بسم الله الرحمن الرحيم
اخوتي , السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
"الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية"
عبارة من العبارات الشائعة ذات الشعبية الكبيرة..نرددها بأنفسنا كثيراً, وتتردد على مسامعنا اكثر.
يختلف رجلان, يحتدم بينهما النقاش, يرتفع الصوت و ترتفع معه الأيادي, لا لم يصل الأمر الى حد "الضرب" بعد لكن, مع هذه الوجوه المحمرة, النظرات الغاضبة والقبضات المكومة يمكنك ان تخمن انها مسألة وقت لا أكثر, ثمَّ...هاه؟
ما هذا؟ ماذا أرى؟
احدهما يقترب من صاحبه راسماً ابتسامة ضخمة, يمد يده مصافحاً بينما يردد:
" مالك زعلت علينا كدا يبو! احنا حبايب! بعدين انت ما تدري؟
الاختلاف في الرأي ما يفسد في الود قضية هاهاها..ولا كيف؟
وبعدين العشرة ما تهون الا على...هاهاها!والعيش و الملح..هاهاها!"
ويشد على يده مؤكداً ان "الود لم يفسد"!
"صاحبه" يحس بالخجل..
يعتذر بلباقة و يرحل, بينما ضميره يؤنبه على شدته في الكلام مع هذا الرجل الخلوق.
جميل, اليس كذلك؟
ليس حقاً, فالأمر لم ينته بعد
.
.
يشيع الرجل الخلوق صاحبه بتلك الابتسامة الى ان يتأكد ان "عرض اكتافه" قد "صغر" بشكل مناسب,
حينها يلتفت الى بقية صحبه لتبدأ الملحمة:
" هذا الأحمق....."
"هذا الجاهل..."
"هذا المدعي..."
هذا على افتراض ان الرجل الخلوق " مهذب " حقاً ولم يستعمل الصفات " الموضة" في المجتمع, على غرار:
" الليبرالي الفاسد.."
" العلماني العميل..."
وايضاً على افتراض ان صاحبنا " الخلوق" مسالم, ولم يقذف بتلك القنابل في وجه "صاحبه"
والان, هل تحس بان هذه القصة مألوفة؟ هل تشعر و كأنك تمر بحالة Déjà vu ؟ هذا لأنك مررت بهذا من فبلقد تختلف التفاصيل, لكن الملامح الرئيسية واحدةاكاد اجزم بان الجميع قد مر بموقف مشابه!
ربما في المدرسة, او الجامعة, او العمل
ربما في السوق او حتى "مركاز الحارة"!
المهم ان هذا يحدث بكثرة!. .
كنت قد قرات-قبل عام او يزيد- مقالا في جريدة "الدستور" المصرية لكاتب لا اذكر اسمهعن كيف اننا نعشق استخدام هذه الجملة دون ادنى اهتمام بما تعنيه
يرددها النواب في مجلس الشعب وهم لا يكادون يسمعون انفسهم يتحدثون من شدة "الزعيق"
يرددها الرجال المجتمعون في ركنهم المعتاد من القهوة و المقاعد تتطاير حولهم
يرددها "البلطجية" بينما هم "يستمتعون"بتبادل الطعنات
يرددها الاطفال, فتبدو كلحن نشاز بين سيل من الشتائم!
المهم ان الكل يرددها! كنت قد قرات..وكالعادة.. كنت قد نسيت!
.
.
ما ذكرني بتلك المقالة هو تجربة مررت بها قبل فترة.. منذ بضعة ايام ذهبت مع صديق لي لقضاء بعض حوائجه و مررنا ببعض صحبه في مكان تجمعهم المعتاد
الا ان الجمع كان اكثر من المعتاد,غلبنا الفضول و قررنا البقاء لمعرفة السر وراء هذه "اللمة"
كان نقاشاً, من نوعية النقاشات التي يديرها فيصل القاسم
لن تقتنع بشيء ولن تقنع احداًبشيء, وبالتأكيد لن تزداد فهما للكون!
هذا ما كان عليه الأمر..على الرغم من ان غالبية "المتحاورين" كانوا من المتعلمين والمثقفين, بينهم دكاترة في الجامعات.
من بين الجمع...تميز رجل واحد, شاب هو ربما في الثلاثينات من العمر
لم يتميز بفصاحته او وضوح حجته او حتى صمته
كان يصيح و يصيح و يصيح و يصيح
يقسم بأغلظ الأيمان بأنه راى وسمع, ثم يعود و يقسم بأنه لم يقل شيئاً من ذلك
المهم ان اسلوب هذا الشاب كان اّية في الاستفزازوقد نجح في استفزاز احد المتجمهرين حوله, فرد على الصياح..بصياح اكثر! تدخل احد اهل الخير قبل ان يتفاقم الوضع اكثر, فبدأ بتهدأة الخصمين...ابتسم صاحبنا الشاب و تظاهر بالهدوء و بدأ يتفوه بأشياء عن "الشيطان" الذي يجري من ابن اّدم مجرى الدم.المهم انه شد على يد صاحبه مرددا عبارتنا الشهيرة اياها!
.
.
عاد الجميع الى مجالسهم و بدأ من تبدو عليه امارات الصلاح بالحديث, تحدث عن اداب الحوار و كيف ان الغلبة تكون لمن يفحم صاحبه بالحجة, وليست للأعلى صوتاً, و كيف ان الرسول صلى الله عليه و سلم قد تعهد ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و ان كان محقاً..
ثم التفت الى صاحبنا الشاب-الذي اكتشفت انه مدرس!!!-يخبره بأن عليه ان يتعلم ضبط اعصابه, فالمفترض ان يكون قدوة لطلابه!!!!!!!!
بقية المحادثة كانت كالتالي:
الرجل الطيب
"...و بعدين يبو الشباب مالك متنرفز كدا, المفروض انك تدخل اي نقاش على اساس انو رايك خطأ يحتمل الصواب و رأي التانين خطأ يحتمل الصواب و..."
الشاب
"نعم؟؟"
"ايش بك مستغرب كدا..هذا المفروض ولا انت ما تدري؟"
"انت سمعت ايش يقول؟"
" اكيد"
" وتوافق عليه؟"
"مش بالضرورة, لكن هذا رأي ولاز....."
" ومسوي لنا فيها لحية و توب قصير ومادري ايه...امشي يا ليبرالي يا فاجر!!"
".....؟؟!!"
" ايوه, مو الناس اللي زيك اللي ادو العلمانيين فرصة من اساسه!! يا ابن الـ*Beeb* يا *Beeb* يا.."
لم اصدق ما اسمعه, كان من الواضح ان احداً لم يستوعب ما يجري, الكل صامت ينظر الى الشاب الهائج و هو يواصل القاء قنابله, الحق ان الفتى كان لديه قاموس من الكلمات البذيئة يحسده عليه اي "معلم" من الـ"سكرجية" الذين يملؤون شوارع حارتنا ليلاً!!
كنت صامتا كالبقية أنظر الى ذلك الرجل الذي كانت كل جريرته انه حاول ان ينصح, أستمع الى سيل الشتائم المنهمر على رأسه واتذكر قول الشافعي-رحمه الله-:
يخاطبنى السفيه بكل قبح .. فأكره ان اكون له مجيبا
يزداد سفاهة وازداد حلما .. كعود زاده الاحراق طيبا
ابتسمت رغما عني وانا اتساءل ان كان "الشافعي" يقصد شاباً كهذا حين تحدث عن "السفيه" الذي يكره ان يكون له مجيباً!
لا ادري ما الذي كان يدور في رأس الرجل الطيب وهو يستمع الى كل تلك الشتائم...لكني اعلم جيداً ان "العود الذي يزداد بالاحراق طيباً" لن يكون ما يدور بداخل رأسي لو كنت مكانه.
في النهاية, لكم ان تتوقعوا كيف انتهى الأمر..سيل من الركلات و الصفعات و اللكمات و مدافع "الهاوند" انهالت على الشاب, ليقتنع-على ما اّمل- بضرورة احترام الغير.
بالمناسبة, لا اعرف حتى اللحظة ما الذي كانوا يتحاورون حوله..كل ما سمعته هو صياح لا تدري معه ان كان المتحدث يتكلم العربية ام الفارسية, اهو يغني ام "يحرج" على بضاعته!
خلاصة الموضوع
طبعاً لم اكتب هذا الموضوع لأجل التسلية, و بالتأكيد قد يكون الشاب الذي تحدثت عنه حالة متطرفة لكنه قطعاً مثال جيد لما يمكن ان يصل اليه حال بعض الناس من تعنت وعنجهية و ضيق افق, الكثير من الناس يدخل الى نقاش يعلم انه لن يفيد احداً في شيء, هو يعلم انه لن يغير رأيه..فقط هو هنا ليدلل على عناده و تحجر رأسه و قدرته على "اسكات" اي كان, ناسياً او بالأحرى متناسياً ان العبرة ليست في قدرتك على اسكات الاخرين "بالتطفيش" ولكن في قدرتك على اقناعهم بوضوح الحجة و قوة التعبير, بينما البعض الاخر لديه الاستعداد التام ليلصق بك اية نقيصة عند اول بادرة اختلاف بدءاً من " الحماقة و الجهل " مروراً "بالتخلف و الرجعية" وصولاً الى "الليبرالية والفجر" وانتهاء بـ "الزندقة و الكفر" عافانا الله واياكم, و ما احسبه لا يخفى عليكم ان شبكة النت فتحت الكثير من الأبواب واصبحت المنتديات تحتضن الكثير من هذه النقاشات, فأصبح العامة يتحدثون في امور الخاصة و اصبحت امور الدين خاضعة للنقاش و ابداء الاراء بينما الجميع يصر على ان الجميع مخطأ!
فليرحمنا الله برحمته.
.
.
اخوتي هي ذي بضع نصائح لمن اراد ان يدخل في نقاش..نقلتها لكم -بتصرف- عسى ان ينفع الله بها نفراً من اخواننا:
-دائماً, استشهد باّيات من القراّن و احاديث من السنة النبوية كلما امكن ذلك..فهل من حجة اقوى من كلام الله؟
-احرص على ان تستوعب الموضوع جيداً, وحاول ان تلم بكافة نواحيه قبل ان تبدي رأيك.
-نظم افكارك, رتبها, نسقها قبل ان تعرضها على الاخرين.
-ابتعد قدر الامكان عن التركيز على شخصية الكاتب و اسلوب طرحه و ركز على صلب الموضوع.
-كن واضحاً قدر الامكان, احرص على ان تكون كلماتك مفهومة, ليس من الضرورة ان تكتب بالفصحى فالبعض يكتب افضل بالعامية.
-اكتب وجهة نظرك قبل ان تقرأ اراء الاخرين حتى لا تتأثر بها.
-التزم بالأخلاق دائماً, وابتعد تماماً عن العبارات القاتلة لأي نقاش على غرار: "انت جاهل..من انت حتى تقول لي ما افعله..انت و صنفك.." وما الى ذلك.
-تحكم بأعصابك دوماً والا فالصمت افضل.
.
في النهاية احب ان اختم بامر كنت قد لاحظته وانا اقلب في صفحات منتدانا العزيزان
مما تدمع له العين ويدمي له القلب ويندى الجبينان نرى اخوة لنا من ابناء المسلمين تعرض عليهم ايات الله و سنة رسوله فلا "يقتنعون" بها, وكأن الأمر خاضع للاراء و الأهواء والله سبحانه وتعالى يقول:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبيناًِ
الأحزاب 36
الله يهدي الجميع.