلون الرياض.



      نظر له حمد بغل لأنه حول الأنظار إليه وكاد كأس الكولا الذي يتجرعه يسقط من يده ورد بتعجل لإنهاء الحديث: الحمد لله بخير.



      ناصر: لا تصرف يا بو سعود... والله العظيم إن ما مسحت خشتك ذي... أن لا أربطك أنا ومروان ونجدعك بالشعيب ونخلي الجن توريك الشغل.



      خنس عبدالعزيز ومسح فمه وسط ضحكات مروان وناصر الشامتة.



      * * *



      كانت النار قد خبت عندما نهض مروان الذي قضى الساعة الماضية وهو يحرك شاردا ً رمادها بعصاه، كان الجميع قد أووا للفرش تباعا ً وظل حمد يقاوم النوم والشرود، منتظرا ً اللحظة التي ينفرد فيها بمروان.



      وحانت اللحظة عندما جلس مروان على السجادة بجانبه، سكب لنفسه ماء ً ثم سأل حمد:



      - كيف شغلك اليوم؟



      - الحمد لله.



      - طيب ليه ضايق صدرك وشارد؟



      - مريت اليوم بتجربة غريبة... إحساس ما مريت فيه قبل يا مروان.



      صمت مروان، وفي دقائق أنهى له حمد ما مر به خلال هذين اليومين، من محادثته مع سعد في المسينجر إلى حضوره اليوم، ومن لقاءهما في المقهى إلى سيرهما في طريق النهضة والانفجار العقلي لسعد إلى رحيله.



      وقال حمد وهو ينهي حديثه:



      - اليوم يا مروان عندما رحل سعد حسيت بمعنى الغربة الداخلية، حسيت كيف ممكن الواحد يقدر يألم نفسه ويقسى عليها أحيانا ً بسبب أشياء هو ماله ذنب فيها.



      سكت مروان ولم يرد ثم نهض وانصرف وحمد يراقبه وعندما وصل باب الخيمة وقف لحظات ثم عاد وقال وهو واقف:



      - معليش يا حمد... بس ما لاحظت إنك قلت الكلام هذا كله ببساطة، حمد... ما لاحظت إنك وفي خلال أسبوعين تخليت عن أصدقائك مرتين... وعشان من؟ عشان واحد مريض نفسي... حمد... ما لاحظت إن سعد الزفت هذا صار محور لحياتك... وصرت مستعد تتخلى عن أي واحد فينا عشانه... يكفي اتصال واحد منه وتروح تركض له... للأسف... كنت أظن إننا نهمك.



      - مروان... أنا ما تركتكم الأسبوع هذا عشانه... أنا رحت عشان أرد له عزيمته لي الأسبوع اللي فات فقط... مروان أنت عزيز وغالي، كلكم عزيزين وغالين.



      - لا تزعل مني يا حمد لو قلت إني ما ني مصدقك، أنت مفتون بهذا الشخص والأيام بتثبت لك الشيء هذا... عموما ً... أنت حر... تصبح على خير.



      ومضى مروان إلى فراشه، فيما ظل حمد في الخارج يستمع إلى أنين الرياح ومعزوفة الحشرات الليلية.



      * * *



      مضى الغد بطيئا ً على حمد، كان يتجنب الصدام مع مروان، ويؤجل الحوار معه إلى أن يهدأ، سيتركه لنفسه يومين أو ثلاثة وبعدها تصلح الأمور، هكذا قدر.



      أما مروان فقد كان يحس بألم في داخله، أن يرى أعز أصدقائه، يتخلى عنه بكل بساطة، كان يتساءل هل أنا فارغ إلى هذه الدرجة حتى يحس حمد بأن قضاء الوقت مع سعد أفضل من قضاءه معي؟ هل هي فورة ويعود بعدها حمد كما كان؟ هل؟



      مضى اليوم... وعاد الجميع إلى منازلهم، وعاد حمد بغير الوجه الذي ذهب به، مرهقا ً شاردا ً يفكر في سعد، في مروان، في نفسه، في أشياء كثيرة تحتاج إلى حسابات جديدة.



      * * *



      السبت/ الساعة 9.30 مساء ً.



      لم يذهب حمد إلى أصدقائه اليوم، وإنما قبع في غرفته تحت دعوى الإرهاق، كان لقاءه بمروان صباح اليوم في الجامعة باردا ً وهادئا ً، والكلمات قليلة وثقيلة، ولم يكن حمد في مزاج يسمح بالشرح والاعتذار ولذلك جعل الأمور تسير في مجراها، ولم يحاول التغيير.



      كان سعد يلح على أفكاره، وذكرى يوم الخميس ماثلة أمامه، وكلمات سعد كأنما نقشت على لوح من رخام فهي تعرض عليه في كل لحظة، وتبرق في مخيلته كأنها ترجيع صدى أبدي.



      ولذلك وجد صعوبة في أن يفعل شيئا ً، لم يستطع المذاكرة، ولا مشاهدة التلفاز، ولا الخروج، ولا الدخول، حتى الاستحمام بدا له بلا طائل، وعندما جلس أمام حاسوبه ينتظر الدخول إلى الانترنت، صار يزفر بقوة ليخرج الضيق الذي يثقل صدره.



      وجد سعد في المسينجر، ارتجفت يداه، فكر بالهروب، بالخروج من الانترنت كله، لا يريد لقاءه، لا يريد الحديث معه الآن، لا يريد سماع شيء، تكفيه حيرته هو، اضطرابه هو، مشاكله هو، خيباته هو وانكساراته هو.



      ولكن سعد ابتدأه بالسلام ثم أتبع:



      - أهلا ً... كيف الحال؟



      - وعليكم السلام... الحمد لله بخير، كيف حالك أنت؟



      - الحمد لله طيب...



      - كيف الحال اليومين هذي؟



      - بخير الحمد لله.



      - قرأت الرد؟



      - أي رد؟



      - ما دخلت المنتدى اليوم؟ الرد على قراء روايتي.



      - لا ما دخلت بدخل بعد شوي.



      - أمس بالليل كتبته ونزلته في الموقع.



      - الله يستر.



      - ههههههههه... تفاءل يا أخي يمكن أكون غيرت النهاية.



      - والله يا هي صعبة... أقرب الرد وأشوف.



      - المهم... أنا مستعجل بروح أجيب أمي وأختي... برسل لكم الآن أنت والبقية الجماعة رسالة تحديد موعد الاجتماع الأول وتعريف بالبقية.



      - ما شاء الله وش هالنشاط؟ متى الاجتماع؟



      - الاثنين القادم على المسينجر الساعة 10 مساء ً.



      - خير إن شاء الله.



      - توصي شيء؟



      - سلامتك.



      - الله يسلمك... أستلم الرسالة.



      لحظات ووصلت إلى حمد الرسالة فتحها ليجد مكتوبا ً فيها:



      (( الأخوة الأعضاء



      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



      يسعدني الإعلان عن انعقاد الاجتماع الأول لبحث كتابة الرواية الجماعية لمنتدى ( أقلام بلا اتجاه)، وذلك يوم الاثنين القادم الساعة العاشرة مساء ً، على المسينجر، أتمنى من الأخوة التقيد بالموعد، والآن سيتم تعريف سريع للأعضاء وتبادل للبريد:



      1. قلم بلا اتجاه الخبر ------@hotmail.com

      2. الليل الدمام ------@hotmail.com

      3. مجروحة بأهدابي الرياض ------@hotmail.com

      4. ضوء في آخر النفق الرياض ------@hotmail.com



      وشكرا ً لكم.



      قلم بلا اتجاه))



      قرأ الرسالة وأسماء الأعضاء، لم يتذكر أنه قرأ لهم شيئا ً من قبل، فكر أن يقرأ لهم حتى يعرف لم َ أختارهم سعد؟ قصد المنتدى، وهناك فتح رواية سعد ( صفحات حب تذروها الرياح) ليقرأ الرد، ثم بحث عن مشاركات ( الليل) و ( مجروحة بأهدابي)، وجد ثلاث قصص قصيرة للأول، وقصة قصيرة وواحدة طويلة لمجروحة، فتحها كلها وجلس ينتظر، وعندما اكتمل فتح الصفحات قطع الاتصال، وقصد رواية سعد وبدأ يقرأ.



      * * *



      هل يعلمون أنهم بعثروا آلامي؟ أنهم وطئوا جروحي، عاثوا في مساحات حزني؟ لا... لا يعلمون، لأنهم لا يقرأون ولا يفهمون، لا تلمني يا حمد... فما كتبته لم يكن خيالا ً محضا ً، وإنما هو شيء مني، قطعة مني، لقد أطلعتهم على عوالمي الداخلية، على مسارات الأفلاك التي ظلت طريقها داخلي، ولكنهم طوحوا بهذا كله في لحظة.



      * * *



      (( توطئة



      هذا ما يجنيه من يحاول تحريك صخرة في وادي قفر، إنه يحرك عوالم قد استوطنتها... عوالم تتوجس من نور الشمس.



      لذوي الألباب



      عندما بدأت في كتابة روايتي... كانت البداية اختيارا ً... لم يسألني أحد الكتابة... لم أستشر أحدا ً في موضوع الرواية، أحداثها، اتجاهها... كان حق الكاتب في الكتابة، كما هو حق القارئ في القراءة والنقد.



      وعندما وضعت النهاية التي أملتها علي مسئوليتي ككاتب يحترم فنه، يحترم قلمه، ويحترم قراءه، لم انتظر تصفيقا ً... هتافا ً... تملقا ً... كل ما أملته مجرد قارئ... قارئ يقرأ ما وراء الحروف... قارئ يقرأ الرواية كاملة... ثم يربت بيد وهمية على كتفي ويقول " لقد وصلت الرسالة... شكرا ً"... واليوم وأنا أطلع على ردودكم... أكاد أجزم بأن هذا الكاتب لم يتجسد واقعا ً... أنه ولد في خيالي وهناك ذوى ومات... لم كنت أكتب إذن؟ لمن؟



      هنا في هذه الصفحة وعلى مدى شهور بعثرت نفسي، تركت قلمي يرسم لكم الإشارات... تركت خالد يخبركم أشياء ً وأشياء... كما تركت نورا تفعل ذلك... ومن وراء هذا كله كنت أنا الذي يتحدث إليكم... كنت أغلف رسالتي بأسلوب أدبي... ولكن يا للأسف... اكتشفت اليوم أني نسيت أن أضع لكم ( دليل الاستعمال).



      ما يضايقني حقا ً... بغض النظر عن مدى فهمكم لما قلته... هو أني حاولت أن أصنع فارقا ً... حاولت أن أحول الصخرة الجاثمة عن مكانها، أن أجعل الشمس تصل إلى التربة التي اشتاقت إلى النور، إلى التنفس ورؤية وجه السماء، ولكني نسيت حينها إني معرض للسع، معرض لخشونة الصخرة، معرض لغضبكم.



      ما يضايقني صدقا ً... هو أن الذين اقتاتوا على حروفي أياما ً... والذين شكلت كتاباتي رافدا ً لهم... عادوا اليوم يرتدون أسمال المزق التي انتزعوها من حروفي... ليصيحوا باسم الأدب والقصة والكتابة.



      لم أسمع قبل اليوم بالنهاية التي يختارها ويصوغها القارئ... فهل سمعتم؟ هل كان يجب علي أن أكتب عشرات النهايات لهذه الرواية... نهاية لكل قارئ، لأستجلب رضا ً لا أبحث عنه.



      لو نظرتم إلى ما كتبت لوجدتم أنه لا يعدو قصة شخص بسيط قرأ لفتاة مثقفة وأحبها ثم فر عندما لم يستطع مجاراتها... هي قصة بسيطة... لا جديد فيها على مستوى الحدث، فأنا لم أكن أبحث عن الأحداث، لم أعدكم بشيء، أنا هنا كنت أكتب عن الإنسان، خيباته، آلامه، آماله، انكسارات الحلم، قسوة الفقد، وفقد القدرة، وقدرة الفعل، وأشياء أخرى... كنت أحاول أن أصنع منظارا ً... استكشف به ذاتي وذوات الشباب الذين يرمز إليهم خالد... ونورا كانت أشبه ما تكون بالرمز لكل شيء جميل في هذه الدنيا... لا نستطيع الحصول عليه.



      هل ظننتم أني عاجز عن تدوير الأحداث؟ اختلاقها؟ هل تظنون أني لا أستطيع أن أحبس أنفاسكم بتتابع الأحداث وسرعتها؟ هو أمر مقدور عليه... ولكنه لباس لا يناسبني، يقصر عن مقياس عقلي ورأيي، تركته لأهله... أنا أحاول الغوص في الأعماق، أحاول قراءة الناس، تصرفاتهم، آمالهم، مخاوفهم.



      ولذلك فأنا أعتذر لكم لو كنت قد سحبتكم إلى الأعماق وأنتم لم تجاوزوا يوما ً المناطق الضحلة، أعتذر لأني كشفت هنا جزء ً من ذاتي المقروحة، وأعتذر لأني تعشمت أن هناك من يقرأ ما وراء الحروف.



      أحتاج الآن إلى أيام طويلة لأبرأ وأتعافى من الكتابة... ولكن عندما أكتب هنا مرة أخرى أعدكم أن أظل قريبا ً من السطح، ليس من أجلكم، ولكن لأن أنفاسي ما زالت قصيرة... أقصر من رعشة هدب... أقصر من خفقة جناح... وأقصر من خطرة التفكير في العقول الصدئة.



      وها هي قصة خالد تتجسد من جديد... أنا خالد... ونورا هي الكتابة العميقة... رباه... إن هذا الجب موحش. ))



      * * * * * * * * *

    صفحة 6 من 13 الأولىالأولى 1234567891011 ... الأخيرةالأخيرة

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •