• 0
  • مالي خلق
  • أتهاوش
  • متضايق
  • مريض
  • مستانس
  • مستغرب
  • مشتط
  • أسولف
  • مغرم
  • معصب
  • منحرج
  • آكل
  • ابكي
  • ارقص
  • اصلي
  • استهبل
  • اضحك
  • اضحك  2
  • تعجبني
  • بضبطلك
  • رايق
  • زعلان
  • عبقري
  • نايم
  • طبيعي
  • كشخة
  • صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
    النتائج 16 إلى 30 من 39

    الموضوع: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

    1. #16
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      المناقشة:



      س- هل من فرق بين فطرة الانسان وغريزة التدين لديه؟

      ج- نعم. الفطرة تشمل جميع الغرائز وليس غريزة التدين فقط.



      س- فكيف توافق العقيدة الفطرة؟

      ج- بأن تقرّ عجز الانسان عن الإتيان بتنظيم سليم لعلاقاته الثلاثة مع ربه ونفسه وغيره، كما تقرّ احتياجه لخالقه سبحانه بإرسال هذا التنظيم الشامل الصالح لكل زمان ومكان.



      س- وكيف توافق العقيدة غريزة التدين؟

      ج- بأن تقرّ بعجزها عن الإتيان بتنظيم للانسان مع ربه وأنها تحتاج اليه سبحانه لكي ينـزل هذا التنظيم من لدنه.



      س- كيف يرتبط معتقد بالسماء فقط؟

      ج- هذا تعبير عن الاعتقاد بوجود خالق السماء. وإلا فوجود السماء المحسوس الملموس ليس بمحل اعتقاد. وارتباط المعتقد بخالق السماء معناه أن ينحصر فقط بالعبادات ولا يتعداها الى شؤون الحياة الاخرى في علاقة الانسان بنفسه وعلاقته بالآخرين. وهذا ظاهر في المتصوفة والعبّاد والزهّاد أصحاب الصوامع المنقطعين للعبادة.



      س- وكيف يرتبط معتقد بالارض فقط؟

      ج- هذا ليس تعبيرا عن الاعتقاد بوجود خالق للأرض. وانما تعبير عن الاعتقاد بالمادة التي تمثلها الارض كما ترى عقيدة الاشتراكية الشيوعية المشار اليها سابقاً.



      س- وكيف يجمع معتقد بين السماء والارض؟

      ج- هذا تعبير عن الاعتقاد بأن خالق السماء هو خالق الارض ومدبر شؤون كل من يعيش عليها. ولكن اذا رأى المعتقد ان الخالق هو مجرد خالق لهذا الوجود وهذه الحياة وهذا الانسان، ولكنه لا علاقة له بالارض وشؤونها وتدبيرها، فانه يفصل بين الخالق ومخلوقاته ويجعله سبحانه خالقاً غير مدبّر، او بتعبير آخر خالقاً تاركاً.



      س- لماذا جمعت في تسمية المبدأ الرأسمالي بين الرأسمالية والديمقراطية؟

      ج- من باب حقيقة هذا المبدأ الكلية من كونه يجمع بينهما معاً، وأن حمل اسم الرأسمالي من باب تسمية الشيء بأبرز ما فيه.



      س- ومن أين جاءت الديمقراطية الى المبدأ الرأسمالي؟

      ج- من فكرة الحريات الأربعة التي تدعو عقيدته للمحافظة عليها بين بني البشر.



      س- وكيف كان ذلك؟

      ج- عندما رأت العقيدة الرأسمالية فصل الدين عن الحياة وإعطاء الانسان الصلاحية في وضع تشريعاته بنفسه دون حاجة للعودة الى خالقه الذي كما تقول خلقه وتركه، فانها أعطت الانسان الحق في التمتع بالحرية التي تمكنه من أن يكون سيد نفسه بعد أن شطبت السيادة الربانية عنه. والتمتع بالحرية لا يتم الا اذا شمل كما تقول جميع جوانب حياته: العقيدة والرأي والتملك والذات. أي يتمتع بحرية العقيدة وحرية الرأي وحرية التملك والحرية الشخصية. ومن حرية الملكية ظهر النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبرز حتى سيطر على المبدأ، فسمي المبدأ به. ومن الحريات الاربعة ظهرت الديمقراطية التي ترى سيادة الفرد لنفسه يتصرف بها كيف يشاء، وسيادة الشعب لنفسه يحكم بما يشاء، وسيادة الفرد على عقيدته يعتقدها صباحاً ويتخلى عنها مساءاً، وسيادة الفرد على رأيه يقول به كما يشاء ومتى يشاء.



      س- ولماذا تجمع بين الاشتراكية والشيوعية في المبدأ الاشتراكي؟

      ج- لأن الاشتراكية انواع عديدة منها ما تنبثق منه الشيوعية، ومنها ما لا علاقة له بالشيوعية، كالاشتراكيات الغربية او حتى التي تسند زوراً وبهتاناً للاسلام.

      س- إذن لماذا لم تطلق على هذا المبدأ اسم الشيوعي وليس الاشتراكي؟

      ج- لأن الشيوعية لا وجود لها في الارض، والموجود هو اشتراكيتها. فمن باب التوضيح نذكر الاسم المناسب للواقع القائم ولا سيما ان اصحابه يدّعون ان واقعهم هو المرحلة السابقة للشيوعية. وإن كان الواقع الجاري الآن في عالمهم الاشتراكي ينقض ذلك، إذ أن اشتراكيتهم قد أخذت تتقهقر الى الوراء حسب مراحلهم وتعود الى الرأسمالية.



      س- ولماذا لا يوجد للاسلام دولة او دول كما تقول، بينما نسمع في وسائل الاعلام بوجود دول اسلامية؟

      ج- لأن الدولة لا توصف بأنها رأسمالية او اشتراكية او اسلامية جزافاً او مجازاً. وإنما لأنها تعتنق عقيدة هذا المبدأ وتطبق أنظمته على مجتمعها وتدعو لها. والاسلام لا يوجد دولة واحدة في العالم اليوم تفعل في حقه ذلك كله. وأما ما نسمعه في وسائل الاعلام اليوم فهو من باب كون هذه الدول من العالم الاسلامي، وأن أكثرية سكانها من المسلمين. ولذلك نلاحظ في هذه الدول انتشار الدعوات الاسلامية التي تسعى لتطبيق الشريعة الاسلامية في حياتها لتصبح في النهاية دولة اسلامية بحق وليس بالمجاز ومجرد التسمية غير الحقة.



      س- لماذا وصفت المبدأ الرأسمالي بأنه أخطر المبادئ الثلاث؟

      ج- لأنه يتحكم في مصائر اكثر سكان الارض اليوم سواء من كان في العالم الغربي او الشرقي، هذا من جهة، ولكون الدولة الاولى في العالم الآن وهي أميركا تعتنقه وتعمل لإخضاع العالم له حتى بات العالم الاشتراكي وعلى رأسه روسيا ومن بعدها الصين في طريق الانهيار النهائي، من جهة اخرى.



      س- كيف يسيطر الاقتصاد والمال في المبدأ الرأسمالي على الجوانب الاخرى؟

      ج- لكون المنفعة المادية هي القيمة الغالبة على كل شيء في نظر هذا المبدأ. مما يجعل من يملك منها أكثر يسيطر على المجتمع ويتحكم بدولته ويوجهها بوجهته. لذلك نجد أن ملوك المال والاقتصاد في أميركا هم الذين يأتون برئيسها ويوجهونه.



      س- هل من أمثلة على الحروب باسم الدين في تاريخ اوروبا؟

      ج- هناك حرب الوردتين، وحرب السبع سنين، وحرب المائة عام، والحرب الدائرة الآن بين الايرلنديين والبروتستانت في بريطانيا.



      س- هل من امثلة على المفكرين والفلاسفة الذين قادوا الحملة الفكرية ضد الكنيسة واستخدامها لاستغلال الشعوب من قبل الملوك والقياصرة؟

      ج- هناك روسو، وفولتير، ودوركايم، وفرويد، وديكارت، وكانت، وارزموس، وزوينجلي، وغيرهم.



      س- هل من مثال على من أنكر الدين كلياً؟

      ج- لورباخ الذي يعتبر الأب الروحي لماركس. وإن كان لهيغل صاحب نظرية العقل الأول أثره على ماركس، بالرغم من أنه هاجم فكرته وقال بصحة عكسها، أي أن أصل الوجود ليس العقل الاول وإنما العقل هو الثاني بعد المادة، وأنه مجرد انعكاس لها على الدماغ.



      س- وهل بقي رجال الدين يتفرجون على كراسيهم وهي تتهاوى أم حاولوا إنقاذها؟

      ج- لقد حاولوا إنقاذها بأمرين: أحدهما في الداخل: عندما ظهرت حركات الاصلاح الديني كما يسمونها مثل اللوثرية والكلفينية، وثانيهما في الخارج: عندما حاولوا قيادة الحملات الصليبية على الدولة الاسلامية ووضعوا انفسهم تحت خدمة الملوك والأمراء في اوروبا بحجة حماية الأماكن المقدسة، وما هي الا وسيلة لتقاسم الغنائم والتعبير عن أحقاد الصليبية ضد الاسلام الذي سعى دائماً لإنقاذ شعوبهم من الظلام والظلم.



      س- ما معنى قول ماركس: "الدين أفيون الشعوب"؟

      ج- تأثراً بواقع اوروبا الرهيب باسم الدين وقيادة رجال الدين مع الملوك والأباطرة والقياصرة، أصدر ماركس حكمه على الدين كدين بأن الاعتقاد به يعطل الحياة ويشلّ الشعوب عن الحركة ضد الظلم والاضطهاد. مما جعله بهذا الاعتقاد يقع في خطأين قاتلين: أحدهما شمولية الحكم على جميع الأديان سواء قبل الاسلام او الاسلام نفسه، مع أنه لو جاز هذا الوصف بحق الأديان السابقة للاسلام لأنها استخدمت من رجالها لاستغلال الشعوب وتخديرها عن القيام ضد هذا الاستغلال من جهة، ولأنها عملت فيها اصابع العبث والتحريف عملها من جهة اخرى. فكيف يجوز ان يوصف بذلك الاسلام وآثاره الباهرة النيرة ما زالت تدوي في الآفاق بعامة وفي أطراف بل قلب اوروبا بخاصة!



      س- لماذا ننكر قول الاشتراكية بأن الفكر انعكاس الواقع على الدماغ؟

      ج- لأن الفكر لا يتم فيه انعكاس مطلقاً. وكل ما يحصل هو شيء آخر. لأن الانعكاس حتى يتم يحتاج الى مرآة عاكسة، وهي غير موجودة في واقع الدماغ. وكل ما يحصل هو انتقال وليس انعكاساً للواقع الى الدماغ. ولكن هل هذا الانتقال كافٍ لإيجاد الفكر في الدماغ مهما كان عبقرياً! بالتأكيد، لا. لأن الانتقال بشكل سليم ودقيق او غير سليم ولا دقيق هو مهمة الحواس، ولا بد أن تكون هذه الحواس سليمة حتى يتم الانتقال بشكل سليم ودقيق. وأي خداع حسّي يؤدي الى الفكر الخطأ. ثم: هل نقل الواقع بالحواس السليمة الى الدماغ يوجِد الفكر؟ اننا نشاهد ان الطفل الصغير لا يتحقق لديه الفكر كالرجل البالغ. صحيح أن هذا عائد لنضج الحواس من جهة، ولكنه ايضاً عائد الى سبب آخر مهم كأهمية سلامة الحواس ونضجها، ألا وهو وجود مخزون من المعلومات، واستعانته بها، وأن يفهم الواقع المنقول اليه ويصدر حكمه عليه. وإلا، فمن أين يمكن لانسان لا يجيد اللغة الصينية او لا يعرف حروفها أن يقرأ صفحة كتاب من كتبهم، بل أن يعرف أنها مكتوبة بلغتهم اذا لم يعطَ معلومات عن تلك اللغة وحروفها. فالحواس ستنقل صورة الصفحة بحروفها وكلماتها و جملها الى الدماغ، ولكنه لن يستطيع ان يصدر حكمه عليها الا بعد ان يعطى معلومات عنها.

    2. #17
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني





      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      الندوة الرابعة



      العرض:

      بعد أن رأينا في الندوة السابقة كيف نشأت عقائد المبادئ الثلاث، وكيف كانت عقائد عملية تحقق الحلول لجميع مشاكل الحياة، مما جعلها عقائد مبدئية لا فلسفية خيالية، نأتي في هذه الندوة للمقارنة بين هذه المبادئ في نظرتها للانسان ومثله العليا والمجتمع وقيمه وتنظيمه وتنفيذ أنظمته.



      أما الرأسمالية والاشتراكية فانهما بالرغم من اختلافهما في الفكرة الاساسية عن الانسان ومعه الكون والحياة، الا انهما تتفقان في أن المثُل العليا للانسان هي تلك القيم العليا التي يضعها الانسان لنفسه، وأن السعادة لدى كل منهما هي التمتع بأكبر حظ من المتع الجسدية في حياته، وأن هذا التمتع هو واسطة السعادة بل السعادة نفسها. كما أنهما متفقتان على اعطاء الانسان حريته الشخصية ليتصرف كما يشاء ويريد لتحقيق سعادته، مما يجعل الحرية الشخصية من مقدسات هذين المبدأين.



      هذا بالنسبة لاتفاقهما، اما بالنسبة لاختلافهما فهما تختلفان في النظرة الى الفرد والمجتمع. فالرأسمالية ترى ان المجتمع مكون من افراد، ولذلك فهي مبدأ فردي، وتركز تقديرها حول الفرد وضمان الحريات له، مما جعل حرية العقيدة من مقدسات هذا المبدأ. وجعل الحرية الاقتصادية ايضا من مقدسات هذا المبدأ. ولكن هذه الحرية، اي الاقتصادية، لا تقيد بفلسفتها التي تعني التصرف في هذا المجال بلا موانع ولا حدود وإنما تقيد بتدخل الدولة لضمان الحريات للآخرين. والدولة تنفذ هذا التقييد بقوة الجندي وصرامة القانون، وإن كانت الدولة تبقى بهذا المفهوم وسيلة لا غاية، وتبقى السيادة للافراد لا للدولة. هذا بالنسبة للرأسمالية. وأما الاشتراكية فانها ترى ان المجتمع مجموعة عامة من البشر وعلاقاتهم بالطبيعة بحيث تكون أجزاء هذه المجموعة، أي الانسان والطبيعة والعلاقات كلها شيئا واحداً. وتتطور كلها معاً تطوراً واحداً بحيث لا يستطيع الفرد الا السير مع المجموعة كما يسير السن في الدولاب. وهذا يعني ان الفرد لا يملك حرية العقيدة ولا حرية اقتصادية. فالدولة هي القيّمة على العلاقات وهي التي تقيّد العقيدة وتقيّد الاقتصاد، مما يجعلها (أي الدولة) من مقدسات هذا المبدأ.

      وأما الاسلام فانه لا يرى ان المثُل العليا للانسان والمجتمع من وضع الانسان نفسه بل هي من أوامر الله ونواهيه. فلا يلحقها التغير ولا التطور. فنرى ان المحافظة على نوع الانسان، وعلى عقله، وعلى كرامته، وعلى نفسه، وعلى الملكية الفردية، وعلى الدين، وعلى الأمن، وعلى الدولة، هي أهداف عليا ثابتة للحفاظ على الفرد والمجتمع دون أن يصيبها اي تغيير ولا تطور. ولذلك وضع للمحافظة عليها عقوبات قاسية من حدود وقصاص وتعازير. كما اعتبر المحافظة عليها أهدافاً واجبة لأنها أوامر ونواهٍ من الله وليس لأنها تحقق قيماً مادية في الحياة. مما يجلب الطمأنينة للمسلم، ويحقق السعادة لديه، وهي التي تتمثل في نوال رضوان الله سبحانه وتعالى وليس في إشباع الجسد وتوفير متعه.



      ولكن كيف نظر الاسلام الى الانسان في ذاته اولاً، وفي عضويته في المجتمع ثانياً وأخيراً؟

      أما بالنسبة للانسان في ذاته فقد رآه الاسلام صاحب حاجات عضوية وغرائز، كحاجة المعدة وغيرها من اعضاء الجسم، وغريزة النوع وغيرها من الغرائز. ونظّمها جميعها ليشبع جوعاتها بشكل منسق دقيق لا على حساب بعضها البعض ولا بكبت بعضها وإطلاق البعض، وإنما بما يحقق للانسان الهناءة والرفاه ويبعده عن مستوى الحيوان بفوضوية الغرائز.



      وأما بالنسبة لعضوية الانسان في المجتمع فقد رآه جزءا غير منفصل عن الجماعة كجزئية العضو من الجسم لا كجزئية السن في الدولاب. فاعتنى به بحيث تؤدي هذه العناية الى المحافظة على الجماعة، واعتنى بالجماعة في نفس الوقت بوصفها كلا من أجزاء بحيث تؤدي هذه العناية الى المحافظة على الفرد. فقال عليه السلام " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها اذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً". فبهذه النظرة للفرد والجماعة يرى الاسلام للمجتمع مفهوماً خاصاً هو أنه مجموعة من الناس بينهم علاقات ناشئة عما يلتقون به من افكار ومشاعر لديهم وعما ينظمون شؤونهم به من أنظمة، وأن هذه الافكار والمشاعر والانظمة هي مجموعة الأوامر والنواهي الشرعية. فيكون المسلم مقيداً في الحياة كلها بالاسلام ولا ترد عنده الحريات ولا افكارها، كما في الرأسمالية او الاشتراكية. فلا حرية في العقيدة بعد إيمان، وكل ارتداد يستحق القتل "من ارتد منكم عن دينه فاقتلوه" .. ولا حرية شخصية، فكل زنا يعاقب عليه بحد الجلد او الرجم "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" وكل شرب للخمر يعاقب بحد الجلد .. ولا حرية اقتصادية فالتملك بأسبابه الشرعية دون سرقة ولا نهب ولا غش ولا ربا .. والانفاق بحدوده دون إسراف او تبذير. فالاسلام، ومبدأ الاسلام، والأوامر والنواهي الشرعية، هي المقيدة والحافظة، والدولة هي المنفذة. أي ان الشرع هو صاحب السيادة، وليس الدولة كما في الاشتراكية، ولا الأمة كما في الرأسمالية، وإن كانت الأمة هي صاحبة السلطان أي طريقة تنفيذ النظام بالاعتماد على تقوى الله في الفرد المؤمن بالاسلام.





      المناقشة:



      س- ما هي الفكرة الاساسية لدى الراسمالية؟

      ج- هي ان الوجود من كون وانسان وحياة مخلوق لخالق، ولكنه سبحانه غير مدبّر لهذا كله، وإنما تارك له لتدبير نفسه وتنظيم الانسان.



      س- ما هي الفكرة الاساسية لدى الاشتراكية؟

      ج- هي ان هذا الوجود غير مخلوق لأحد، وإنما هو مادة، ولا يأتي تدبيره وتنظيمه الا من المادة وتطورها المادي.



      س- ماذا تعني عبارة "المثل العليا"؟

      ج- هي الأهداف الكبرى التي لا يهنأ الانسان بدونها.



      س- ما الفرق بين المثل والقيم؟

      ج- إنهما بمعنى واحد من حيث ان المثل قيم في حياة الانسان، وأن القيم مثل يتمثلها في حياته، وإن كانت قد تقلّ او تكثر تبعاً لمجالاتها فتكون أربع قيم وثمانية مثل عليا.



      س- كيف تتفق الرأسمالية والاشتراكية في المثل العليا؟

      ج- لكونهما تريان ان الانسان هو المدبّر لنفسه وحياته، وبالتالي فهو يضع قيمه وأهدافه الكبرى بنفسه.



      س- لماذا تريان ان السعادة هي المتع الجسدية؟

      ج- لأن من يضع قيمه ومثله وأهدافه الكبرى بنفسه لا يرى الا نفسه وجسده، ولا يستشعر الا الراحة والطمأنينة بجانب هذه المتع الجسدية.



      س- وكيف تتفقان في اعطاء الانسان حريته الشخصية؟

      ج- لأنها السبيل الى المتع الجسدية.



      س- ماذا تعني الحرية الشخصية؟

      ج- أن يتصرف الانسان بشخصه كما يشاء ويفعل ما يريد دون تدخل من غيره.



      س- ماذا تعني حرية العقيدة؟

      ج- ان يعتقد الانسان ما يشاء من معتقدات، متى يشاء، ويتركها متى يشاء، دون تدخل من غيره في ذلك.



      س- ماذا تعني الحرية الاقتصادية؟

      ج- أن يملك الانسان ما يشاء، وبأي كيفية وكمية يشاء، ويتصرف به كما يشاء، دون تدخل من غيره في ذلك؟



      س- ماذا يعني ان الحرية الاقتصادية لا تقيّد بناءاً على فلسفتها؟

      ج- أي ان تحديد كيفية التملك او مقداره، او كيفية التصرف بما يملك، لا يأتي من حقيقتها التي تعني عدم التحديد. وإنما يأتي من غيرها، وهو عندهم الدولة وقوة جندها وشدة قانونها.



      س- ماذا يعني ان الدولة لدى الرأسمالية وسيلة وليست غاية؟

      ج- أي انها لتقييد الحريات وحفظها. فمتى تحقق ذلك، أمكن الاستغناء عنها.



      س- ماذا تعني ان السيادة للأفراد لا للدولة؟

      ج- أي انهم يقررون كل شيء في الحياة بملء إراداتهم ومشيئاتهم تبعاً لحرياتهم. وما الدولة في حياتهم الا من صنع إراداتهم لتقييد هذه الحريات وصيانتها ليس غير.



      س- ماذا يعني هذا في واقع الحياة بالنسبة للدين؟

      ج- يعني ان الدين يجب فصله عن الحياة وأنظمتها وتشريعاتها. لأن الفرد هو الذي يضع ذلك باتفاق ارادته مع ارادات الآخرين.



      س- ماذا تعني نظرة الاشتراكية ان العلاقات بين البشر والطبيعة حتمية في وجودها وفي الخضوع لها؟

      ج- أي ان البشر تعتبر الطبيعة جانباً من شخصية كل منهم، بحيث لا يتطور الانسان الا مع هذا الجانب. فهو خاضع له خضوع الشيء لجزئيته.



      س- ماذا تعني الطبيعة لدى الاشتراكية؟

      ج- إنها البيئة المادية بكل ما فيها من أدوات في ذاتها وفي علاقة الانسان بها.



      س- فماذا يعني المجتمع لديهم إذن؟

      ج- إنه البشر + أدوات الانتاج + علاقات الانتاج. أي البشر وعلاقاتهم بالأدوات.



      س- لماذا أدت هذه النظرة للمجتمع الى عدم وجود حرية عقيدة وحرية اقتصادية للفرد؟

      ج- لأن الفرد يعيش مع الأدوات وعلاقاتها، ولا يملك غير ذلك. والأدوات هي التي تملي عليه – كما يرون – نوع العلاقات، وبتطورها الى اشكال اخرى تتطور تلك العلاقات. فهو خاضع لهذا التطور المادي. فلا حرية له أن يعتقد خارج هذا التطور المادي، ولا أن يملك او يتصرف في ملكه خارج هذا التطور ايضاً.



      س- فمن أين يأتي تقييد العقيدة عندهم إذن؟

      ج- من إرادة الدولة. وهي ايضا التي تقيد الاقتصاد. والدولة عندهم هي خلاصة او جماع العلاقات المادية في التطور المادي.



      س- ماذا يعني ذلك في واقع الحياة بالنسبة للدين؟

      ج- أنه لا وجود للدين أصلاً في واقع الحياة عندهم. وإنما هو من صنع البشر لعلاقاتهم بالنسبة للطبيعة سواء من خوفهم من مظاهرها او تقرّبهم اليها.



      س- ماذا يعني في الاسلام ان الأهداف العليا لحفظ المجتمع ثابتة لا تتغير ولا تتطور؟

      ج- يعني ذلك أن أوامر الله سبحانه ونواهيه التي حددت كيفية صيانة المجتمع من جميع جوانبه ثابتة لكل زمان وكل مكان. وليست خاضعة لا لارادة الانسان ولا لارادة المجتمع. وإنما خاضعة فقط لارادة رب الانسان الذي خلقه ويعلم بحق ما يصلح لبقائه فرداً ومجتمعاً.



      س- ما الفرق بين المحافظة على نوع الانسان وعلى النوع الانساني؟

      ج- نوع الانسان من حيث أنه ذكر او أنثى. والمحافظة عليه تتم بنظام خاص لغريزة النوع هو نظام الزواج في الاسلام. وأما النوع الانساني فمن حيث أنه غير النوع الحيواني. والمحافظة عليه تتم بنظام لغريزة البقاء سواء في حبه للتملك او الدفاع عن النفس او الدفاع عن الوطن او حب السيطرة … وغيرها.



      س- كيف يحافظ الاسلام على أهداف المجتمع العليا؟

      ج- بالعقوبات الصارمة من حدود وقصاص وتعازير يتناسب كل منها مع كل هدف من الأهداف العليا تلك.



      س- هل جوعة الاعضاء والغرائز تختلف عن الميل؟

      ج- لا. وإنما هي نفسها لأن جوعة الجنس مثلاً هي ذات الميل الجنسي، وهو أحد مظاهر غريزة النوع التي تظهر بها في الحياة البشرية.



      س- ما الفرق بين نظرة الاسلام للفرد والجماعة وبين نظرة الاشتراكية؟

      ج- الاسلام يرى الجماعة كلا مكونا من افراد بحيث يراعي الفروق الفردية لكل فرد في ذاته، كأن يشجع قدراته ويمكنه من إشباعها إشباعاً كلياً يحقق له الطمأنينة، كما يراعي فروقه في مكانته بين جماعته، كأن يعطيه الحق للتمتع بما هو لمثله. بينما الاشتراكية لا تسمح للفرد بالخروج عن جزئيته كسنّ في دولاب الجماعة. فلكل من الفرد والجماعة حقوقهما في الاسلام دون طغيان وطمس لحقوق الآخر. بينما في الاشتراكية لا حقوق اخرى غير حقوق الجماعة. ولذلك قالوا بدكتاتورية الطبقة العاملة او ما يسمونها البروليتاريا.



      س- هل معنى انه لا يوجد في الاسلام حريات أنه قائم على العبودية؟

      ج- معناه التقيد بأوامر الله ونواهيه في كل شأن من شؤون حياته. وهذا يعني الإلتـزام والإنطلاق بإرادته وفقاً لهذا الإلتـزام دون تقييد من أحد المخلوقات. وشتان بين العبودية للخالق والعبودية للمخلوق. ففي الاولى تحرير لارادة الانسان من سيطرة جميع المخلوقات، وفي الثانية مصادرة لارادته وسلبها منه بسيطرة مخلوقات اخرى عليه.



      س- وهل مكونات المجتمع تختلف بين المبادئ الثلاثة؟

      ج- نعم، طالما ان الاسلام يرى ان المجتمع مكون من مجموعة من الناس تربطهم افكار معينة ومشاعر معينة وأنظمة معينة. بينما الاشتراكية ترى ان المجتمع هو مجموعة من الناس تربطهم فيما بينهم أدوات الانتاج وعلاقات الانتاج. بينما الرأسمالية ترى ان المجتمع هو مجموعة من الافراد يتمتعون بالحريات الاربع بتقييد من الدولة للحفاظ على الحريات الفردية لا من فلسفة هذه الحريات التي لا تسمح بالتقييد.



      س- ما زال تعبير ان الحريات لا تقيد في الرأسمالية من فلسفتها وإنما من الدولة يحتاج للمزيد من التوضيح؟

      ج- الحرية، أي حرية، تعني في حقيقتها عدم التقييد. وهذا يعني أنها في معناها الحقيقي، أي فلسفتها، لا تقبل التقييد، وإلا كانت غير حرية. وعندما تتدخل الدولة في الرأسمالية بحجة حماية الحريات فانها في الحقيقة تقيد حركة الانسان في جميع تصرفاته الفردية والمجتمعية. أي انها تقيد حرياته الاربع كما يقولون، وهكذا الحريات في معناها ضد التقييد. ويكون التقييد من الدولة بحجة حماية هذه الحريات ليس من حقيقة معناها، أي ليس من فلسلفتها.


    3. #18
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني





      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      الندوة الخامسة



      العرض:

      بعد أن عقدنا المقارنة في الندوة السابقة بين المبادئ الثلاث في نظرتها للفرد والمجتمع، نأتي في هذه الندوة لعقد مقارنة اخرى فيما بينها من حيث عقيدة كل منها التي تنبثق عنها أنظمتها، ومن حيث مقياس أعمال الانسان في الحياة، ونظرتها الخاصة للمجتمع، وطريقة تنفيذها للنظام الذي ينبثق عن عقيدته.



      أما بالنسبة للعقيدة، فالشيوعية ترى المادة أصلاً لكل شيء، وكل شيء يصدر عنها بالتطور المادي. بينما ترى الرأسمالية فصل الدين عن الحياة وبالتالي فصله عن الدولة وترفض بحث وجود الخالق وتصرّ على بحث أنه لا دخل للخالق في الحياة. واما الاسلام فيرى ان الله سبحانه وتعالى خالق الوجود ومدبره بما أودع فيه من نظام وأرسل الى البشر من أديان يحاسب كل انسان بناءا عليها على إيمانه وأعماله يوم الحساب، فتشمل عقيدته وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى.



      وأما بالنسبة لكيفية انبثاق الانظمة عن العقيدة، فالشيوعية ترى ان الانظمة تؤخذ من أدوات الانتاج. فالنظام الإقطاعي يؤخذ من الفأس، والرأسمالي يؤخذ من الآلة، وهكذا تبعاً للتطور المادي للأدوات. وأما الرأسمالية فترى ان الانسان يأخذ أنظمته من واقع حياته بعد أن فصلها عن الدين. وأما الاسلام فيرى ان الله أرسل للانسان سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالأنظمة التي بلّغه إياها فصار الانسان ملزماً بالسير عليها بدراسة كل مشكلة واستنباط حلّها من كتاب الله وسنّة رسوله.



      وأما بالنسبة لمقياس الأعمال في الحياة، فالشيوعية ترى النظام المادي هو المقياس، ولذلك يتطور هذا المقياس بتطور النظام، كما يقولون. وأما الرأسمالية فترى النفعية هي المقياس، فحيثما وجدت وجد العمل. وأما الاسلام فيرى الحلال والحرام هو المقياس، فحيثما وجد الحلال يجري العمل وحيثما وجد الحرام يتوقف، دون تطور ولا تغيير. فلا تحكّم للنفعية ولا تطور او تغيير، وإنما أحكام للشرع فقط.

      وأما بالنسبة للنظرة للمجتمع، فالشيوعية ترى أن المجتمع مجموعة عامة مكونة من الانسان والطبيعة والعلاقات باعتبارها كلا واحدا هو المادة. وبتطور الطبيعة وظهور ادوات انتاج جديدة يتطور معها الانسان وتظهر علاقات انتاج جديدة فيتطور المجتمع كله بهذا التطور المادي. فدور الانسان في هذا التطور هو إيجاد التناقضات ليعجّل هذا التطور في المجتمع، مما يوجد التطور في الفرد، فيجعله يدور مع المجتمع كما يدور السن في الدولاب. وأما الرأسمالية فترى ان المجتمع مكون من افراد، بحيث اذا انتظمت أمور الفرد انتظمت أمور المجتمع، وبحيث ان الدولة إنما تعمل للفرد فقط. وأما الاسلام فيرى ان اساس المجتمع هو العقيدة بما تحمل من افكار ومشاعر وما ينبثق عنها من انظمة. بحيث يوجد المجتمع الاسلامي متى سادت الافكار الاسلامية والمشاعر الاسلامية والانظمة الاسلامية. وبحيث يشكل الانسان مع الانسان وحده جماعة، ولكن لا يشكل مجتمعاً الا بالعلاقات فيما بينهم. والعلاقات لا توجد الا بوحدة الافكار والمشاعر والانظمة. وأي فقدان لواحدة منها لا يوجِد علاقات، وبالتالي لا يوجد المجتمع. وهكذا كان المجتمع في نظر الاسلام مكوناً من الانسان والافكار والمشاعر والانظمة. بحيث لو كان جميع الناس مسلمين وافكارهم رأسمالية ومشاعرهم وطنية ونظمهم ديمقراطية، فان مجتمعهم غير اسلامي. فلا بد ليكون مجتمعهم اسلامياً من ان تكون افكارهم من عقيدتهم ومشاعرهم من عقيدتهم ونظامهم من عقيدتهم.



      وأما بالنسبة لتنفيذ النظام في واقع الحياة، فالشيوعية ترى الدولة هي المنفّذة بقوة الجندي وصرامة القانون. وأما الرأسمالية فترى الدولة مشرفة على الحريات وتمنع أي اعتداء فردي او جماعي عليها بحيث لا تتدخل عند حصول الاستغلال وأخذ الحقوق بالرضى. وأما الاسلام فيرى التنفيذ من الفرد المسلم بدافع تقوى الله، ومن الدولة بدافع شعور الجماعة بعدالة الاسلام، ومن الأمة بتعاونها مع الحاكم بدافع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن سلطان الدولة بتنفيذ العقوبات، إذ بعد أن تتولى شؤون الجماعة وشؤون الفرد اذا عجز، تعاقب من يخالف. فالدولة في الاسلام ليست كالشيوعية تتولى شؤون الجماعة والفرد وتطور النظام، وإنما هي تتولى شؤون الجماعة فقط في جميع الاحوال ولا تتولى شؤون الفرد الا عند عجزه، وهي لا تطور النظام ولا النظام يتطور أبداً وإن كانت تبقى صاحبة الصلاحية في تبنّي الأحكام الشرعية عند تعدد نتائج الاجتهاد للمسائل الجارية او المستجدة. كما أنها ليست كالرأسمالية لمجرد ضمان الحريات الفردية ولو مهما حصل من استغلال، إذ الافراد مقيدون بالأوامر والنواهي الشرعية ولا يسمح باستغلال أحد لا بالرضى ولا بالإكراه.



      المناقشة:



      س- ما معنى قول الشيوعية بأن الاشياء تصدر عن المادة بالتطور المادي؟

      ج- يقصدون بالتطور المادي انتقال المادة من حال الى حال. ويرون أن هذا التطور يحصل طبيعياً في المادة بذاتها لما فيها من تناقض بين السالب والموجب، ويحصل طبيعياً في الاعمال المادية لما فيها من تناقض بين السلبية والايجابية. فالتناقض في رأيهم هو سبب التطور المادي في كل مادة وكل عمل مادياً كان او معنوياً او روحياً.



      س- كيف يرفض الرأسماليون بحث وجود الخالق بينما يبحثون أنه لا دخل له في الحياة؟

      ج- لأن بحث هل الخالق موجود أولاً يتركز حول الخالق ووجوده وما يترتب على نتيجة هذا الوجود عندما يثبت. وهم لا يريدون هذه النتيجة سلفاً، لما نال مجتمعاتهم من استغلال الدين ورجاله في العصور الوسطى الاوروبية. ولذلك فهم يحصرون البحث في إبعاد أي تدخل للخالق في الحياة سواءا ثبت وجوده لدى من ثبت او لم يثبت وجوده كلياً. وهم في الحقيقة يتهربون من نتيجة ثبوت وجوده سبحانه ليس غير، حتى لا يلتزموا بالدين الذي أنزله.



      س- هل الاسلام يستوي مع الأديان الاخرى في العقيدة؟

      ج- نعم. يستوي معها من حيث الايمان بالخالق، مرسل الرسالات لبني البشر، ومحاسب الانسان يوم القيامة على كل ما يصدر منه بإرادته واختياره من أعمال سواءا إتصلت بالايمان او بالمعاملات مع الآخرين او غيرها. ولذلك يلتقي الاسلام مع الأديان الاخرى من حيث أصل الدين وهو التوحيد، ولكنه يختلف فيما انبثق عن الأصل من تشريع "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" – الآية 48 من سورة المائدة.



      س- ما معنى الايمان بالقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى؟

      ج- القضاء كما بيّنا سابقاً، هو الاعمال التي تقع من او على الانسان دون إرادة منه ولا يملك جلبها او دفعها، فان الانسان يفسّر ما يلحقه منها في تقديره من ضرر بالشر وما يلحقه من منفعة بالخير، فالايمان يقتضي أن يؤمن المسلم بالقضاء الذي يقع من او على الانسان، مهما كان تفسيره له بالخير او بالشر، بأنه من الله تعالى. وكذلك القدر فقد بيّنا سابقاً بأنه الخاصيات والقابليات التي أودعها الله تعالى في الاشياء والمواد، الحية و غير الحية. والانسان باستخدامه لهذه الخاصيات والقابليات قد ينتج ضرراً حسب تصرف الانسان وقد ينتج منفعة حسب تصرف آخر فيفسره بالخير او الشر. فالايمان يقتضي ان يؤمن المسلم بهذا القدر مهما أنتج حسب تصرفات الانسان من خير او شر، وأنه من الله تعالى.



      س- ما معنى إنبثاق النظام عن العقيدة؟

      ج- إنه صورة عنها. فعندما يكون من العقيدة الاسلامية، أي الايمان بالكتاب والسنّة، فعنهما يؤخذ النظام. وعندما ترى العقيدة الشيوعية ان التطور المادي هو خالق الاشياء، فإنه منه النظام، وذلك بأن أدوات الانتاج التي تتغير وتتطور من فأس الى آلة هي التي يؤخذ منها النظام، فالفأس يعطي نظام الاقطاع والآلة تعطي النظام الرأسمالي. وعندما ترى العقيدة الرأسمالية فصل الدين عن الحياة، فان وقائع الحياة يؤخذ منها النظام بما يراه الانسان صالحاً لنفسه ومجتمعه.



      س- كيف ينبثق النظام من القرآن والسنّة؟

      ج- بأن يدرس المسلم المشكلة حتى يعيها تماماً، ثم يدرس ما يتعلق بها من أدلّة من القرآن والسنّة، وما أرشدا اليه من قياس وإجماع اذا لم يجد في الكتاب والسنة، ويستنبط حلّها من الأدلة المتعلقة بها. وهذه الحلول المستنبطة هي النظام.



      س- كيف يتطور مقياس الاعمال لدى الشيوعية؟

      ج- يتم ذلك بتطور النظام المادي الذي يرونه مرتبطاً بأدوات الانتاج وتطورها. فنظام الاقطاع الذي يقدم مقياسه المعين يتطور هذا المقياس في النظام الرأسمالي تبعاً لتطور أداة الانتاج من الفأس الى الآلة.



      س- ولماذا لا نعتبر مقياس الاسلام في الحياة، وهو الحلال والحرام، قابلاً للتطور ما دام يراعي المصلحة الفردية والجماعية في كل زمان ومكان؟

      ج- المصلحة في نظر الاسلام هي حيث الحكم الشرعي في حل كل مشكلة، أي حيث الحلال والحرام. فاذا رأى الاسلام ان شيئاً حلال فهناك المصلحة وليس العكس. واذا رآه حراماً فهناك المنفعة وليس العكس. ومعنى القول بأن ما يراه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، أن ما يرونه تبعاً للحلال والحرام، وليس مخالفاً لهما.



      س- هل من مثال او اكثر على ذلك؟

      ج- نعم، لحم الخنـزير، لو استحسنه مسلم – تبعاً لتأثره بغير المسلمين – لا يرى الاسلام في أكله مصلحة، ولا في تجارته مصلحة، لأنه محرم مهما أتى منه من منفعة. وكشف المرأة لجسمها، لو استحسنه مسلم – تبعاً لغيره من غير المسلمين – لا يراه الاسلام مصلحة، مهما كان في ذلك من استحسان او منفعة، لأنه محرم. وحكم الديمقراطية، لو استحسنه أي تجمع من المسلمين – تبعاً لتأثرهم بالواقع - لا يراه الاسلام مصلحة، لأنه محرم لخروجه على سيادة الشرع الى سيادة الشعب، مهما كان في ذلك من منفعة … وهكذا.



      س- هل الطبيعة لدى الشيوعية تعني الأرض والبيئة المناخية المحيطة بها؟

      ج- لا. وإنما تعني طبيعة الارض والبيئة والأدوات من حيث خاصية السالب والموجب التي تتصف بها. والتي يسمونها بالتناقض وينسبون اليها سبب التطور، متجاهلين مَن خلقها على هذا النظام وعجز هذا النظام عن تعيير ذاته، ناهيك عن ايجاد هذه الذات.



      س- ماذا يعني ان دور الانسان - في نظر الشيوعية - هو ايجاد التناقضات ليعجّل التطور المادي؟

      ج- هذا يعني ان يوجِد الانسان الصراع بين الأغنياء والفقراء في المجتمع لينتقل او يتطور من حال الى حال، كما يقولون. أو يوجِد الأدوات الانتاجية الجديدة المتطورة التي توجِد كما يقولون أنظمة جديدة في المجتمع فيتطور المجتمع تبعاً لها من حال الى حال.



      س- وهل الدولة في الرأسمالية لا تعمل للجماعة بل تعمل للفرد؟

      ج- إن عملها للجماعة الذي يظهر ليس من باب تولّي شؤون الجماعة جنباً الى جنب مع شؤون الفرد، وإنما من باب تدخلها وتقييدها للجماعة من أجل مصلحة الفرد. فالحريات الفردية والمصلحة الفردية هي الأساس والغاية، وما تنظيم الجماعة إلا من أجل الفرد والفردية ليس غير.



      س- ما دامت المصلحة في نظر الاسلام هي التي توجِد العلاقة بين الناس ليتشكل المجتمع، فلماذا تستنكر مراعاة المصلحة في الاعمال؟

      ج- المصلحة ما يراه الناس صالحاً لجماعتهم وأفرادهم، وهذه الرؤية تتشكل من أثر أفكارهم ومشاعرهم وأنظمتهم الاسلامية، ولا تتشكل من النظرة المادية او النفعية، أي من أوامر الله ونواهيه. ومراعاة وجود هذه الأحكام الشرعية يوجِد المصلحة فيراعى وجودها في الحياة لتوجد المصلحة في كل جانب من جوانب الحياة، فلا نستنكر المصلحة التي تقررها الاحكام الشرعية وإنما نستنكر أن تقرر المصلحة لنا الأحكام.



      س- هل كثرة المسلمين او قلّتهم هي التي تقرر نوعية المجتمع الذي يعيشون فيه؟

      ج- لا. وإنما الذي يقرر نوعية المجتمع من حيث أنه اسلامي او غير اسلامي هو وجود جميع عناصره او فقدانها كلها او بعضها. فهو مجتمع كافر اذا فقدت كلها، وغير مسلم اذا فقدت بعضها.



      س- ما الفرق بين الشيوعية والاسلام اذا كانت الدولة في كل منهما تتولى عن الفرد وعن الجماعة شؤونهم؟

      ج- في الشيوعية تتولى الدولة عن الفرد وعن الجماعة شؤونهم كلها. ولكن في الاسلام لا تتولى الدولة إلا شؤون الجماعة، اما الفرد فلا تتولى شؤونه الا عند عجزه عن تحقيق سعادته وطمأنينته.



      س- ما الفرق بين قوة الجندي وصرامة القانون في الشيوعية، وسلطان الدولة في الاسلام؟

      ج- عند تنفيذ النظام تلجأ الشيوعية للعنف المادي دائماً لأنه السبيل الوحيد لتنفيذ نظام لا يشعر الناس بعدالته. وأما في الاسلام فانها لا تلجأ للعنف المادي الا ضد العدد النادر ممن يخرجون على النظام، لأن جماعة المسلمين يؤمنون بعدالته كما ينفذونه بدافع تقوى الله وتعاونهم مع الحاكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا يظهر العنف المادي الا عند تنفيذ الحدود وغيرها من العقوبات فقط. وشتان بين العنف المادي عند تنفيذ النظام أصلاً وبين ذلك عند الخروج على بعض أحكامه فقط، ومن قبل النادر القليل من جماعة المسلمين.



      س- ما زال قول الشيوعية بصدور الاشياء عن المادة بتطورها يحتاج للمزيد من التوضيح؟

      ج- لما كان قول الشيوعية بالتطور المادي، وأنه عندهم يعني انتقال المادة من حال الى حال، فان هذا الانتقال هو الذي ينتِج الاشياء. فمثلاً عندما ترتفع درجة حرارة الماء الى الغليان فانه يتحول الى بخار، وهذا البخار ينتِج حركة دفع قوية تنتِج بدورها اشياء جديدة من المصنوعات التي تصنع بهذه الحركة، او تحرك اشياء كالقطارات التي تتولى بحركتها نقل الاشياء من مكان الى آخر. وبهذا الانتقال المادي تنتج افعال وتنتج اشياء. وهذا ما يعنونه بقولهم صدور الاشياء بالتطور المادي.


    4. #19
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      الندوة السادسة



      العرض:

      بعد أن عقدنا في الندوتين السابقتين مقارنات بين المبادئ الثلاث حول صلتها بالانسان والمجتمع من جوانب معينة، بقي أن نكمل هذه المقارنات بأخرى بل أخيرة، ولكنها خطيرة، إن لم تكن أخطرها.



      لقد قلنا في اول ندوة من هذه الندوات الاسلامية ان مقياس صحة العقيدة، أي عقيدة، هو اتفاقها مع فطرة الانسان وبناؤها على العقل. ذلك لأن الفطرة الانسانية والعقل الانساني هما الصفتان الوحيدتان اللتان تميزان الانسان عن غيره من المخلوقات. ولأن أي عقيدة اذا لم تكن ايجابية معهما فهي لن تكون انسانية، لا في اساسها من حيث انها لم تراعي ذاتية الانسان، و لا في غايتها من حيث انها لن تحقق الخير والسعادة للانسان.



      فما هو مدى موافقة المبادئ الثلاث لفطرة الانسان، وبنائها على العقل؟

      أما بالنسبة لموافقة الفطرة فان الاسلام هو وحده من بينها الموافق لها. لأن التدين فطرة في الانسان. والتدين هو الإحتياج الى الخالق المدبر الناشئ عن العجز الطبيعي في الانسان. وهو غريزة ثابتة لها رجع معين هو التقديس. ولذلك كانت الانسانية في جميع العصور متدينة تعبد شيئاً. فعبدت الانسان والأفلاك والحجارة والحيوان والنيران وغير ذلك. وجاء الاسلام ليخرج الانسانية من عبادة المخلوقات الى عبادة الله الخالق المدبر. ولكن الشيوعية أنكرت وجود الله ووجود الروح، ونقلت تصور الانسان وإدراكه وتقديسه لخالقه الى تقديس المبدأ وحمَلَتِه من المخلوقات، فرجعت بالانسان الى الوراء. ولم تستطع القضاء على فطرة التدين فيه، وإنما حوّلتها بالمغالطة تحويلاً رجعياً. ولذلك كانت عقيدة هذا المبدأ مخفقة من ناحية فطرية. لأنها تختلف عن طبيعة الانسان، مما إضطرها أن تلجأ للقوة لإخضاع الناس لمبدئها. وكذلك الرأسمالية فانها مخالفة لفطرة الانسان، فطرة التدين، التي كما تظهر في التقديس تظهر في تدبير الانسان لأعماله في حياته لظهور اختلافه وتناقضه حين يقوم بهذا التدبير. وهذا هو دليل العجز. وهذا يفرض ان يكون الدين هو المدبر لأعمال الانسان في الحياة. والرأسمالية قد ابعدت الدين من الحياة الانسانية. علماً بأن وجوده فيها لا يقف عند العبادات بل يشمل ايضاً التزام النظام الذي أمر الله به كخالق ومدبر التزاماً كلياً في معالجة جميع مشاكل حياة الانسان. فهذه العقيدة ايضاً عندما أبعدت الدين من الحياة كانت مخالفة لفطرة الانسان. وكانت مخفقة من ناحية فطرية. وكانت سلبية بفصلها للدين عن الحياة وجعله مسألة فردية. فيكون الاسلام وحده بعقيدته التي تقرّ التدين ومظهريه في التقديس والتدبير هو الموافق للفطرة الانسانية والناجح من هذه الناحية.



      واما بالنسبة للبناء على العقل، فعقيدة الاسلام هي وحدها العقيدة الايجابية للانسان. لأنها تجعل العقل أساس الايمان بوجود الله، بما تلفت النظر اليه في الكون والانسان والحياة، ليجزم بوجود الله الخالق المدبر. وتدل الانسان الى ما يبحث عنه بفطرته من كمال مطلق، وترشد عقله اليه ليدرك وجوده ويؤمن به. كما أنها تفرض على المسلم ان يؤمن مع وجود الله بنبوّة محمد وبالقرآن الكريم عن طريق العقل، والمغيبات التي أتى بها شيء ثبت وجوده بالعقل من قرآن وحديث متواتر. أما الشيوعية فهي مبنية على المادية وليس على العقل، وإن توصل اليها العقل. لأنها ترى وجود المادة قبل الفكر، وأن المادة هي أصل الاشياء كلها. وتقول بأن المادة حين تنعكس على الدماغ يوجد الفكر، وذلك عندما يفكر الانسان بالمادة التي انعكست على دماغه. فلا فكر قبل الانعكاس. وهذا الزعم خطأ من ناحيتين: الاولى: لأن الانعكاس بين المادة والدماغ غير موجود، لعدم وجود قابليته بينهما كما هو بين المرآة وغيرها. والموجود بينهما هو انتقال الاحساس بالمادة الى الدماغ بوساطة الحواس. وهذا متحقق في العين وغيرها من الحواس. والثانية: أن الاحساس بالواقع لا يوجِد فكراً وإنما إحساساً فقط مهما تعدد. فلا بد من وجود معلومات سابقة عند الانسان لتفسير الواقع الذي أحسّ به حتى يحصل الفكر. فالحس بكتاب بالصينية مثلاً لا يمكن ان يوجِد أي فكر عن هذه اللغة لمن يجهلها مهما تنوع إحساسه بالكتاب. ولكن عندما نعطي الانسان الذي يحاول ذلك معلومات عن الصينية فانه يستعملها فيدرك بالفكر انها اللغة الصينية. وهذا ما يسمى بالادراك العقلي. وهو ما يمتاز به الانسان عن باقي المخلوقات. أما الادراك الشعوري فناتج عن الغرائز والحاجات العضوية، كما يحصل لدى الحيوان ويحصل لدى الانسان دون العقل. ولهذا لا يمكن ان يوجد الفكر والعقل والادراك لدى الانسان الا اذا وجدت المعلومات السابقة مع نقل الاحساس بالواقع بواسطة الحواس الى الدماغ. وعليه فان العقيدة الشيوعية مخطئة في فهمها للفكر وفاسدة في عدم بنائها على العقل. وأما الرأسمالية فهي مبنية على الحل الوسط بين رجال الكنيسة والمفكرين، وهو فصل الدين عن الحياة. أي الاعتراف بالدين ضمناً وفصله عن الحياة. ولذلك كانت حلّ ترضيةٍ او وسطٍ أنهى الصراع العنيف الذي استمر قروناً بين المفكرين ورجال الكنيسة. مما جعل الحل الوسط فكرة أصيلة عندهم تظهر بالتقريب بين الحق والباطل والايمان والكفر والنور والظلام، مع أن كلا منها لا يلتقي مع الآخر. ولذلك كانت عقيدتهم فاسدة لأنها غير مبنية على العقل.



      وهكذا كانت العقيدة الاسلامية هي الوحيدة الصحيحة السليمة. لأنها موافقة لفطرة الانسان ومبنية على العقل. بينما تلكما الأخريان – الشيوعية والرأسمالية- باطلتان فاسدتان، لأنهما تتناقضان مع فطرة الانسان وغير مبنيتين على العقل.





      المناقشة:



      س- ما معنى أن الانسان متدين بفطرته؟

      ج- معناه أنه بطبعه يشعر أنه ناقص بجانب قوة أكمل منه تستحق التقديس، وأنه محتاج لتدبير هذا الخالق المدبر بسبب عجزه الطبيعي.



      س- كيف عبدت الانسانية المخلوقات وفيها نبوّات ورسل؟

      ج- كما تعبد اليوم، وفي كل عصر، خروجاً على النبوات والرسل. لأن الانسان يملك أن يؤمن بشيء او بآخر او يكفر به، باختياره وليس جبراً عنه.



      س- كأن أصل العبادة هو التقديس؟

      ج- بل هو ملازم لها دائماً ولا تحل محله، بحيث لا يحصل أحدهما دون الآخر.



      س- كيف كانت العقيدة المادية سلبيةً؟

      ج- لأنها لا تتفق مع طبيعة الانسان المتدينة في فطرتها، وتدّعي بأن التدين رجع للخلف في أصله، مع أنه في الحقيقة فطرة مغروزة في الانسان. وما الخوف من الله او من غيره في التقديس الا مظهراً لها.



      س- كيف يًتَحيَّل للمادية الشيوعية لإنجاحها بالمعدة والبؤس والحقد والشذوذ العقلي؟

      ج- لأنها مناقضة لفطرة الانسان وطبيعته، فان دعاتها يستغلون جوع المعدة وبؤس المحتاج وحقد المخفق في الحياة. ويصوّرون لهم أن الايمان بها والالتزام بفكرها هو السبيل للرفاه والسعادة والخروج مما هم فيه. ويستخدمون في ذلك التشدّق بالنظرية الجدلية الباطلة حسّاً وعقلاً، مما جعلهم شاذين عقلياً.



      س- ولكن القوة الفكرية ظاهرة في مناظراتهم مع غيرهم؟

      ج- هذه قدرة على الجدل بالتهرب من أصل الانسان والبحث فيه الى حاجات معدته وجسمه المادية.



      س- الرأسمالية تعترف بالدين، فكيف تخالف فطرة الانسان؟

      ج- هي ترفض البحث في الاعتراف بالخالق ووجوده او إنكاره. وتقول بأن ذلك متروك للفرد يقرر فيه ما يشاء دون أدنى قيمة له في الحياة وشؤونها. بينما فطرة الانسان تقول بأن الحياة لا تستقيم للفرد والمجتمع الا بالدين: تقديساً للخالق من دون غيره، والتزاماً بأوامره ونواهيه في تنظيمات الحياة الفردية والمجتمعية دون غيرها.



      س- لماذا تتناقض الشيوعية مع الرأسمالية في تطبيق كل منهما، مع أن كلا منهما مناقض للفطرة؟

      ج- لأن الشيوعية تستخدم القوة لإخضاع الناس لمبدئها بالضغط، كما تستخدم القلاقل في وصولها للمجتمعات، طالما هي لا تعترف بفردية الفرد الا كالسن في الدولاب، وأن المهم هو المجتمع وتطبيق المبدأ عليه. وأما الرأسمالية فهي قائمة على فكرة الحريات الأربعة، والفرد والفردية هما الاساس في تطبيقها في المجتمع دون ضغط. فليؤمن الفرد بما شاء وليكفر بما شاء وكلما شاء، وليتصرف كما شاء وبما شاء. وما تدخل الدولة عندهم الا لحماية هذه الحريات الفردية. ومن هنا كان التناقض في التطبيق.



      س- ماذا يعني إذن أن العقيدة الاسلامية هي الايجابية الوحيدة؟

      ج- يعني أنها الوحيدة التي توافق الفطرة الانسانية بإقرار تدينها الغريزي، وأنها الموافقة او المبنية على العقل، لأنها تجعله أساس الايمان بوجود الله والتزام طاعته.



      س- وهل وجد فكر الانسان قبل أن يوجد هو حتى نقول بخطأ الشيوعية التي تقول بوجود المادة قبل الفكر؟

      ج- نعم. وجدت مادة التفكير السابقة قبل الانسان نفسه، كما توجد الآن المعلومات التي نعلمها لأطفالنا قبل وجودهم هم.

      س- من أين وجدت مادة التفكير الاولى او المعلومات السابقة؟

      ج- من خالق المادة والانسان الذي قال في كتابه الكريم "وعلّم آدم الأسماء كلها … " .



      س- والتفكير كيف تحصل عمليته في الانسان؟

      ج- بأن ينتقل أي واقع بواسطة حاسة او اكثر من حواس الانسان الى دماغه، فيحس بهذا الواقع ويكرر الاحساس مرات ومرات وهو يستنجد بما في دماغه من معلومات سابقة حول هذا الواقع، فيصدر حكمه عليه أنه كذا او كيت بعد وصول النجدة الفكرية الى موقع الحكم والتفكير. ولولا وجود الدماغ السليم للعملية أصلاً، ووجود مخزون من المعلومات السابقة عن الواقع لديه لكان الإحساس بهذا الواقع هو مجرد إحساس ولم ينتقل الى فكر مهما تكرر وتكرر.



      س- فلماذا لا نسمي هذا الانتقال للواقع انعكاساً كما تقول المادية؟

      ج- لأن انتقال الحس بالواقع الى الدماغ لا يشبه الانعكاس، لعدم وجود قابلية الانعكاس لا في الواقع ولا في الدماغ. اللهم الا اذا أمكن تصوّر أحدهما بأنه مرآة فيها هذه القابلية، وهذا غير موجود.



      س- ما الفرق بين الادراك لدى الانسان ولدى المخلوقات الحية الاخرى؟

      ج- إن ادراك الانسان يجري بواسطة العملية العقلية في دماغه من خلال إعمال ما يختزنه هذا الدماغ من معلومات سابقة، نظرية كانت او عملية، عندما تنقل الحواس اليه اي واقع يريد إدراكه. فالادراك لديه إذن عقلي. وأما الادراك لدى غير الانسان فيتم بواسطة العملية الغرزية فيه عندما تدعوه اية غريزة لاشباعها فان رجعها الشعوري فيه التمييز بين ما يشبعها وما لا يشبعها طبيعياً. فيميز الطفل مثلاً بين ثدي أمه وبين القطعة من الحجر بهذا الشعور الغريزي، كما يميز الحيوان بين العشب الصالح لغذائه والضار او قطعة الحجر غير الصالحة له. فالادراك لديه شعوري.



      س- كيف تبنى العقيدة الرأسمالية على الحل الوسط؟

      ج- الحل الوسط هو فصل الدين عن الحياة. وسمي بالحل الوسط لأنه وسط بين مطلب رجال الكنيسة بالإبقاء على الدين في الحياة، ومطلب المفكرين بإنكار الدين كلياً. فكان وسطاً لأنه اعترف ضمناً بالدين ولم ينكره، فأرضى رجال الكنيسة، ولكنه أبعده وفصله عن الحياة، فأرضى رجال الفكر المادي بالذات والمؤمنين بالعلم ونتائج تجاربه ومختبراته.

      س- ما الفرق بين الايمان بوجود الدين في الحياة ووجوب وجوده فيها؟

      ج- مجرد وجوده في الحياة يعني الوجود الفطري الطبيعي في حياة الانسان كغريزة مخلوقة في الانسان. وأما وجوب وجوده فيها فيعني الالتزام بكل ما يحمله الدين من معانٍ ويشتمل عليه من أوامر ونواهٍ. فوجود الدين يعني الايمان بأن الله سبحانه خالق للوجود. ووجوب وجوده يعني الايمان بأن الله سبحانه هو المدبر للوجود وأن تدبيره هذا بأوامره ونواهيه هو الذي يجب أن يسيّر جميع شؤون الحياة.


    5. #20
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني





      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      الندوة السابعة



      العرض:

      بعد أن رأينا في الندوات الثلاث السابقة نتيجة المقارنات المتعددة بين المبادئ الثلاث أن الاسلام هو وحده المبدأ السليم الصحيح الذي يستطيع أن يأخذ بيد الانسان الى البناء والرفاه في الدنيا والسعادة في الآخرة، جاء دور الاجابة على هذا السؤال:



      هل نفّذ المسلمون الاسلام في حياتهم، أم أنهم اعتنقوه عقيدة وطبّقوا غيره ؟



      للاجابة على هذا السؤال نقول مجملاً بأنه لم يطبق المسلمون منذ عهد الرسول عليه السلام حتى سقوط الدولة الاسلامية الممثلة بالخلافة العثمانية غير الاسلام. ثم نقول بشيء من التفصيل أن مَن يطبق الاسلام ونظامه في الحياة هو الدولة. والتطبيق في الدولة يتمثل في شخصين: الاول القاضي، الذي يفصل في الخصومات بين الناس، والثاني الحاكم، الذي يحكم بين الناس.



      فهل فصل القاضي الخصومات بين الناس بالشريعة الاسلامية؟

      من الثابت بالنقل المتواتر ان القضاة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية الخلافة في اسطنبول كانوا يفصلون الخصومات بين الناس حسب أحكام الشريعة الاسلامية في جميع شؤون الحياة. سواءا في ذلك بين المسلمين وغيرهم او فيما بينهم وحدهم. وأن المحكمة كانت محكمة واحدة تحكم بالشرع الاسلامي وحده. وأن الوضع قد استمر على ذلك حتى فصلت المحاكم بتأثير الاستعمار الى شرعية ونظامية. ونظرة مخلصة في سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في القدس وبغداد ودمشق والقاهرة واسطنبول وغيرها تظهر صدق ذلك. وأما القوانين الغربية التي أُدخلت فكان بناءا على فتوى العلماء بعدم مخالفتها لأحكام الاسلام. ومنها قانون الجزاء العثماني الذي أُدخل عام 1275هـ/ 1875م، وقانون الحقوق والتجارة الذي أُدخل عام 1276هـ/ 1858م. وأما المحكمة فلم تقسم الى شرعية ونظامية الا عام 1288هـ/ 1870م ووضع لها نظام خاص. وأما في عام 1295هـ/ 1877م فقد وضعت لائحة تشكيل المحاكم النظامية، وتبعها في عام 1296هـ/ 1878م وضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية. واستُبعد القانون المدني عام 1286هـ عندما وضع العلماء المجلة ولم يجدوا مبرراً لإدخاله الى الدولة ومعاملاتها. وبذلك يظهر ان كل هذه القوانين لم توضع موضع العمل الا بعد الفتوى بإجازتها وإذن شيخ الاسلام بها، وأن الاسلام قد طًبّق قضائياً في جميع عصور الدولة الاسلامية.



      ويبقى السؤال الآخر: وهل طبّق الحاكم الاسلام في جميع جوانب الحياة طيلة عهود الدولة الاسلامية كما طبّقه القاضي؟

      للاجابة على هذا السؤال نقول: أن تطبيق الاسلام من قبل الحاكم يظهر في خمسة جوانب في الحياة: الجانب الاجتماعي، والاقتصادي، والحكم، والتعليم، والسياسة الخارجية. ولو تتبّعنا هذه الجوانب الخمسة لوجدنا ان الدولة الاسلامية قد طُبّق فيها ذلك كله. ففي الجانب او النظام الاجتماعي، الذي ينظم علاقة الرجل بالمرأة، لم يطبق الحاكم غير الاسلام، وحتى كل البلاد الاسلامية تقريباً ما زالت تطبق هذا الجانب. وأما الجانب او النظام الاقتصادي، الذي يتمثل في كيفية أخذ الدولة للمال من الناس لتعالج مشاكلهم وفي كيفية إنفاقه، فقد أخذت الزكاة بجميع انواعها ووزعتها على أصنافها الثمانية فقط، ولم تستعملها في إدارة شؤون الدولة. وأخذت الاموال كالخراج والجزية والجمارك حسب الشريعة لادارة شؤون الدولة والأمة. وأنفقت الاموال على العجزة والمحتاجين من فقراء ومساكين وأبناء سبيل وغيرهم، بغض النظر عن الإهمال والتقصير الذي كان يحصل أحياناً. وأما جانب او نظام الحكم فيقوم جهاز الدولة فيه على ثمانية أركان هي: الخليفة، ومعاون التفويض، ومعاون التنفيذ، وأمير الجهاد، والقضاة، والولاة، والمدراء، ومجلس الأمة. وكان هذا الجهاز موجوداً طيلة العهود: فالخليفة كان موجودا دائما حتى أزال الكافر المستعمر على يد أتاتورك الخلافة عام 1334هـ/ 1924م. والمعاون سواءا للتفويض او للتنفيذ كان موجوداً يعاون الخليفة في الحكم عند التفويض وفي الادارة عند التنفيذ. والجيش وأمير الجهاد كانوا من الشهرة بحيث طغت على غيرها. والولاة والقضاة والمدراء لشؤون الدولة ومصالح الناس لا يحتاج وجودها لدليل. ومجلس الأمة في تقديمه الشورى والمشورة وجد بشكل من الاشكال حيناً ولم يوجد أحياناً اخرى، لأنه حق من حقوق الرعية لا يؤثر عدم وجوده على نوعية الحكم، كما هو الحال في مجالس النواب الديمقراطية التي تعتبر من أسس وقواعد الحكم. وأما جانب التعليم فكان مبنياً على اساس الاسلام سواء في التثقيف بالثقافة الاسلامية او تجنب الثقافة الاجنبية اذا ناقضت الاسلام، او التعليم بجميع مستوياته والذي جعل البلاد الاسلامية محل أنظار العلماء والمتعلمين بعلمائها وجامعاتها. وأما السياسة الخارجية فكانت مبنية على اساس اسلامي، إذ كانت الدولة تبني علاقاتها مع الدول الاخرى على اساس الاسلام، وجميع الدول تنظر اليها كدولة اسلامية ليس غير، وكانت هذه الناحية أشهر من أن تعرّف.

      وهكذا يظهر للعيان أن الحاكم قد طبق في جميع عهود الدولة الاسلامية الشريعة الاسلامية في جميع جوانب الحياة الخمسة دون استثناء. كما ظهر لنا ان القاضي لم يفصل في الخصومات طيلة عصور الدولة الاسلامية بغير الاسلام. مما يجزم أن الاسلام قد طُبق في دولة اسلامية تطبيقاً ناجحاً بشكل منقطع النظير في نجاحه.



      وهنا يرد تساؤل: ولكن بيعة الخليفة قد اضطربت او اهتزت بعد العهد الراشدي حتى كادت تصبح وراثة! والحقيقة ان ذلك الاضطراب والاهتزاز لم يلغِ البيعة وإنما أُسيء اليها. لأن الثابت أن الخلافة لم تتحول الى ملكية وراثية. ولم تصبح الوراثة فيها حكماً مقرراً في أي عهد من عهود الدولة الاسلامية. وكانت البيعة هي الحكم المقرر في الدولة. أما كيف تؤخذ هذه البيعة من كل المسلمين، فهذا ما اختلف من عهد الى آخر. فكانت تؤخذ من المسلمين في بعض العصور، وتؤخذ من أهل الحل والعقد في البعض الآخر، وتؤخذ من شيخ الاسلام في آخر العصر العثماني الهابط.

      ولو رجعنا الى مسار الدولة الاسلامية في مختلف العصور لوجدنا البيعة في العهد الراشدي قد أخذت من المسلمين جميعاً ولم تقتصر على فئة معينة او مكان معين. وأما في العصور التالية: الأموي والعباسي وغيرهما فكانت تقصر على فئة أهل الحل والعقد في الدولة. واستمر الحال كذلك حتى نهاية العهد العثماني حين اقتصر أخذها على شيخ الاسلام.

      وعليه، يمكن الجزم ان العمل قد جرى في جميع عصور الدولة الاسلامية على تنصيب الخليفة بالبيعة. ولم ينصّب اي خليفة بالوراثة دون بيعة مطلقاً. ولم تستثنى في ذلك حادثة واحدة.

      أما كيف كانت تجري الاساءة في تطبيق أخذ البيعة، فقد كان ذلك عندما كان يأخذها الخليفة من الناس في حياته لإبنه، او أخيه او إبن عمه او اي شخص آخر من أسرته. ولكنها كانت تُجدّد لذلك الشخص بعد وفاة الخليفة. مما يجعلها تبقى بيعة ولا تصبح لا وراثة ولا ولاية عهد.



      وعليه فان النظام الاسلامي وحده قد طُبق عملياً دون غيره طيلة عصور الدولة الاسلامية.









      المناقشة:



      س- ماذا يقصد بتطبيق الاسلام عملياً؟

      ج- يقصد بذلك وجود أنظمته في واقع الحياة بجميع جوانبها من جهة، وللفصل في القضايا بين الناس من جهة اخرى.



      س- وهل هناك تطبيق نظري للاسلام؟

      ج- نعم. وذلك عندما يعيش الناس في بلد وهم أكثرية أهله الساحقة على بعض المظاهر الاسلامية فيدّعي من يدّعي بأنهم يطبقون الاسلام، وما هي الا رقع الديمقراطية.



      س- ولماذا فصلنا بين تطبيق القاضي والحاكم؟

      ج- الحاكم هو المتبنّي للتشريع في جميع جوانب الحياة. بينما القاضي هو المنفّذ له في رفع المنازعات بين الناس فقط.



      س- هل طبّق الاسلام على المسلمين فقط من رعايا الخلافة طيلة عصورها؟

      ج- لا. وإنما طبق ايضاً على غير المسلمين، مع اختلاف عن المسلمين حيث يلزم شرعاً احياناً كمأكلهم ومشربهم مثلا.



      س- ماذا يقصد بالخصومات والجزاء ؟

      ج- الخصومة في الحق أن يتنازع شخصان على ادعاء أن حقاً معيناً ملك لكل منهما، كملكية دار او سيارة. وأما الخصومة في الجزاء فتكون عندما يطلب المعتدى عليه معاقبة من اعتدى عليه، كأن ضربه او شتمه.



      س- ما المقصود بالأحوال الشخصية؟

      ج- هي كل الاحوال التي تتصل بشخص ما من حيث تصرفاته بشخصه من الزواج والطلاق والميراث.



      س- كيف فصلت المحاكم بتأثير الاستعمار الى شرعية ونظامية؟

      ج- جعل للحقوق والجزاء محكمة، وللأحوال الشخصية محكمة اخرى. وعندما احتلت جيوش المستعمرين البلاد الاسلامية عمدوا الى فرض تشريعاتهم في مجالات الحقوق والجزاء، وجعلوا لها محكمة مستقلة بقصد إبعاد الاسلام عن الحياة العامة.



      س- كيف نجحوا في ذلك وهم يحكمون مسلمين؟

      ج- باستضعاف المسلمين وهم المغلوبون على أمرهم، وباستئجار نفر من أبناء المسلمين صنعوا عقولهم، ممن يسمون بالمثقفين، على ذلك.



      س- ماذا يقصد بالمجلة كقانون للمعاملات؟

      ج- هي ما أطلق عليه مجلة الاحكام الشرعية. وهي مجموعة من القواعد العامة التي وضعت من المذهب الحنفي لتنظيم شؤون معاملات الرعية عام 1286هـ/ 1868م.



      س- كيف كان يفتي العلماء بإدخال قوانين غربية الى أنظمة الدولة الاسلامية؟

      ج- بمدى علمهم وتشابه الأمر عليهم وفقدانهم للقدرة على استنباط التشريع، وقد ساد الإنحطاط الفكري.



      س- متى فصلت المحاكم الى شرعية ونظامية؟

      ج- عام 1288هـ/ 1870م.



      س- هل تطبيق الاسلام قضائياً ملازم لتطبيقه تشريعياً؟

      ج- لا. لأن التطبيق القضائي ولو الجزئي قد استمر، وما زال مستمراً، في بعض البلدان الاسلامية بعد إلغاء الخلافة وذهاب الحاكم الذي يطبقه تشريعياً بما يتبناه من تشريعات لجميع شؤون الحياة.

    6. #21
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      س- وهل يعتبر الحكم اسلاميا اذا طبق الاسلام قضائياً فقط؟

      ج- لا. لأن الحكم الاسلامي مرتبط بالخليفة الذي يستنبط او يتبنى التشريع من الكتاب والسنّة. وما القاضي الا منفّذ في مجاله لما سنّه الخليفة.



      س- لماذا حصرنا النظام الاجتماعي في علاقة الرجل بالمرأة وما يترتب عليها؟

      ج- لأن هذه العلاقة التي تنشئ الأسرة هي أصل تجمّع البشر فيما بينهم لذات الاجتماع، وأما أشكال التجمع الاخرى فهي لأهداف اخرى.



      س- لماذا لم تذكر كيفية تنمية المال في النظام الاقتصادي؟

      ج- لأن تنمية المال مهمة علم الاقتصاد وليست من النظام. العلم مكانه المختبر حيث التجارب التي لا يجوز للنظام ان يتدخل بها، كما لا يجوز ان يكون النظام محل تجارب.



      س- كيف لم تأخذ الدولة بأي نظام للضرائب مع انها أخذت بضرائب الجمارك؟

      ج- إنها لم تأخذ لا بنظام الضرائب التصاعدي ولا غيره مما هو معمول به في النظم الاخرى. وأما ضرائب الجمارك فهي ليست من ذلك، بل من باب الاشراف على التجارة الخارجية والداخلية وتطبيقاً لسياسة التعامل بالمثل.



      س- ولكن العوز والفقر كانا منتشرين في الدولة الاسلامية، فأين عدالة التوزيع؟

      ج- لم ينتشرا الا في ظروف معينة سرعان ما تذهب، وما تلك الظروف الا احياناً من التقصير والإهمال وإساءة التطبيق للنظام الاقتصادي الاسلامي وليس عدم تطبيقه.



      س- هل من أمثلة تظهر حرص الدولة على ازالة العوز والفقر؟

      ج- الإنفاق على العاجز اذا لم يوجد من ينفق عليه من المكلفين شرعاً، والحجر على السفيه والمبذر حتى لا يقع في الحاجة، وإقامة الوصيّ عليه لتحقيق ذلك، وتشييد أمكنة في كل مدينة، وفي طريق الحج، لازالة حاجة المحتاجين.



      س- هل من الحرص على أخذ الثقافة الاجنبية الترجمات التي كانت تكافأ في العهد العباسي؟

      ج- كان ذلك لترجمات العلوم وليس الثقافات المناقضة للاسلام.



      س- هل جرى تقصير في فتح المدارس من قبل الدولة الاسلامية؟

      ج- نعم. جرى في العهد العثماني، وفي أواخره بالذات، بسبب الانحطاط الفكري العام.



      س- هل من أمثلة على رقيّ التعليم في الدولة الاسلامية؟

      ج- جامعات قرطبة وبغداد ودمشق والاسكندرية والقاهرة وغيرها خير امثلة على ذلك.



      س- كيف كانت تبنى السياسة الخارجية على اساس الاسلام؟

      ج- بأن كانت علاقات الدولة الاسلامية مع الدول الاخرى على اساس الاسلام ومصلحة المسلمين سواء من حيث التعامل على اساس دار الاسلام و دار الكفر، او دار السلام و دار الحرب، او من حيث نظم المواثيق والمعاهدات الشرعية مع الدول في جميع الاحوال.



      س- كيف توجد الدولة الاسلامية بوجود الخليفة؟

      ج- لأنه المتبني للأحكام الاسلامية لتنظيم شؤون الحياة في الداخل، وحامل لواء الجهاد لنشر الاسلام في الخارج. وهذه هي مهمة الدولة الاسلامية كلها.



      س- ما الفرق بين الخليفة والإمام في رئاسة الدولة الاسلامية؟

      ج- لا فرق بينهما. فلو سمّي رئيس الدولة الاسلامية بهذه التسمية او تلك مما لهما دلالة شرعية صحيحة جاز، وإلا فلا.



      س- كيف أزال الكافر المستعمر الخلافة عام 1924م على يد كمال أتاتورك؟

      ج- بمؤامرات استغلت فيها الظروف الحربية، ويمكن معرفة التفاصيل من كتاب (كيف هدمت الخلافة).



      س- وهل يختلف معنى لقب وزير عن معاون شرعاً حتى نقرّ هذا ونرفض ذاك؟

      ج- في العصر العباسي لم يكن من خلاف بينهما، فاستعمل لقب وزير للمعاون للدلالة على اللفظية الواحدة في اللغة والشرع معاً. وأما في العصر الحاضر، فقد حمل الوزير دلالة الحكم الديمقراطي المخالفة للاسلام.



      س- ما الخلاف بين الاسلام والديمقراطية في ذلك؟

      ج- في الاسلام السيادة للشرع والسلطان للأمة. وأما في الديمقراطية فالسيادة والسلطان معاً للأمة، لأنهم يفصلون ويبعدون الاسلام كغيره من الأديان عن الحياة.



      س- ما دامت كل الصلاحيات للخليفة ألا نسمي ذلك دكتاتورية او استبداداً دينياً؟

      ج- الدكتاتورية استئثار الفرد بالسلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية حسب التقسيمات الديمقراطية. وهذا مردود في الاسلام، لعدم وجود هذا التقسيم أصلاً، لأن السيادة للشرع وليس للشعب حتى تعتبر مصادرة السيادة منه دكتاتورية، وكذلك الاستبداد الديني.

      س- كيف كان الجيش في الدولة الاسلامية اسلامياً؟

      ج- بالنظام الاسلامي الذي كان يخضع له ديوان الجند، وبالقيود الشرعية المرعية في تصرفات الجندي والقائد، وبالمهمة الجهادية لحماية الثغور وإزالة الحواجز المادية أمام نشر الاسلام في الخارج.



      س- كيف لا تعتبر الشورى من قواعد الحكم في الاسلام والسلطان للأمة؟

      ج- لأن الشورى مجرد أخذ الرأي مطلقاً، وهي غير ملزمة. وقواعد الحكم ملزمة، وسلطان الأمة يمكن ممارسته بفسح المجال بأي شكل لتمارس الأمة هذا الحق وهو أخذ رأيها وليس لتحكم كما في الديمقراطية.



      س- لماذا التركيز على البيعة كنظام لوصول او تنصيب الخليفة في رئاسة المسلمين؟

      ج- لأن القاعدة الثانية من قواعد الحكم في الاسلام هي ان السلطان للأمة. ولا يظهر ذلك عملياً في التطبيق الا عندما تمارس الأمة كلها – كما كان العهد الراشدي- او بعضها – كأهل الحل والعقد في العهود الاخرى- او حتى أحدها المعتبر في نظر الأمة الناطق باسمها- كشيخ الاسلام في أواخر العهد العثماني، هذا السلطان.



      س- ما الفرق بين النظام الملكي الوراثي وبين البيعة التي كانت تؤخذ بالوراثة في عهود مختلفة؟

      ج- النظام الملكي قائم على الوراثة كحكم مقرر ونظام نافذ، ولا يملك أحد من الأمة التدخل في تنصيب الملك. وأما رئاسة الدولة الاسلامية فكان الرئيس او الخليفة فيها لا يستند الى مثل ذلك الحكم او النظام في تنصيبه في الرئاسة، وإنما يستند الى حصوله على البيعة، وكان هذا صريحاً وواضحاً طيلة عصور الدولة الاسلامية.



      س- ولكن الخلفاء بعد العهد الراشدي كانوا يتوارثون رئاسة الدولة؟

      ج- لم يكن التوارث هو نظام أخذ الرئاسة دون أن تسانده البيعة. بل كان اي خليفة عندما يورث المنصب لابنه او اخيه او اي ذي قرابة يحرص على اخذ البيعة له في حياته. ويعود هذا الخليفة ويأخذها من الناس كلهم او بعضهم بعد وفاة الخليفة الذي أخذها له قبل وفاته.



      س- ألا يعتبر هذا تحايلاً على أخطر منصب في الدولة؟

      ج- يعتبر بدون شك إساءة لتطبيق الحكم المقرر شرعاً لتنصيب رئيس الدولة. سواء سمي تحايلاً أم لا، لأن وصفه بالتحايل لا يلغيه من استيفائه البيعة كنظام شرعي.



      س- هل من تشبيه يقرب هذه الصورة من اساءة التطبيق الى الذهن؟

      ج- الانتخابات النيابية في النظام الديمقراطي تبقى تسمى انتخاباً ولا تسمى تعييناً حتى لو فاز فيها الاشخاص الذين تريدهم الحكومة. فلا يعتبر هذا إلغاءاً للانتخابات وجعلها تعييناً، وإنما يعتبر اساءة تطبيق لهذا النظام.

    7. #22
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني







      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      الندوة الثامنة



      العرض:

      بعد أن رأينا في الندوة السابقة كيف كان الاسلام مطبقاً عملياً في واقع الحياة، لا بد أن نقف مليّاً على أثر ذلك التطبيق ومدى نجاحه، لنتلمّس اسباب بقاء الامة الاسلامية في مناعة من الاندثار، وعودتها للتحفز من جديد لاسترجاع سابق عهدها، بالرغم من تكالب الاعداء عليها من اصحاب العقائد المختلفة.



      أما أول وأبرز مجال أظهر نجاح العقيدة الاسلامية ودورها القيادي فهو نقل الشعب العربي من الانحطاط الفكري الى النهضة الفكرية، عندما انطلق المسلمون في الارض يحملون الاسلام باتجاه العراق وفارس شرقاً وبلاد الشام شمالاً ومصر وشمال افريقيا غرباً بعد أن انتهى امر اليمن جنوباً. وكان لكل شعب من هذه الشعوب قومية ولغة ودين غير الاخرى. ولكنها ما أن لمست عدل الاسلام وفهمته حتى دخلت فيه طائعة مختارة، مشكّلة مع العرب الأمة الاسلامية الواحدة، ومظهرة كيف استطاع الاسلام ان يصهر هذه الشعوب المختلفة بشكل باهر مع ضعف اسباب المواصلات من ناقة وحصان، واسباب الاتصالات من لسان وقلم.

      وهنا يرد السؤال التالي:



      ما الفرق بين الفتح الاسلامي والاستعمار الغربي في هذا المجال؟



      والجواب ان الفتح الاسلامي كان لازالة الحواجز المادية من طريق الدعوة الاسلامية. لذلك كان لا يفرض على البلاد المفتوحة اعتناق الاسلام، وإنما يعرضه عليهم ليروه عملياً كما يسمعونه فكرياً. فتصل اليه عقولهم وتهتدي اليه فطرتهم، فيدخلون فيه أفواجا. أما الاستعمار الغربي فللسيطرة على الشعوب الضعيفة في جميع المجالات لاستغلالها ونهب خيراتها لمصلحة شعوبه. ولذلك نلاحظ كيف يعمد الى التضليل الثقافي والسياسي، والى فرض الزعامات المكروهة، جنباً الى جنب، ليضمن استمرار بقائه باستمرار بُعد المسلمين عن اسلامهم وتصديقهم لتضليله وتسخيرهم لمآربه.



      وبعد الاجابة على هذا السؤال، نعود ونؤكد ان استمرار بقاء هذه الشعوب مسلمة حتى اليوم، بل انضمامها لقافلة الانبعاث الاسلامي المتنامي، بالرغم من جميع المكائد السياسية، والتهديدات العسكرية، والمفاسد العقائدية، والسموم الفكرية التي تلاحقها من الاستعمارين الغربي والشرقي على حد سواء، لدليل ساطع على قدرة هذا الاسلام على الاستمرار حتى قيام الساعة محافظاً على بقاء الأمة الاسلامية الواحدة معتنقة له من دون غيره.



      أما ما حصل لمسلمي الاندلس فكان إفناءاً بمحاكم التفتيش وبيوت النيران ومقاصل الجلادين. ولم يكن ردّة عن الاسلام مختارة. وكذلك ما حصل لمسلمي بخارى والقفقاس وتركستان، وما كان يحصل لأفغانستان .. كل ذلك بقهر الاستعمارين الغربي والشرقي على حد سواء .. ولكن ما نراه ونسمعه في تلك الشعوب وغيرها من اصرار على البقاء بإسلامها، بل التحفز للعودة به الى سالف مجده، ليؤكد مدى النجاح الذي حققه الاسلام في احتضانه عقيدة ونظاماً، وبالتالي قدرته على تحقيق القيادة السليمة للشعوب.



      وأما المجال البارز الثاني الذي ظهر فيه نجاح العقيدة الاسلامية في قيادة البشرية كأثر من آثار التطبيق العملي لنظامها، فذلك ما تعرفه البشرية كلها من بقاء الأمة الاسلامية أرقى أمة في العالم حضارة ومدنية وثقافة وعلما في ظل الدولة الاسلامية الأعظم بين الأمم والدول طيلة اثني عشر قرناً امتدت من القرن السادس الميلادي حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي. مما يؤكد نجاح تلك القيادة ونجاح الاسلام في تطبيقه عقيدة ونظاما على الناس. ويؤكد انه لولا تخلّي المسلمين كدولة وأمة عن حمل الاسلام لقيادة البشرية المستعمرة، بإهمالهم الدعوة اليه وتقصيرهم في فهمه وتطبيقه، لما حصل هذا الانتكاس المرير الذي ما زالت تعيشه الامة الاسلامية وتحاول ان تتخلص منه.



      والسؤال هنا: لماذا إذن هذا التفاوت الكبير بين تطبيق الاسلام في عهده الاول وفي عهوده التالية ؟؟



      والجواب على ذلك: لأن ما أكّدناه سابقاً من أن الاسلام يتفق مع فطرة الانسان في النظم التي تنبثق عنه يعني أنه ينظر الى الانسان ككائن اجتماعي، لا صناعي، ويطبق النظم ككائن اجتماعي لا صناعي، مما يفرض التفاوت والتقارب في التطبيق لا التساوي. وأن من نتيجة هذا التفاوت أن يحصل طبيعياً عند التطبيق شذوذ أفراد يخالفون النظام، بهذا الشكل او ذاك، مما يفرض طبيعياً وجود الفسّاق والفجّار في المجتمع، كما يفرض وجود الكفار والمنافقين، ووجود المرتدين والملحدين. ولكن ذلك كله لا يؤثر على صبغة المجتمع الاسلامية باعتباره مجموعة من الافكار والمشاعر والانظمة التي يعيش عليها الناس اسلامية ليس غير.



      ولكن أين الدليل الأكيد على ذلك؟ إنه في تطبيق الرسول عليه السلام لنظام الاسلام الذي لا يدانيه تطبيق. ومع هذا فقد كان في عهده الكفار والمنافقون والفسّاق والفجّار والمرتدون والملحدون. وبالرغم من ذلك يجزم كل انسان ان الاسلام قد طبّق تطبيقاً شاملاً كاملاً، وأن المجتمع كان اسلامياً، ولكن الانسان الذي طُبق عليه كان وسيظل كائناً اجتماعياً لا صناعياً.

      وكل ذلك يجزم ان الاسلام كان وحده المطبّق على الأمة الاسلامية منذ قيام الدولة الاسلامية في المدينة المنورة بهجرة الرسول عليه الصلاة والسلام اليها حتى عام 1326هـ/ 1918م عندما استبدله الاستعمار بالنظام الرأسمالي.





      المناقشة:



      س- ماذا كانت مظاهر انحطاط الشعب العربي الفكرية قبل الاسلام؟

      ج- كان بمجموعه يتخبط في حمأة العصبية العائلية والقبلية، وظلام الجهل الفظيع.



      س- فكيف نقله الاسلام الى النهضة الفكرية؟

      ج- باستبداله عقائده الباطلة بعقيدة الاسلام الصحيحة، لأنها موافقة للفطرة ومبنية على العقل. ثم بما انبثق عنها من افكار تشمل جميع جوانب الحياة.



      س- وما العظمة في الاسلام وهو يستولي على بلاد عديدة بقوميات مختلفة؟

      ج- العظمة في دخول تلك الشعوب كلها حظيرة الاسلام دون جبر ولا إكراه، لتصبح الأمة الاسلامية الواحدة.



      س- ولكن الاسلام سلك طريق الغزو والفتح كما سلك غيره من الغزاة الفاتحين؟

      ج- ليس العبرة بالشكل ولكن بالمضمون. فقد كان الاسلام يستخدم القوة لازالة القوة التي تمنع الاسلام من الوصول الى الشعوب ليعرض لا ليفرض عليها اعتناقه، وينفذ عليها تطبيقاً. بينما غيره من الفاتحين كانوا إما أن يفرضوا معتقداتهم بالاكراه وينهبوا البلد المفتوحة كما فعل الاستعمار الغربي في الاندلس وغيرها، او يكتفوا بأحدهما كما فعلت الاشتراكية الشيوعية في البلاد الاسلامية.



      س- فأين الفرق بين الفتح الاسلامي وغيره؟

      ج- الفرق فيما كان يفعله المسلمون والمستعمرون. فالمسلمون كانوا يكسرون الحواجز المادية ليفسح المجال للشعوب المفتوحة لترى بعقلها واختيارها رأيها فتدخل في دين الاسلام عن قناعة عقلية واطمئنان نفسي، وتعيش على العدل والمساواة مع المسلمين الفاتحين. بينما المستعمرون كانوا يفرضون معتقداتهم وينهبون خيرات البلاد المفتوحة لصالح بلادهم.



      س- فما المانع من عودة المسلمين لنظام الاسلام بعد جلاء المستعمرين عن البلاد الاسلامية؟

      ج- المانع عقبتان كؤودتان: الاولى: الثقافة الرأسمالية الديمقراطية المضللة، والثانية: اضطهاد الحكومات للمسلمين.



      س- هل نجح الاستعمار في ردّ المسلمين عن اسلامهم عندما أفسد عقائدهم؟

      ج- لا، لم ينجح. وإنما هو نوع من البلبلة والتشويش وعدم وضوح الرؤية. إذ لم يعرف التاريخ ردّة شعب من الشعوب الاسلامية عن الاسلام.



      س- ولكن اين الاندلس في الغرب والقفقاس وما حولها في الشرق؟

      ج- قام الحقد الصليبي الاستعماري بإفنائهم في محاكم التفتيش والمذابح الجماعية في الغرب ومثله في الشرق. وما أسرع ما تعود هذه البلاد لاسلامها عندما ترى نور الاسلام على صفائه وعدل تشريعاته على نقائه.



      س- لماذا منتصف القرن الثامن عشر الميلادي بالذات؟

      ج- لأن الدولة الاسلامية في العصر العثماني قد تفككت وانهارت الى حد بعيد في هذا الوقت عندما تألّب عليها كل الحقد الاستعماري الصليبي في الغرب والشرق.



      س- هل تخلّت الأمة الاسلامية عن الدعوة الى الاسلام؟

      ج- نعم، عندما تمزقت دولتها وانحط فهمها لرسالتها وتخلت عن تطبيق شريعتها مع نهاية العصر العثماني.

      س- ولماذا حصل هذا التخلّي عن حمل الدعوة وتطبيق الشريعة؟

      ج- بسبب الغزوات الاستعمارية الضارية ضدها عسكريا وثقافيا، مما أضعف الكيان ومزّقه وشوّش على الفكر الاسلامي وأفسده.



      س- ولكن مثل ذلك لم يحصل له اي اثر في بداية الدولة الاسلامية؟

      ج- لأنها كانت على نقاء فكرتها وقوة عقيدتها وضعف أعدائها.



      س- وهل من الطبيعي دائماً أن يحصل ذلك؟

      ج- نعم، طالما كان الانسان كائناً اجتماعياً لا يعيش على المسطرة بحيث يبقى تطبيق النظام و دقّة الأفهام بلا تفاوت كالقياس الهندسي الدقيق.



      س- فكيف بدأ هذا التفاوت وبالتالي الضعف والانهيار؟

      ج- عندما شذّ افراد من الحكام في العهد العثماني، فلم يحسنوا تطبيق الاسلام وسمحوا بتطبيق غيره. وعندما تجمع نفر من ذلك العهد الضعيف، بسبب تزايد بُعد الدولة عن فهم الاسلام، ونجحوا في العمل ضدها لضعفها. بينما لم ينجح أمثالهم عندما كانت قوية في تفكيرها وفهمها للاسلام في العهود السابقة.



      س- وأين الدليل على صدق ذلك من الكتاب والسنّة؟

      ج- الدليل ما حصل في عهد الرسول عليه السلام. فقد كان هناك الكفار والمنافقون والفجّار والمرتدّون. ولكنهم كلهم لم يؤثروا على اسلامية تطبيق الشريعة وحمل الدعوة.



      س- ولكن العهد الراشدي الاول تعرض لفتنة في عهد عثمان وقتل الخلفاء؟

      ج- أما القتل والاغتيال فهذا أمر طبيعي في كل زمان. ولا يصلح دليلاً على قوة او ضعف الدولة. وأما الفتنة فكانت نوعاً من الإلتباس في الرأي والاختلاف في فهم الواقع والشرع. وهي من الامور الطبيعية التي يتعرض لها الانسان المتفاوت في الأفهام وبسبب الاسلام الذي لا يحجر على العقول عند حصول مثل هذا التفاوت.



      س- وهل طبق الاسلام وحده طيلة عهوده حتى الدولة الاسلامية في العهد العثماني؟

      ج- نعم. لقد انفرد الاسلام وحده في التطبيق على الأمة الاسلامية من عرب وغير عرب منذ عهد الرسول عليه السلام في المدينة حتى احتلال الاستعمار للبلاد الاسلامية.

      س- ولكنك تنسى في دعوتك لتطبيق الاسلام من جديد موقف الأعداء في الداخل والخارج؟

      ج- لا. لم ينسى ذلك. ولكن استجابة الامة الاسلامية لتطبيق الاسلام وإقامة خلافته سيحسم الموقف بعون الله مع جميع الاعداء في الداخل والخارج.



      س- ولكنهم سيحاولون إثارة الفتن في الداخل والتدخل من الخارج لإسقاط الخلافة عند قيامها؟

      ج- لن تكون لمحاولاتهم قيمة بعون الله ما دامت الامة الاسلامية ستهبّ من الداخل ومن البلاد الاخرى المجاورة لحمايتها، وما دامت التدخلات العسكرية الاجنبية لم تعطَ اي مبرر.

    8. #23
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني











      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      الندوة التاسعة والأخيرة



      العرض:

      بعد أن تأكد لدينا تطبيق الاسلام طيلة عهوده، وانتشاره نتيجة لذلك التطبيق، جاء دور تقويم النظرة التاريخية لذلك التطبيق، فكيف يكون ذلك؟



      يجب أولاً أن لا نأخذ التاريخ الاسلامي عن أعداء الاسلام، وإنما بالتحقيق الدقيق من المسلمين أنفسهم.



      ويجب ثانياً أن نتجنب القياس الشمولي على المجتمع ونحن ندرس تاريخ الافراد او تاريخ ناحية من المجتمع. فلا يؤخذ العصر الأموي من تاريخ يزيد مثلاً، ولا التاريخ العباسي من بعض حوادث خلفائه، ولا نحكم على المجتمع في ذاك العصر العباسي من كتاب الأغاني المؤلف لأخبار المجّان والشعراء والأدباء فيظهر كأنه عصر فسق وفجور، ولا من كتب الصوفية فيظهر كأنه عصر زهد وانعزال، بل نأخذ المجتمع بأكمله.



      ولكن هل كتب تاريخ المجتمع الاسلامي في أي عصر من قبل المؤرخين القدامى؟

      والجواب أنه لم يكتب الا أخبار الحكام وبعض المتنفذين، وذلك بأسلوب إما القادح او المادح، مما يطعن في كل ما كتب.



      وعند دراسة المجتمع الاسلامي في إطار الحذر بين السابقين نجده خير المجتمعات حتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري. إذ عاش على نظام الاسلام حتى أواخر الدولة العثمانية كدولة اسلامية بغض النظر عن الثغرات العديدة التي مر بها.



      وهنا يرد التساؤل: هل يصلح التاريخ كمصدر للمعرفة النظام والفقه أكانا اسلاميين او غير اسلاميين؟

      والجواب: لا يصلح. لأن معرفة النظام الشيوعي مثلاً لا تؤخذ من تاريخ روسيا بل من كتب المبدأ الشيوعي ذاته. ومعرفة الفقه الانجليزي ايضا لا تؤخذ من تاريخ بريطانيا بل من كتب الفقه الانجليزي ذاته. وكذلك الأمر بشأن الاسلام. فلا بد لمعرفته من العودة الى كتب الفقه الاسلامي، ولاستنباط أحكامه من العودة الى أدلتها التفصيلية من كتاب او سنّة او إجماع او قياس. فالتاريخ لا يجوز ان يكون مصدراً لكلا الأمرين سواء كان تاريخ عمر بن الخطاب او عمر بن عبد العزيز او هارون الرشيد، وسواء كان من حيث الحوادث التاريخية التي رويت عنهم او من حيث الكتب التي ألّفت في تاريخهم. واتباع رأي من آراء عمر هو اتباع لحكم شرعي استنبطه عمر وطبّقه، كما يتّبع الحكم الذي استنبطه ابو حنيفة والشافعي وجعفر وغيرهم، وهو ليس اتّباع لحادثة تاريخية.



      وكذلك بالنسبة لمعرفة كون النظام قد طبّق أم لا. فانه لا يؤخذ من التاريخ بل من الفقه الذي طبّق في معالجة المشاكل لأي عصر من العصور. والتاريخ مجرد ناقل للأخبار. وبالرجوع الى الفقه نجد ان نظام الاسلام وحده قد طبّقه المسلمون طيلة عهود دولتهم، وأنهم كانوا يستنبطونه من الأدلة الشرعية، وكانوا حريصين على تدقيقه من الاستنباطات الضعيفة.



      صحيح ان التاريخ ينقل الينا كيفية تطبيق النظام بما يذكر من الحوادث السياسية. الا ان هذا ايضاً ينبغي ان يخضع للتحقيق الدقيق من قبل المسلمين. وعند النظر في التاريخ نجد له ثلاثة مصادر هي: الكتب التاريخية، والآثار، والرواية. فأيها يصلح ان يكون مصدرا موثوقا للتاريخ وكيفية تطبيق النظام؟



      أما الكتب فلا تصلح لما حشيت به من الكذب والافتراء. إما بجانب من كتبت في أيامهم او ضد من كتبت عنهم في ايام غيرهم. وتاريخ الاسرة العلوية في مصر قبل عام 1952م أكبر شاهد معاصر على ذلك. وعليه فلا يرجع الى الكتب التاريخية لا لمعرفة النظام الذي طبّق ولا كيفية تطبيقه.



      وأما الآثار فهي وإن لم تشكّل مسلسلاً تاريخياً الا انها بالدراسة النـزيهة تعطي حقائق تاريخية عن الشيء المعين وتدل على ثبوت بعض الحوادث. وبالرجوع الى آثار المسلمين في بلادهم نجد الدلالة القطعية على انفراد النظام الاسلامي والأحكام الاسلامية في التطبيق.



      وأما الرواية فهي من المصادر الصحيحة اذا صحّت الرواية، كما حصل في رواية الحديث. وهو الاسلوب الذي سلكه المسلمون كالطبري وابن هشام حين ألّفوا كتبهم. فتاريخ الاسلام لا يؤخذ من الكتب التي اتخذت كتباً مثلها كمصادر لها، لا لمعرفة هل طبّق الاسلام بمفرده أم لا، ولا لمعرفة كيفية تطبيقه.



      والمهم أنه بالاستفادة من المصدرين: الآثار المحققة والروايات الموثقة نجزم ان الاسلام وحده قد طبّق على الامة الاسلامية، ولم يطبق غيره في جميع عصور دولتها.



      فهل استمر هذا الحال بعد سيطرة الكفار المستعمرين على البلاد الاسلامية منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى؟



      لا، لم يستمر. لأنهم طبقوا نظامهم الرأسمالي في جميع مناحي الحياة ليمنعوا عودة الاسلام للحياة الى الأبد. الأمر الذي يفرض ازالة نظامهم بأكمله لتعود الحياة الاسلامية.



      ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك؟؟؟

      ان ذلك يتحقق بنفس الشكل او الطريق الذي تحقق به من قبل على يدي الرسول عليه السلام. وذلك بأن تعود العقيدة الاسلامية حية في نفوس المسلمين، ثم يطبقوا نظامها الاسلامي عليهم وعلى الأمم والشعوب التي يحملون مبدأهم اليها سواء اعتنقته او لم تعتنقه. لأن اعتناق المبدأ ليس شرطاً فيمن يطبّق عليه بل فيمن يطبّقه فقط. وبذلك تنهض الأمة الاسلامية وتنهض معها الشعوب التي تنضوي تحت لوائها. ولا يجوز للأمة الاسلامية ان تفرط في اي من جانبي مبدئها في حياتها. فلا تتساهل في وجود العقيدة او النظام المنبثق عنها. وأي تساهل او استبدال بعقيدة اخرى كالمادية او النفعية، او بنظام آخر كالاشتراكية او الرأسمالية الديمقراطية يعرّض الأمة لاستمرار ضياعها وسيطرة أعدائها عليها وحرمانها من النهضة الفكرية التي لن تتحقق الا بالجمع بين طرفي المبدأ الاسلامي عقيدة ونظاماً في حياة المسلمين. وذلك بطريق واحد لا ثاني له، ألا وهو إقامة الدولة الاسلامية في الارض من جديد، بدءاً من بقعة معينة، تمتد بعدها الى بقاع أخرى بحمل رسالتها للناس كافة.



      المناقشة:



      س- وهل كل أعداء الاسلام لا يجوز العودة لما كتبوه من تاريخ الاسلام؟

      ج- نعم، لا يجوز. وبخاصة المبغضين الحاقدين الذين اشتهروا بتشويه صورة الاسلام.



      س- ولكن المؤرخين المسلمين ايضاً شوهوا صورة الاسلام؟

      ج- وهذا مما يفرض التحقيق الدقيق، حتى مع المؤرخين المسلمين، وبخاصة المغرضين منهم. فكيف مع أعداء المسلمين والاسلام!



      س- ماذا يعني عدم القياس الشمولي على المجتمع في تاريخ الافراد؟

      ج- يعني ان لا نجعل تاريخ اي حاكم او حكام دليلا او مقياسا للمجتمع كله في عصر من العصور. فالعصر الأموي لا يؤخذ من تاريخ يزيد او عمر بن عبد العزيز.



      س- ولماذا لا يصلح كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني كمرجع تاريخي؟

      ج- صحيح أن مؤلفه مسلم. ولكنه ألّف لأخبار الأدباء والمجّان، وهؤلاء ليسوا الا زاوية محدودة من زوايا المجتمع في العهد العباسي. والنظرة الى المجتمع من خلالهم تجعله مجتمع فسق وفجور، وهو لم يكن كذلك.



      س- واذا كنا لا نأخذ التاريخ الاسلامي لا من الكتب الادبية ولا الصوفية وكتّابها مسلمون، فقد شحّت المصادر؟

      ج- بالفعل إن مصادر التاريخ الاسلامي المكتوب شحيحة للغاية، لأنه لم يكتب بشكل دقيق ونزيه وشامل للمجتمع في اي عصر من عصوره.



      س- هل يجوز ان يستند الى التاريخ لمعرفة واقع النظام والفقه الذي وجد في دولة من الدول او عصر من العصور؟

      ج- لا يجوز، لأن النظام يؤخذ من كتب مبدئه وليس من تاريخ بلد وجد فيها. فتاريخ روسيا لا يؤخذ منه النظام الشيوعي وإنما يؤخذ من كتب المبدأ.



      س- واذا كنا لا يجوز ان نستند الى التاريخ كمصدر لفهم النظام، ألا نستند اليه لاستنباط أحكام النظام؟

      ج- بالطبع لا، لأن ذلك من باب أولى.



      س- فمن اين يكون مصدر معرفة مبدأ الاسلام كعقيدة ونظام؟

      ج- من كتب الفقه الاسلامي ليس غير، وهي لا تعدّ ولا تحصى.

      س- ومن اين يكون مصدر استنباط أحكامه؟

      ج- من أدلّتها التفصيلية من الكتاب والسنّة.



      س- كيف يعتبر الفقه في معرفة النظام المطبّق؟

      ج- لكون الفقه هو معالجات المشاكل في اي عصر من العصور. فمعرفته هي معرفة النظام المطبّق في ذلك العصر.



      س- ولكن التاريخ ينقل أخبار تطبيق النظام ايضاً؟

      ج- نعم ينقلها كأخبار دون الحرص على ترابطها او دقّتها وصدقها.



      س- وهل هكذا كان شأن التاريخ الاسلامي حتى في أمهاته، كتاريخ الطبري؟

      ج- نعم، لأنه لم يكن يحرص على تدقيق رواياته وتنقيتها من الضعف كما كان يحرص على الفقه وتنقيته من الأقوال الضعيفة اي الاستنباطات الضعيفة عندما نهوا عن العمل بالقول الضعيف ولو كان لمجتهد مطلق.



      س- من اين يستدل على وجود الفقه الاسلامي وحده في العالم الاسلامي طيلة عهود الخلافة؟

      ج- من محفوظات المحاكم والتشريعات في جميع أمهات المدن الاسلامية.



      س- ما قيمة التاريخ في حياة الأمة الاسلامية؟

      ج- لاستعراض كيفية تطبيق الشريعة الاسلامية ليس غير، وذلك من معرفة الحوادث السياسية التي يوردها التاريخ.


    9. #24
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

      س- ولكن ايراد الأحداث السياسية هو اكثر ما يتعرض للتشويه؟

      ج- ولذلك يحتاج هو ايضاً للتحقيق الدقيق من المسلمين.



      س- هل المذكرات الشخصية موضع ثقة اكثر من الكتب التاريخية ام لا؟

      ج- لا، ليست موضع ثقة هي ايضاً لما يتداخل معها من مصالح وأهواء.



      س- اذا كان لا يمكن الثقة الا في الرواية كأسلوب لكتابة التاريخ، فكيف نصل الى تاريخ اسلامي موثوق؟

      ج- إنه بغربلة ما بين أيدينا من كتب التاريخ القديمة كتاريخ الطبري وسيرة ابن هشام والواقدي وغيرهم للوصول الى صورة اقرب ما يكون الى الثقة. وأما الكتب التي لم تعتمد على الرواية فتحتاج الى تحقيقات وتدقيقات شديدة للغاية حتى يستوثق بشيء منها.



      س- ماذا تعني مقولة اللورد أللنبي قائد الحملة لفتح القدس؟

      ج- حين قال: "الآن انتهت الحروب الصليبية؟". كان يقصد ما قاله بكل دقّة، من أن هزيمة المسلمين لم تتحقق للصليبيين وحملاتهم التي بدأت قبل ثمانية قرون في عهد صلاح الدين، الا عندما انهاروا من الداخل وكانوا سنداً للكافر في تطبيق نظامه عليهم.



      س- ولكن المسلمين لم يتخلّوا عن عقيدتهم، فكيف يقال بضرورة اعتناقها كطريقة للنهضة؟

      ج- طريق النهضة هو اعتناق العقيدة الاسلامية كقاعدة للتفكير في جميع جوانب الحياة وليس مجرد جانب واحد فقط. فيؤمن المسلمون ان الله خالق هذا الوجود ومدبّره، فهو ما قبل هذه الحياة، ومنه جاء التشريع المدبّر لهذه الحياة، وعلى إلتـزام هذا التشريع يجري الحساب بعد الحياة.



      س- ما دام تطبيق الاسلام على الشعوب ينهضها ولو لم تعتنقه، فلماذا لا ينتِج و لا يؤثر أخذ النظام الاشتراكي مثلاً دون عقيدته؟

      ج- المقصود بالانتاج والتأثير هنا هو غير الفكري والنفسي في الانسان أولاً ثم المادي. وهذا لا يتحقق دون اعتناق العقيدة. ولما كانت العقيدة المادية متناقضة مع فطرة الانسان وترفض العقل فانها لا يمكن ان تصل الى الشعوب الا بالحديد والنار، وما أسرع ما تهبّ الشعوب للتخلص منها بمجرد رفع كابوس الضغط والإرهاب عن كاهلها. وما جرى ويجري في دول الاتحاد السوفيتي السابق الا خير دليل.



      س- والقومية العربية: لماذا لا نأخذ بها نظاماً في الحياة؟

      ج- لأنها ليست نظاماً ولا عقيدة. بل هي مجرد فكرة تعني التعصب للعرب كعرب بغض النظر عن جاهليتهم او اسلامهم، عن تقدمهم او تخلّفهم.



      س- هل يمكن الجمع بين اي نظام في الحياة غير الاسلام وبين العقيدة الاسلامية؟

      ج- كواقع قائم في الأمة الاسلامية اليوم، فان مثل هذا الجمع بين النظام الرأسمالي في الحياة والعقيدة الاسلامية قائم، لوجود العقيدة الاسلامية في النفوس مع وجوده في الحياة.

      س- ولكن السؤال: ما قيمة هذا الجمع؟

      ج- قيمته سلبية كاملة. إذ جعل العقيدة الاسلامية لمجرد الناحية الروحية في صلة الانسان بربه في عباداته مع شيء من صلته الخلُقية مع نفسه، وعطل صلته في المعاملات مع الناس والمجتمع. فهو محكوم ومدبّر بالنظام الرأسمالي في الاقتصاد والديمقراطي في الحكم. فأين هي الافكار التشريعية المنبثقة عن العقيدة الاسلامية في واقع المسلمين عند مثل هذا الجمع!



      س- هل من دول في العالم الاسلامي تقوم بهذا الجمع؟

      ج- لا شك ان كل دول العالم الاسلامي تقوم بذلك، بغض النظر عن زعم بعضها بأنها اسلامية اكثر من غيرها، وزعم البعض الآخر بأنها اشتراكية او ديمقراطية اكثر من الاخرى.



      س- ومتى ينتهي هذا الجمع بين الاسلام في العقيدة والكفر في النظام في العالم الاسلامي؟

      ج- ينتهي ذلك عندما ترجع الأمة الاسلامية الى إسلامها كاملاً في العقيدة والنظام، ولا تقبل هذا الاستمرار الشاذ. وما ذلك على الله ببعيد، بعد أن فشل الكفر في الوصول الى النفوس والعقول.

    10. #25
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني













      هل الاسلام قادر على قيادة البشرية

      التعقيب على الندوات التسعة





      ان هذه الدراسة المتأنية في المقارنة بين المبادئ الثلاث: الاسلام والاشتراكية الشيوعية والرأسمالية الديمقراطية كفيلة بأن تشدّ كل ذي لبّ وبصيرة للتفكير البعيد البعيد في ضوء ما جرى ويجري في العالم من أحداث لتحديد الموقف: هل ترك العالم مستمرا في هذا الصراع الفكري بين مبدأين لا يجلبان الا الشقاء والتعاسة للانسان في جميع جوانب الحياة هو مهمة الانسان العاقل المفكر، والذي يجب ان يكون نيّر البصيرة نزيه الفؤاد في إدراكه وأحكامه ؟؟

      صحيح ان عودة المجتمعات الاشتراكية في هذه الايام للإنقضاض على اشتراكيتها للتخلص منها بعد أن وصلها ما يسمونه بتيار الاصلاح والانفتاح الذي تقوده روسيا وبقية دول ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي بعد أن لعب غرباتشيف لعبته مع الغرب ومع أميركا بالذات ومع هذا الاصرار الذي يقوده بوريس يلتسين زعيم روسيا وبمساندة وطيدة من أميركا بخاصة والغرب كله بعامة، ان هذه العودة دليل محسوس على هزيمة المبدأ الاشتراكي الشيوعي الساحقة. ولكنه يبقى كمبدأ من صنع الانسان خاضعاً لتفسيراته وتعديلاته بقدر تأثره بالحياة ووقائعها الجارية، وبشكل خاص كلما اشتدت ضغوطها ولم تعد تحتمل آثارها. ولكن المحافظة على عقيدتهم وما ينبثق عنها من افكار سليمة من التأثر بالصبغة الرأسمالية، هو الافتراض اللازم في حقهم، لو كان هذا التأثر العقائدي المتصاعد والانقياد النظامي المتنامي لا يستجاب لها. ولكن الحاصل هو على النقيض من ذلك تماماً. إذ وصلت الجرأة بالأحزاب الشيوعية أن تعلن الواحد تلو الآخر في اوروبا الشرقية عن حلّ نفسها واستبدال حتى أسمائها بأنها أحزاب اشتراكية ديمقراطية على الطريقة الرأسمالية، وفي نفس الوقت شطب اشتراكيتها الشيوعية من الوجود لتحل محلها الرأسمالية الديمقراطية في الحكم واقتصاد السوق على الطريقة الرأسمالية في الاقتصاد.



      وأما عوار وفساد وبطلان المبدأ الرأسمالي الديمقراطي فهو من الظاهر على الكف والبادي لكل ذي بصيرة وبصر. وعلماؤهم انفسهم يتنادون من وقت الى آخر لعقد مؤتمرات على أمل ان تعثر على وضع نظام اقتصادي عالمي بديل عن الرأسمالية ينقذ البشرية منها ويعيد للبشرية توازنها وللانسان حقوقه. ناهيك عن مآسي الحكم والسياسة ببركات نظم الديمقراطية وحكم الشعب وسيادة الشعب، والشعب منها براء براءة الذئب من دم يوسف .. . وما جلاّدوه الا ملوك النفط والفولاذ والحديد .. ملوك المال والبورصات في نيويورك ولندن وزيوريخ وطوكيو باريس وبون .. .



      ولولا هذه الوقفة التي يمسك الغرب فيها أنفاسه بانتظار ان يتهاوى الشرق كله، بما فيه الصين، باشتراكيته لتكون له قصبة السبق في الانهيار، لما كان السبق الا له … ولكن الى الهاوية، وليس ذلك ببعيد …



      وأما الاسلام فمحكوم عليه من كبار أبنائه وأعدائه على حد سواء باستمرار هذه المعاناة والاضطهاد. لا لأنه معمول به في واقع الحياة ويعمل هؤلاء جميعاً للتخلص من آثاره … ولكن لأن الطرفين لا يكلاّن ولا يملاّن في التعاون الجائر لمنع عودته الى الحياة والى الارض من جديد في دولة وخلافة. واذا كان من عذر لأعدائه، وهم المشحونون بالحقد المتوارث له ولأهله، فما عذر أبنائه غير الجهل الفاضح به والاحتكام للهوى في حب الدنيا وكراسيّها العالية .. ومتى كان الجهل بالشمس دليلاً على عدم وجودها او عدم دفئها و مدّها لهذا الوجود الحي بعوامل الحياة والدفء ؟؟ !!



      فمتى يصحو أبناؤه، والفرصة باتت مواتية أمامهم وملء أيديهم، والغرب والشرق يلحّان بلسان حال واقعهم ولسان مقال عقلائهم أنْ تقدّموا الصفوف و لا يلفتنّكم عن مهمة إنقاذ البشرية سبب. واعلموا ان هذه المعارك الجانبية التي يشغلكم أعداؤكم بها، في فلسطين ولبنان وسوريا وافغانستان والخليج ومصر والجزائر وتونس والسودان والبوسنة وغيرها، ما هي الا عثرات توضع لكم في الطريق، لتبعدكم عن تحقيق الهدف الأكبر في عودتكم للحياة الاسلامية بتطبيق الشريعة في الارض في دولة تحمل راية النور لتبديد هذا الظلام الذي يلفّ أركان المعمورة.

      واذكروا أن إسلامكم قد هيّأ الله في اول عهده النصر له بما كان يعيش فيه أعداؤه من ضعف وانهيار. وأنه تعالى يضع هذه الايام بين أيديكم هذه التهيئة من جديد، وبشكل لم يسبق له مثيل. فالغرب قد سيطرت عليه أسباب الذهول وهو يقف ينظر الى ما جرى ويجري من انهيارات داخلية في أعماق الشيوعية ولبابها. ورجال الغرب في العالم الثالث، وهم سادرون في غيّهم وحريصون على تبعيّتهم لأعدائهم، يظنون ان تلك الانهيارات من صنع غربهم. وينسون أنهم ما زالت أصداء صرخاتهم واستغاثاتهم لا تجد لها سميعاً ولا مجيباً، وبلدانهم تتهاوى تحت كوابيس مليارات فوائد ديونهم لأسيادهم.

      فهبّوا يا رجال هذه الأمة الاسلامية آخذين بأيديكم زمام المبادرة قبل أن يفلت ويضيع، فتكونوا أسوأ من فرّط بهذه الفرصة الذهبية بحق هذه الأمة وبحق البشرية جمعاء معاً. وأي جدّية في التحرك الى الأمام، لرفع راية الاسلام، كفيل بنصر الله. وعندها ستجدون من هذه الأمة ما يثلج صدوركم: إلتفافاً حول الراية واستشهاداً تحتها ومن أجل إعزازها في الأرض.



      إن ما تفعله مخلفات الاحزاب الاشتراكية الشيوعية اليوم، ما هو الا من باب محاولة منع انهيارها بشكل كلي ونهائي. ولكن قد فات الأوان وضاعت عليهم فرصة انقاذ انفسهم لو أحسنوا تطويرها بالشكل الذي يليق بها كمبدأ انساني من وضع الانسان، بحيث أقدموا على عدم قصرها على الاقتصاد، وعلى الضرب على وتر المعدة والجوع، وعلى الجسم والعري. وانما تذكروا ان الانسان ليس معدة فقط ولا حاجات عضوية فقط، وإنما هو ايضاً، وقبل كل شيء، عقل وقلب، فكر ووجدان. وما المعدة وحاجتها للطعام والجسم وحاجته للكساء الا للإبقاء على هذا الجسم وتخليصه من عوامل إشغاله عن القيام بمهمته الانسانية الكبرى في هذا الوجود، ألا وهي عبادة الخالق المدبر من خلال إعمار هذه الارض. إذ أن ما يبدعه عقله ويتوصل اليه تفكيره من اكتشافات واختراعات ليس بأكثر من نتيجة لما أودعه فيه ربه من قدرات وقابليات يستحق عليها الحمد والشكر والثناء. كما يستحق عليها الطاعة الظاهرة والخفية بالعمل بكتابه وسنّة رسوله تطبيقاً لشرعه ونظامه بين الناس.



      صحيح ان الاشتراكية الشيوعية تعترف بالعقل وانتاجه الفكري، بغض النظر عن تفسيرهم الخاطئ له، ولكنهم يجعلونه تبعاً للواقع المادي. مما يغلّ قدراته عن التحرك الأفضل في الإبداع والأوسع في الإختراع، حتى في المجال المادي الذي حصروا ايمانهم به ورفضوا غيره. وهو الحال الذي أوصلهم الى ما وصلوا اليه من تخلّف في الميادين العلمية بالنسبة للغرب الراسمالي الذي يطلق العنان لجميع قدرات الفرد الكامنة، ويحاول أن يستغلها كل الاستغلال، وإن كان أبشع استغلال، لصالح شعوبهم و ضد غيرهم …



      وصحيح أن ما يفعله رجال الاشتراكية الشيوعية اليوم ليس وليد الصدفة، بل سبقته إرهاصات كثيرة عندما حاول بعضهم، وعلى رأسهم خروشوف في السبعينيات بل في الستينيات، أن يدخل الحوافز المادية الفردية للاقتصاد، ويطور القطاع الزراعي بالذات. ولكن الجو لم يكن مهيّأ لا للاستماع اليه ولا لقبول آرائه. مما جعله يتعرض للطرد من جميع مسؤولياته. صحيح هذا، ولكن أن يقدم غورباتشيف، ومن بعده يلتسين، وأمثاله في جميع جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، على هذا الذي يجري هناك، ما كان ليحصل الا بعد أن تهيّأ الجو لمثل هذا التحرك وفي هذا الاتجاه …



      ولكن، وللأسف، شتان بين أن يتحرك العالم الاشتراكي الشيوعي في طريق التطوير لمبدئه وأفكاره في الاتجاه المناسب له كمبدأ من صنع الانسان، اتجاه إقرار الانحراف في عقيدتهم المادية ونظرتها في التصوير المادي والتخلّي عن ذلك، لا لصالح عقيدة الراسمالية، التي طالما هاجموها أشرس هجوم وأقوى هجوم بحيث كان لهم الفضل في إظهار الكثير من عوارها، وإنما لصالح العقيدة الاسلامية التي ما كانوا ليرفضوها أصلاً لو لم تُصَب عقولهم بل قلوبهم، ومن قادهم من قبل، بهذا العمى نتيجة ضغوط ومآسي رجال الكنيسة وتآمرهم مع الملوك ضد شعوبهم.

      ولو كان للاسلام نقاوته، وبروز عظمته، كما كان في اول عهوده، وانطلاقته الفذة في انقاذ الشعوب من أرجاس الامبراطوريتين، الرومانية والفارسية، لما أصيبت تلك العقول والقلوب بمثل ما أصيبت به من العمه والعمى. ولكنها إرادة الله وحكمته وتدبيره عندما خلق الانسان وجعله على شكل قادر معه أن يختار بين البدائل، كما جعل في عقله ووجدانه الاستعداد التام للتأثر والاختلاف والتباين والتناقض. وصدق سبحانه وهو القائل "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" . فكانت عقولهم، عقول رجالهم الأوائل، جاهزة كعقول بشرية للتأثر بما عاشته في العصور الأخيرة من مآسي الظلم والاضطهاد التي يوقظها رجال الكنيسة بالتعاون باسم الدين مع الملوك والأباطرة لاستغلال الشعوب وإذلالها. ففكرت تلك العقول وأعادت التفكير، ونظرت وأعادت النظر، وهي ترى لهيب الثورة الفكرية يجتاح اوروبا كلها، بدءا من فرنسا وثورتها وانتهاءا بالحروب الدينية التي كانت تلفّ اروربا من أقصاها الى أقصاها. فانتهت الى رفض الدين ورجال الدين، ولم يقف رفضها عند حدود الكنيسة ورجالها، وإنما تعدّاه الى رفض كل مؤسسة لها صلة بالدين، أي دين. مما أوقعها في أخطر خطأ يقع فيه العقل البشري في جميع قضاياه. ألا وهو القياس الشمولي، عندما رفضت الاسلام وتشريعه كما رفضت الكنيسة وهرطقتها، بحجة أنهما دين.



      واليوم، أنى للاشتراكية الشيوعية ورجالها أن يفكروا بالاسلام وعقيدته ونظامه ليكون موضع التطلّع كبديل، عند تطوير أفكار مبدئهم، وهم يرون الاسلام وأهله فيما يرونه من الضعف والذل والهوان أمام جميع الشعوب والأمم المتقدمة مادياً ؟؟ !!



      إن العقل الشيوعي الذي أشبع بالمادية والتطور المادي والواقع المادي لا يرى الا هذا الواقع. فماذا يرى في واقع الأمة الاسلامية غير التمزق والتطاحن والتشرذم لصالح الرأسمالية ولهاثاً وراءها ؟ ! فكيف له ان يفكر بالتطوير باتجاه الاسلام وأهله وهم على هذا الحال .. إنه بالطبع سيفكر بما لدى الراسمالية ومؤسساتها التي يرى فيها أسباب التقدم عليه في مجال الواقع المادي الذي طالما نافسها على السبق فيه. فيظن أنه بمثل هذا التطور سيسدّ الثغرات التي يعاني منها، ويتخلص من المساوئ التي سببت تخلّفه. وينسى في زحمة التنافس وسيطرة الواقع عليه أن الاندفاع في التأثر بالواقع لا يسمح بسلامة الحكم عليه. وإلا فكيف كان هذا العقل يرى كل الأخطاء في الفكر الرأسمالي ونظامه الديمقراطي الباطل عندما كان في اندفاعه الفكري الخاص؟! ويعود الان ليرى متأوّلاً إمكانية التطور باتجاه ذاك الفكر ؟ ! هل تخلصت الرأسمالية من أخطائها، أم ،على النقيض، زادت أخطاءا على أخطاء، بل خطايا على خطايا، في حق الشعوب، وبالذات شعوب ما يسمونه بالعالم الثالث ؟؟ !! إنها سيطرة الواقع المادي على عقولهم التي حجبتها عن ضرورة التفكر والتدبر قبل تبرير مآسي الرأسمالية، قبل الإقدام على التطور باتجاهها.



      وهنا تظهر مسؤولية الاسلام وأهله، ومداها في تقديم الصورة المشرقة للعالم عن الفكر الحق الذي يستحق أن يُبحث عنه و يًتّجه اليه. فهل في ما هم عليه من الدول التي وصل عددها في عالمهم الاسلامي الى ما لا يقل عن خمس واربعين دولة، وفيما هم عليه من التطاحن فيما بينهم لأسباب وطنية او اقليمية، وكلها خلفها يقف الاستعمار الغربي، وفيما هم عليه من نسيان هويتهم الاسلامية وركضهم وراء الغرب في مجموعهم بل أجمعهم طلباً لديمقراطيته في الحكم، ورأسماليته في الاقتصاد، وحمايته في السياسة .. هل فيما هم عليه من ذلك ما يجعلهم مثلاً يحتذى وقدوةً تُتّبع ؟؟؟ !!! هل في ما هم عليه من ذلك ما يقدم للاشتراكية الشيوعية المنهارة في بنيانها وفكرها الهياكل البديلة والافكار البديلة ؟؟ !!



      لا شك أن وجود الاسلام، والفكر الاسلامي، والمبدأ الاسلامي، في دولة اسلامية، وخلافة اسلامية، لا بالإسم بل بالفعل والواقع والحق والحقيقة، هو خير عامل يشدّ كل باحث عن السلامة والخير لنفسه ولمجتمعه. حتى لو كان جالساً وراء اربعة جدران ينشد الحقيقة في بحثه والسعادة في تطلعاته. فكيف اذا كان دولة من هذه الدول الاشتراكية اللاهثة وراء التغيير والتطور بحجة التخلف والبحث عن التقدم .. إنها لن تجد سبيلاً للمقارنة بينه وبين الفكر الرأسمالي الديمقراطي الذي سبق أن خبرت سوءاته وعرفت عوراته. ولم تتقدم للتطوير باتجاهه الا لأنها لمست أن فكرها أشدّ سوءا من فكره السيء وأكثر عورات من مبدئه الكثير العورات !! وفي الوقت الذي يفسح لها المجال لترى هذا الاسلام مطبّقاً في نظام ودولة، فترى الواقع المادي المحسوس الملموس لعظمة الاسلام وقدرته على إسعاد الفرد والمجتمع، دون طغيان لأحدهما على الآخر، فانها لن تتردد في التطوير باتجاهه والتغيير لتقليده واتّباعه والاحتذاء به ..



      فمن المسؤول عن ضياع هذه الفرصة العالمية، الفرصة الذهبية، الفرصة المصيرية، للأخذ بيد البشرية في عالمها الاشتراكي باتجاه الاسلام وفكره ونظامه غير هذه الأحقاد العدوّة والعداء الحاقد من الداخل والخارج ضده ؟ !



      فهبّوا يا رجال الاسلام لاهتبال هذه الفرصة، التي سيحاسبكم ربّكم على إضاعتها أشدّ الحساب، وستحاسبكم أمتكم أقسى الحساب، وتأكدوا أن الله لن يخذلكم ولن يتركم أعمالكم …

    11. #26
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني







      المجموعة المتنوعة من الندوات الاسلامية

      الندوة الاولى

      كيف تحمل الدعوة الاسلامية



      العرض:

      لا شك أن تخلف المسلمين عن الأمم المتقدمة ما كان ليحصل لو استمروا متمسكين بدينهم وحرصوا على هذا التمسك بوعي وإخلاص ودون أدنى تساهل او تأويل.

      ولقد بدأ هذا التخلف منذ أخذوا يتخلون عن اسلامهم ويسمحون للحضارة الاجنبية ان تتسرب فيما بينهم وتأخذ طريقها الى ديارهم، كما سمحوا لأفكار الغرب ومفاهيمه أن تجتاح عقولهم وتستولي على أذهانهم. وفي نفس الوقت تقاعسوا عن دعوة الاسلام عندما تخلوا عن فكره القيادي في حياتهم، وأساءوا تطبيق أحكامه ونظمه في شؤونهم.



      وللتخلص من هذا التخلف لا بد من العمل للنهضة. وهذا العمل لا تقطف ثماره الا بعد عودة الحياة الاسلامية وذلك بحمل الدعوة الاسلامية من خلال الفكر الاسلامي القيادي، ومن خلال بناء دولة اسلامية تتولى هي بدورها حمل هذا الفكر القيادي عندما تتولى حمل دعوة الاسلام بكل الوسائل المتاحة ولكل اركان المعمورة.



      صحيح ان من الممكن ان يقول قائل هنا: ولكن لماذا الفكر الاسلامي بالذات دون غيره ؟ فيأتيه الجواب من الواقع المرّ الذي تعيشه أمم الارض قاطبة الآن، ومما تعانيه من مآس تركتها الاشتراكية الشيوعية وراءها وقد أخذت تجرجر أذيال التقهقر والإنكماش في عقر دارها، ومن المخازي الرأسمالية الديمقراطية التي برزت كأشنع ما تكون عليه النظم والمبادئ، وهي تكشّر عن أنيابها التكنولوجية السامة في عصر ما يسمونه إعادة بناء العالم من جديد والخاضع رغم أنفه للهيمنة الأميركية بالذات بعد أن شطبت تماماً القوة الروسية الشيوعية المنافسة لها.

      هذه واحدة هامة جداً للإجابة، وخاصة لمن لم تتصل عقولهم بمنابع الفكر الاسلامي القيادي الصافي. وتبقى الثانية وإن كانت نظرية لعدم تطبيق الفكر الاسلامي في الواقع ولكنها تبقى ليست أقل أهمية من الأولى، ألا وهي التأكيد على أن الاسلام وحده هو القادر على إصلاح هذا العالم بعد أن أفسده المبدآن الاخران. وهو القادر وحده على إحداث النهضة الحقيقية السليمة للمسلمين وغيرهم … وحتى يتحقق ذلك كله لا بد أن تُحمل دعوة الاسلام على هذا الأساس.



      فماذا يعني حمل الدعوة الاسلامية للعالم كقيادة فكرية؟؟

      من المعروف أن الفكر، أي فكر، عندما يتصل بالسلوك الانساني فانه يقدم لحامله مفاهيم تسيّر سلوكه في هذا الجانب او ذاك، اذا كان قاصراً على جانب دون آخر، او في جميع جوانب الحياة، اذا كان فكراً شاملاً. وهذا يعني ان الفكر قد قاد الانسان في حياته وكان قائداً له. فاذا حملت الدعوة الاسلامية كأفكار تقود حملَتها للعيش عليها اولاً وليجعلوا الآخرين يعيشون مثلهم عليها، فانها تكون قد حُملت كقيادة فكرية او كفكر قيادي لكل من اتصلت به مهما كانت وسيلة الاتصال.



      ولكن كيف تتحقق للدعوة الاسلامية هذه القيادة الفكرية؟؟

      إنها من حمل افكار العقيدة الاسلامية الواضحة المحددة للآخرين لتكون افكارهم، ثم من بيان النظم الاسلامية المنبثقة عن تلك العقيدة لتنظيم جميع جوانب الحياة للفرد والمجتمع، ومن بيان جميع الافكار التي تبنى على هذه القيادة، والمفاهيم التي تنبثق من هذه الافكار ولتؤثر وتوجّه وتقولِب وجهة النظر في حياة الفرد والمجتمع ما دامت ترتبط بها وتعيش عليها.

      ولكن ألا يوجد اختلاف في كيفية حمل الدعوة الاسلامية بين اليوم والأمس؟؟

      إن التدقيق في النظر يرى أن الاختلاف الحاصل في الكيفية محصور فقط في الوسائل والأشكال دون أن يتعداها الى الأصل والجوهر. مما يفرض أن تكون الكيفية اليوم مثلها بالأمس، ما دامت تقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحيد عن تلك الطريقة في كلياتها وجزئياتها قيد شعرة، وما دامت تدرك حقيقة الاختلاف مهما تعاقبت العصور وتنوعت الشعوب وتباعدت الأقطار.



      فماذا تقتضي هذه الكيفية في حمل الدعوة؟؟

      إنها تقتضي بلا شك الصراحة في القول، والجرأة في العمل، والقوة في التصدّي، والفكر في التعامل. ويظهر ذلك كله في تحدّي كل ما يخالف العقيدة وافكارها الواضحة او الطريقة التي تعيش بها هذه العقيدة بجميع افكارها حية في واقع الحياة. بحيث يكشف كل زيف فيه مهما كانت نتائج هذا الكشف، ويعرّى كل انحراف يكتنفه مهما كانت نتائج هذه التعرية.

      وهذا يعني أن يبقى المبدأ الاسلامي هو السيد المطلق في حمل الدعوة سواء وافق أهواء جمهور الناس أم لم يوافق، وسواء ساير عاداتهم أم لم يسايرها. لأن صفاء العقيدة وافكارها، ووضوح كيفية تطبيقها في الحياة، تفرضان الحرص عليها بذاتها، ودون اي تملق للناس او نفاق لمن بيده الأمور، ودون مجاملة للعادات والتقاليد، حتى يبقى المبدأ وحده موضع التمسك والتقدير.



      وهنا يرد سؤال: اذا كان هذا ما يقتضيه حمل الدعوة مع المسلمين، فكيف يكون الحال مع غير المسلمين مهما كانت أديانهم او مبادئهم ؟؟

      والجواب على هذا السؤال ان الإكراه غير وارد في حق اعتناق الدين، وهذا يشمل جميع العقائد والمبادئ. أي انه لا يفرض على غير المسلمين ان يعتنقوا الاسلام، ولكن لا يقال لهم تمسّكوا بدينكم او مبدئكم. وإنما يدعون بلا إكراه، بالحجة والبرهان، الى الاسلام ليعتنقوه ما دام الهدف من حمل الدعوة الاسلامية إفراد الاسلام في الحياة وسيادته في الارض. أليس تعالى هو القائل "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" !!!



      ولكن ما الدليل على وجوب إتّباع هذا الاسلوب الصارم المتحدّي في حمل الدعوة؟؟

      إنه في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي تحدّى العالم كله برسالته التي ملكت عليه نفسه. فأعلن الحرب الفكرية بها على الناس قاطبة ليعملها في حياتهم سواء اعتنقوها كلهم او بعضهم. فقد بدأ بتحدي قريش وتسفيه معتقداتهم وهو فرد أعزل من أي سلاح او معين غير ايمانه برسالته. ثم توسع حتى شملت دعوته كل من كان يصل اليه دون أن يأبه بعقائدهم وعاداتهم، بأفكارهم ومفاهيمهم، بتعصبهم وجمودهم.



      والسؤال هنا: هل تختلف كيفية حمل الدعوة بعد تطبيق الاسلام عما قبله؟؟

      والجواب هو: ما دام الأصل في ذلك هو الحرص على سيادة المبدأ في الحياة، فهذا يقتضي الحرص على تنفيذ أحكام الاسلام بشكل كامل ودون أدنى تساهل ولا تأجيل عند تطبيقه. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبل من وفد ثقيف ان يدع لهم صنمهم اللات لمدة ثلاث سنين دون هدم وأن يعفيهم من الصلاة، كما لم يقبل أن يدعه لهم حتى ولا لمدة شهر واحد كما طلبوا. ولكن الذي قبله منهم هو أن لا يهدموا هم صنمهم بأيديهم، ووكّل بذلك أبا سفيان والمغيرة بن شعبة. وهذا يعني أنه لم يقبل منهم الا العقيدة الكاملة وما تقتضيه من تنفيذ. وأما الوسيلة والشكل فقد قبلها منهم لأنهما لا يتصلان بحقيقة العقيدة. أي أنه لا تسامح في الفكرة او الطريقة، ولكن التسامح في الوسائل التي يمكن ان يستعمل منها ما تحتاجه الفكرة او الطريقة.



      ومن ناحية اخرى: هل حمل الدعوة الاسلامية يستهدف غاية معينة؟

      إن كل عمل من اعمال الدعوة يجب ان يكون لتحقيق غاية معينة بحيث لا تغيب عن ذهن حامل الدعوة. فلا يرضى بالفكر دون عمل، لأنه سيكون خيالياً مخدّراً، ولا يقبل بالفكر والعمل لغير غاية. لأنه يعتبر ذلك حركة لولبية ما اسرع أن تنتهي للجمود واليأس. بل يحرص على اقتران الفكر بالعمل، وعلى جعل الفكر والعمل معاً من أجل غاية محددة في الوجود … وهذا ما فعله الرسول عليه السلام عندما هيّأ مجتمع المدينة وأوجد فيها الدولة بعد أن لمس جمود مجتمع مكة وعدم قبوله الاسلام نظاماً فيهم. وبايجاد الدولة في المدينة طبّق عليه السلام الاسلام وحمل رسالته وأعدّ الأمة لتحمله من بعده، وفقاً للطريق الذي رسمه لها وسار عليه. وهذا يعني أن يلتزم حملة الدعوة، عند عدم وجود خليفة للمسلمين، بحملها بصورة شاملة أي تشمل الدعوة الى اعتناق الاسلام والى اعادة الحياة الاسلامية بتطبيق الاسلام في الارض، وبالتالي الى حمل هذه الدولة التي تطبق الاسلام الدعوة الى العالم، فتنتقل من دعوة محلية الى دعوة عالمية.



      ويرد سؤال مهم أخير هنا: ما هو مضمون الدعوة الاسلامية، وماذا يقتضي؟؟

      تتضمن الدعوة الاسلامية تصحيح العقائد أولاً، وتقوية الصلة بالله ثانياً، وحل مشاكل الناس ثالثاً وأخيراً. وبذلك تكون شاملة جميع جوانب الحياة الفردية والمجتمعية. فنجد الرسول عليه السلام قد كان يتلو على الناس في مكة قبل تطبيق الاسلام في دولة "تبّت يدا أبي لهب وتبّ" و "إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر، قليلا ما تؤمنون" و "ويل للمطففين، الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون، واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون" و "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير" … ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يتلو عليهم في المدينة بعد ايجاد الدولة الاسلامية "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" و "انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله" و "يا أيها الذين آمنوا اذا تداينتم بديْنٍ الى أجل مسمى فاكتبوه" و "كيلا يكون دولةً بين الأغنياء منكم" و "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون"… وهذا يعني ان الدعوة الاسلامية لا بد أن تكون حاملة معها للناس الأنظمة التي يعالجون بها مشاكلهم، لأنها بذلك تكون حية تعالج كل مشاكل الانسان كإنسان وتغيره تغييراً كاملاً.



      وهذه المسؤولية الضخمة تفرض على حامل الدعوة ان يحرص على النـزوع الى الكمال في كل شيء. فيحرص على التنقيب في افكاره حتى يبقيها نقية صافية دائماً، وفي افعاله حتى لا تغيب عن ترابطها مع افكاره ومع الغاية المستهدفة منها. وبذلك يضمن النجاح واستمراره، بشرط ان يقوم بذلك كله كواجب من الله يقبل عليه بسرور ويبتغي منه نوال رضوانه سبحانه دون غيره. وعندها يكون عمله لله موصولاً، ويكون نجاحه فيه بعون الله وتوفيقه مضموناً …


    12. #27
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

      المناقشة:

      س- متى بدأ التخلّي عن الاسلام في حياة المسلمين؟

      ج- عندما أخذ المسلمون يؤوّلون الثقافة الاجنبية من فارسية وهندية وإغريقية تأويلات اختلطت بها مع الفكر الاسلامي فأخذت تفقده نقاوته وصفاءه.



      س- هل يمكن ضرب مثال على ذلك؟

      ج- نعم، إنها فكرة التصوّف والإغراق في الروحانية التي أخذت من الهندية. وهي فكرة محاربة الدنيا وشرورها وماديتها وآثامها، والإقبال على الآخرة والتبتّل والتقشف. وهناك فكرة الغيبية والاستسلام لها. فهي من آثار الفكر الإغريقي ولا علاقة لها بعقيدة الاسلام في القضاء والقدر.



      س- ولكنك تقول بتسرّب افكار الغرب الى ديار المسلمين؟

      ج- حدث هذا في القرون الأخيرة عندما زحف الفكر الديمقراطي والراسمالي والاشتراكي الى ديار المسلمين فهدم دولتهم وتركهم مزقاً وأشلاءاً في دول هزيلة متناحرة وهي تحتكم الى أنظمته وافكاره وحضارته.



      س- هل يعقل ان يتنازل العالم الاشتراكي عن مبدأه للرأسمالية لمعاناته الاقتصادية، أم هو مجرد تكتيك او اسلوب لاقتناص المساعدات ومنع التعدّيات؟

      ج- في البداية لم يحصل التنازل عن الاشتراكية كمبدأ متكامل لصالح الرأسمالية، وإنما الذي حصل هو التطوير لها بشكل يظنّ به أصحابه أنه يحقق التقدم الذي سبقهم اليه الغرب الرأسمالي. ولكنهم بحجة التعددية إندفعوا في التنازل جماهيرياً فقيادياً عن المبدأ ككل. وما هي الا نتيجة حتمية لمجتمعات صنعت مبادئها بعقولها فتنازلت عنها عندما سيطرت عليها فكرة التطوير وحتى الاستبدال الى ما تراه تحت ضغط الواقع أنه الأفضل والأسلم لرقيّ شعوبها … وكأن إنسانهم فأر تجارب…



      س- ما علاقة حمل الدعوة الاسلامية بنهضة الأمة الاسلامية؟

      ج- ما دامت النهضة لكل أمة تبدأ وتستمر في الحياة بالفكر، فان الدعوة الاسلامية هي التي تبرز الفكر الاسلامي بنقائه وصفائه، وتعيد للمسلمين حقيقة الثروة الفكرية الثقافية التي تخلّوا عنها الى عفن الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي. ولذلك فانه لا نهضة الا بالدعوة الاسلامية، بل لا بقاء ولا استمرار في هذه النهضة الا ببقاء واستمرار هذه الدعوة، سواء قبل قيام دولة تطبق الاسلام او بعد قيام تلك الدولة، التي تتولى بدورها، وبأساليب اخرى، القيام بهذه الدعوة.



      س- هل من فرق بين حمل الدعوة الاسلامية قبل الدولة وبعدها؟

      ج- قبل قيام الدولة تتركز الدعوة حول اربعة مهام هي: التثقيف المركز لبناء الشخصيات الاسلامية، والتثقيف الجماعي لبناء الرأي العام الواعي، وكشف خطط ومؤامرات الكفار ضد المسلمين ودينهم وبلادهم لتخليصهم وحمايتهم من السيطرة الاجنبية، وتبنّي مصالح الأمة ليبرز الاسلام حياً في حياتهم وليس مجرد افكار في أذهانهم.

      هذا بالنسبة للدعوة قبل قيام دولة اسلامية. وأما الدعوة في ظل الدولة، فانها تشتمل على المهمتين الاوليين: التثقيف المركز الفردي والجماعي. وأما المهمتان الأخريان: الكشف والتبنّي، فيحل محلهما محاسبة الحكام ومراقبتهم لإحسان تطبيق الاسلام وحمل دعوته بالجهاد لبقية اقطار العالم، لأن الدولة نفسها تقوم بالكشف والتبنّي ولا حاجة لأن يقوم بذلك لا الافراد ولا الكتل والاحزاب.



      س- هل يجوز استخدام وسائل الاتصال الحديثة في الدعوة الاسلامية؟

      ج- نعم. يجوز ذلك بداهة. لأن الاسلام يأخذ بنتائج العلوم والمخترعات، وهي عالمية وليست ملكاً لأمة دون الأمم الاخرى ولا لمبدأ دون المبادئ الاخرى. وخاصة اذا كانت هذه النتائج مما لا يتناقض مع اي فكر اسلامي سليم وليس موهوم.



      س- اذا كنا نريد كما تقول ان نتقيد بالكيفية التي تركها لنا الرسول عليه السلام في حمل الدعوة فانه عليه السلام كان يتلقى الوحي بالتدريج، بينما نحن بين أيدينا الرسالة كلها؟

      ج- هذا صحيح من حيث نزول الرسالة، ولكن غير صحيح من حيث مضمون ما كان الرسول عليه السلام يؤمر به من الوحي. إذ كان في الوحي قبل قيام الدولة الحرص على مصالح الأمة جنبا الى جنب مع تقويم عقائدهم وتقوية الصلة بربهم. أي ان صلات البشرية الثلاثة: بالله وبالذات وبالآخرين، كانت موضع اعتبار. وكذلك الحال بعد قيام الدولة، وإن توسع مضمون ذلك اكثر من ذي قبل تبعاً لاتساع العمل ومجاله. ولهذا فان ما فعله الرسول عليه السلام رغم النـزول التدريجي للوحي عليه هو مما يجب علينا العمل به الآن، والعمل به في كل وقت، مع مراعاة أن يكون حمل الدعوة قبل الدولة كما فعل الرسول عليه السلام، بالعمل الفكري. وأما بعدها فالدولة تقوم بالعمل المادي. وأما الافراد والاحزاب الاسلامية فتحمل الدعوة بالعمل الفكري دائماً وإن كان الحزب الذي يتولى الحكم بالاسلام يحمل الدعوة في اطار الدولة وبتوجيه منها كما ترسم له فكرياً ومادياً، فكرياً بالآراء الاسلامية في جميع مجالات الحياة، ومادياً بالجهاد الحربي لإعلاء راية الاسلام، إلا أنه لا يختلف في ذلك عن الاحزاب الاسلامية الاخرى. إذ تبقى مهمتها فكرية والدولة هي التي تتولى المهمة المادية العملية.



      س- ماذا تفهم من حادثة سماح الرسول عليه السلام لثقيف ألا يهدموا صنمهم اللات، بينما لم يسمح ببقائه لأية مدة حتى لو كانت لشهر واحد؟

      ج- يفهم من ذلك عدم التساهل في تطبيق الاسلام وعقيدته لمن اعتنقه من حيث حقيقتها لا من حيث اسلوب التنفيذ والتطبيق. إذ السماح لغيرهم ان يهدموا صنمهم لا يؤثر في العقيدة لا من حيث جوهرها ولا من حيث تطبيقها بإزالة الصنم، وإنما هو فقط اسلوب تطبيق العقيدة في حياتهم. وهذا الفهم يؤكد لنا المدى الذي يسمح فيه بالتساهل وعدم التساهل في حمل الدعوة وفي تطبيق افكارها في واقع الحياة.



      س- ولكن هل يجوز التوسع في التساهل في التطبيق والتنفيذ باستخدام اي اسلوب كان؟

      ج- بالطبع لا. لأن الاسلوب يحدد نوع العمل المطلوب. فأسلوب هدم الصنم قد يكون بالهدم من أهل ثقيف او من غيرهم، والمهم أن يتحقق الهدم بالشكل المسموح به. والشكل او الوسيلة يمكن ان يكون بالفأس او بالسلاسل، او بالنسف بشرط أن لا يضرّ بالآخرين.



      س- وما الغاية من حمل الدعوة الاسلامية في هذه الدنيا والآخرة؟

      ج- ما دامت الدعوة الاسلامية قبل قيام الدولة تعتمد على التثقيف الفردي المركز، والتثقيف الجماعي، وكشف خطط الكفار ضد المسلمين، وتبنّي مصالح الأمة، فانها تسعى لتحقيق غاية محددة من كل مهمة من هذه المهمات الأربعة، كما أشارت اليها الندوة. وكذلك الحال بالنسبة لمهامها بعد قيام الدولة. والمهم أن جماع ذلك كله أن تبقى اعمال الدعوة دائماً فكرية ولا تتعداها الى المادية. وأما اعمال الدولة فهي مادية فكرية معاً بحيث لا تدعو لفكر دون ان تقصد منه ايجاد الجانب المادي لتطبيقه في نفس الوقت. وهكذا تكون الغاية من حمل الدعوة من قبل الافراد والاحزاب قبل قيام الدولة الاسلامية وبعدها هي تطبيق الاسلام في الارض بإقامة الدولة التي تتولى الدعوة بالطريقة المادية وهي الجهاد، وإن بقيت الاحزاب على نفس الطريقة السابقة مع ما يلزم من تعديل في مهماتها تبعاً لقيام الدولة. وأما في الحياة الاخرى فتبقى الغاية المثلى او غاية الغايات هي رضوان الله.



      س- ولكننا نعلم أن مضمون الآيات المدنية غير مضمون المكية، فكيف نجعل الدعوة الآن، مع عدم وجود دولة، تشمل المضمونين، ما دمنا يجب ان نتقيد بطريقة الرسول عليه السلام؟

      ج- صحيح ان الوحي نزل منجّماً حسب الحوادث، ونزل التشريع والأنظمة في المدينة ولم تنـزل في مكة. ولكن الرسول عليه السلام كان في دعوته لرسالته في مكة يشير الى مصالح الناس وما تفرضه الشريعة الجديدة من رعاية حقّة لها. وما أشارت اليه الندوة سابقاً من آيات عديدة تقدم مثالاً على ذلك، ولكنه يبقى في اطار الجانب الفكري، لأن هذه الآيات تحدثت عن الكيل والميزان والظلم الذي يلحق مصالح الناس فيهما وما سيحلّ بالظالمين من عقاب وما سيناله العادلون من ثواب. وأما بعد قيام الدولة فقد عمد الرسول عليه السلام الى الطعام المغشوش وأنذر صاحبه حيناً وأتلفه حيناً آخر. فقام بتطبيق الفكر، ولم يكتفِ بما كان الحال عليه قبل الدولة من مجرد تبليغ الفكر.



      س- ولكن ألا يعني التنقيب في الافكار الشكَّ في صحتها؟

      ج- هذا صحيح، ولكن الفكر لا يؤدى الا باللغة، واللغة منها قطعي الدلالة ومنها ظني الدلالة. وتطبيق الفكر على الواقع يحتاج دائماً للإطمئنان على قوة الدلالة من جهة، وعلى سلامة فهم الواقع الذي تطبّق عليه الافكار من جهة اخرى. والحياة تقدم دائماً مستجدات كثيرة لا يقف الفكر الاسلامي أمامها عاجزاً بل يقدم الحكم عليها. وهنا لا بد من التنقيب مع كل جديد، كما انه لا بد من التنقيب فيما يلزم من القديم اذا ظهرت مستجدات بشأنه تلقي عليه المزيد من النور والضوء.

    13. #28
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني


      الندوة الثانية

      الحضارة الاسلامية ومقارنتها بالحضارة الغربية



      العرض:

      لقد تعود أصحاب الرأي والفكر على الجمع بين كلمتي الحضارة والمدنية، وغالبا دون تفريق بينهما في المعنى، وان كان بعضهم قد أبرز الاختلاف في مدلول كل منهما عن الاخرى. فما التطابق والاختلاف بينهما ؟

      ان كلمة الحضارة تشير الى التحضر عكس التبدؤ، والحاضرة عكس البادية. وكلمة المدنية تشير الى التمدن عكس التريف، والمدينة عكس الريف. فإلى اي مدى تلتقي هاتان الكلمتان وتفترقان في مدلولهما؟



      ان المدلول اللغوي لكل منهما يتداخل مع الآخر، فالتحضر والحاضرة يشيران الى العيش في المدينة والاتصاف بصفات أهلها، وذلك على العكس من التبدؤ والبادية التي يتصف أهلها بصفات تختلف عن اهل المدينة. وكذلك التمدن والمدنية فانهما يشيران الى العيش في المدينة ومعايشة صفاتها المميزة عن الريف الذي يشمل البادية كما يشمل القرية. ولكن معنى الريف يبقى أوسع من معنى البادية بشموله كل ما هو خارج المدينة من السكان المستقرين للزراعة والمتنقلين مع الماشية، بينما البادية تختص بهذا الجانب دون ذاك.

      واما المدلول العرفي فان الحضارة تختص بالمفاهيم عن الحياة، بينما تختص المدنية بأشكال الحياة المادية. وهذا يعني أن كلمة الحضارة تنحصر في مدلولها بالمعاني والأفكار التي تقدمها وجهة النظر في الحياة أو الأيديولوجيا، وما تراه في كل شيء من أشياء هذه الحياة. بينما كلمة المدنية تشمل هذا الجانب عندما تقدم أشكالا مادية من الأشياء الحياتية كالتماثيل مأخوذة أو متأثرة بوجهة النظر، كما تقدم أشكالا علمية وصناعية كالحاسوب والطائرة ليست مأخوذة ولا متأثرة بوجهة النظر في الحياة، وإنما نتيجة للعلوم وتقدمها والصناعة وتطورها.



      فماذا يقتضي هذا التفريق في واقع الحياة ؟

      لما كان هذا التفريق بين الحضارة والمدنية يعني أن الحضارة هي مجموعة المفاهيم عن كل الأشياء في الحياة بناء على وجهة النظر المبدئية التي يعتنقها الفرد وتدين بها الأمة، بينما المدنية هي مجموع الأشكال المادية للأشياء المحسوسة في الحياة، سواء كانت متأثرة بمفهوم من مفاهيم وجهة النظر المبدئية أو غير متأثرة … وهذا يعني ان الحضارة خاصة بحيث يكون لكل أمة حضارتها الخاصة بها تبعاً لوجهة نظرها المبدئية، او تبعاً لعقيدتها ومبدئها، بينما المدنية قد تكون خاصة بأمة من الأمم عندما تكون متأثرة بمفهوم من مفاهيم عقيدتها ومبدئها، وقد تكون عامة لجميع الأمم والشعوب عندما تكون من نتاج العلم والصناعة التي لا تختص بأمة من الأمم ولا بشعب من الشعوب …

      وعليه ولمّا كان التفريق بين مدلوليْ الكلمتين يعني كل هذا، فانه لا بد من ملاحظة ذلك دائماً، وملاحظة التفريق بين الأشكال المدنية الحضارية، اي المتأثرة بوجهة النظر، وبين الأشكال المدنية العلمية والصناعية الاخرى، اي غير المتأثرة بوجهة النظر.



      ولكن ما هو مردود هذه الملاحظة في التفريق على حياة الفرد والمجتمع؟

      ان مردود ذلك يظهر عند أخذ المدنية وأشكالها المتنوعة، بحيث يميز بين أشكالها كما يميز بينها وبين الحضارة. فعندما يقدم الفرد المسلم على المدنية الغربية الناتجة عن العلم والصناعة، فانه لا يجد غضاضة في ذلك، لأنه لا يوجد ما يمنع من أخذها في مفاهيم مبدئه، ناهيك عن وجوب أخذ ما يلزم منها مما تحتاجه الأمة الاسلامية. وأما المدنية الناتجة عن الحضارة الغربية، فانه لا يجوز أخذها، لتحريم أخذ الحضارة الغربية المناقضة للحضارة الاسلامية، سواء من حيث أساسها، او من حيث تصويرها للحياة الدنيا، او من حيث مفهوم سعادة الانسان في هذه الحياة الدنيا وتلك الحياة الأخرى.



      فكيف تتناقض الحضارة الاسلامية مع الحضارة الغربية من حيث الأساس؟

      إن أساس الحضارة الغربية، أي الرأسمالية الديمقراطية، هو أساس مبدئهم، وهو فصل الدين عن الحياة وإنكار تأثيره فيها وبالتالي في الدولة التي تنظمها وترعاها. فوجهة نظرهم في الحياة أنها لا علاقة لها بالدين ولا أثر له فيها ولا في نظامها. لأن الحياة عندهم وجدت هكذا بغض النظر عمن أوجدها، والعقل والتدبير الانساني هو الذي ينظمها، دون أدنى صلة بغير ذلك.

      وأما اساس الحضارة الاسلامية فهو الايمان بالله، وأنه سبحانه نظم هذا الوجود بنظام يسير عليه، فجعل لكل جانب من جوانبه، أي الكون والانسان والحياة، نظامه الخاص به. كما أرسل سبحانه سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بالاسلام ديناً تقوم الحضارة الاسلامية على اساس عقيدته التي تشمل الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، أي انها تقوم على اساس روحي. وهكذا يظهر التناقض في الأساس بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية.



      وكيف تتناقض الحضارة الاسلامية مع الغربية من حيث تصويرها للحياة؟

      ان تصوير الحضارة الغربية للحياة هو أنها منفعة، لأن كل عمل كما تراه من أعمال الانسان مقياسه المنفعة، أي انها ترى ان النفعية هي قاعدة النظام وقاعدة الحضارة. فهي حضارة نفعية ولا تعترف في الحياة الا بالنفعية والقيمة المادية. ولذلك لا توجد لديها اي قيمة اخرى من أخلاقية وانسانية وروحية. مما جعلها تلحق الاعمال المؤدية لهذه القيم بمنظمات منفصلة عن الدولة، كمنظمة الصليب الأحمر وأعمال القيمة الانسانية، ومنظمات التبشير وأعمال القيمة الروحية. واما اعمال القيمة الخلقية فهي عند هذه الحضارة تابعة لأعمال النفعية، فأي خلق فيه منفعة فهو السليم عندهم سواء كان صدقاً او كذباً، غشّاً او أمانة.

      وأما تصوير الحياة في الحضارة الاسلامية فهي انها مزيج من المادة والروح. اي ان كل عمل من اعمال الانسان في حياته مسيّر بأوامر الله ونواهيه. ذلك ان العمل الانساني أياً كان نوعه مادة، وربطه لهذا العمل عند القيام به بصلته بالله هو الروح، فيقوم به إن كان حلالاً ويتجنبه إن كان حراماً. وهذه هو معنى تسيير الاعمال بأوامر الله ونواهيه، وهذا هو معنى مزج المادة بالروح. فغاية المسلم بهذا التسيير ليس الحصول على المنفعة، وإنما نوال رضوان الله تعالى. وأما القصد الدنيوي من القيام بالعمل فهو حسب نوع العمل. فيقصد بالعمل التجاري القيمة المادية، ويقصد بالعمل الخلقي القيمة الخلقية، ويقصد بالعمل العبادي القيمة الروحية. أي عندما يقوم بعمل يراعي فيه الحلال فيفعله والحرام فيتجنبه، فيحقق بذلك القيمة المادية وهي الربح الحلال وليس اي ربح او الربح الذي يأتي من الحرام.



      وكيف تتناقض الحضارة الغربية مع الحضارة الاسلامية من حيث مفهوم السعادة؟

      ان السعادة لدى الحضارة الغربية هي إعطاء الانسان أكبر قسط من المتعة الجسدية وتوفير أسبابها له، وذلك تبعاً لتصوير الحياة بالنفعية لا غير. فحيثما تتوفر متع الجسد بذاتها كالعملية الجنسية او بأسبابها كالاعمال المادية النفعية الاخرى تكون عندهم السعادة. أي انها في إشباع جوعات الانسان المتعددة سواء كانت جنسية او غيرها دون أدنى ارتباط بغير الجانب الجسدي.

      وأما مفهوم السعادة في الحضارة الاسلامية فهي انها نوال رضوان الله سبحانه. وليست إشباع الجوعات الخاصة بأعضاء الانسان او الخاصة بالغرائز. لأن إشباع هذه الجوعات ليس اكثر من وسيلة للإبقاء على حياة الانسان، ولا يحقق السعادة مهما كان مستوى هذا الاشباع، بغض النظر عن تأثير هذا الاشباع بشكل او بآخر على راحة الانسان، ولكنه لا يلزم من وجوده تحقق السعادة لصاحبه. فقد يتحقق للانسان اشباع معدته او غيرها من اعضاء جسمه، ولكنه يكون شقياً. وقد يتحقق له اشباع غريزة الجنس ولكنه يكون شقياً، وذلك عندما يربط هذا التحقق بالمنفعة الجسدية فقط. ولكنه عندما يربطه بالغاية من أعماله كلها في الحياة، وهي السعي للحصول على رضوان الله، فانه يستشعر السعادة والطمأنينة والرضى، سواء كان هذا الاشباع كاملا او ناقصاً او حتى معدوماً.



      ولكن كيف تتناقض الاشكال المدنية الناتجة عن الحضارة الغربية مع تلك الناتجة عن الحضارة الاسلامية؟

      يظهر ذلك جلياً من إعطاء أمثلة جسدية. فالصورة الناتجة من آلة التصوير إما أن تتأثر بالحضارة الغربية عندما تبرز مفاتن المرأة او تعرّي جسدها فتعتبرها قطعة فنية تبعاً لمواصفات معينة عندهم. وإما أن تتأثر بالحضارة الاسلامية عندما تمنع هذا التصوير المبتذل للمرأة الذي يثير غريزة النوع ويسبب الفوضى الأخلاقية.

      ومثل آخر من بناء البيت، وهو شكل مدني. فإن تأثر بالحضارة الغربية، راعى إنكشاف المرأة في تبذّلها خارجه لأنها للتمتع. وإن تأثر بالحضارة الاسلامية أقام حوله سوراً يمنع هذا الإنكشاف او ستره بالستائر المحققة لذلك.

      ومثل ثالث من الملابس. فإنها إن كانت خاصة بالكفار باعتبار كفرهم كملابس الكهنة، فانها تتناقض مع ما تطلبه الحضارة الاسلامية من الملابس اللازمة للعبادة. كما تتناقض ملابس التبذّل الخاصة بالمناسبات العديدة عندهم مع الملابس المناسبة لمثل هذه المناسبات لدى الحضارة الاسلامية. وأما الملابس الاخرى التي ظهرت في الغرب لحاجة معينة او زينة خاصة لا تتناقض مع الاسلام فانها من الاشكال المدنية الناتجة عن العلم والصناعة التي يجوز أخذها، ولأنها تكون عامة بهذا الوضع لجميع البشر وليست خاصة لحضارة من دون غيرها. وكذلك الأمر بالنسبة لكل الأشكال المدنية الناتجة عن العلم والصناعة من أدوات المختبرات والآلات الطبية والصناعية والأثاث والمفروشات والأدوات المنـزلية وما شاكلها فانها اشكال مدنية لعموم الناس في العالم، ولا صلة لها بالحضارة ووجهة النظر في الحياة.



      وقبل الانتهاء من هذه الندوة، لا بد من وقفة قصيرة مع أثر هذه الحضارة الغربية على العالم اليوم …

      ان النظرة الخاطفة الى عالم اليوم توضح الى أي مدى سببت الحضارة الغربية شقاء الانسانية وفقدان طمأنينتها. ذلك ان هذه الحضارة التي تقوم على إهمال الدين في الحياة مخالفة لفطرة الانسان، ولا تعتبر الناحية الروحية في المجتمع. وتقدم الحياة في صورة المنفعة فقط، وتعقد الصلة بين الناس على أساس النفعية لا غير، ولا تنتج الا الشقاء والقلق الدائمين على الفرد والمجتمع معاً. كيف لا، وأن المنفعة هي اساس كل شيء عندهم، وهي لا توجِد في نفوسهم وصلاتهم فيما بينهم الا التنازع والتناحر واستخدام القوة لتحقيق مآربهم، فيكون الاستعمار من طبيعتهم، وتكون الاخلاق مهزوزة عندهم، وتستشري الأزمات الروحية في أوساطهم الفردية والاجتماعية، مما يسهل لدى الفرد منهم الانتحار كحلّ لمشاكله او الانحراف وسيلة يظنّ بها عقله الحلّ لشقائه او شقاء مجتمعه. وما محاولات العودة الى الدين عندهم الا اعتراف بفساد حضارتهم وشقاء حياتهم التي اجتاحتها المظاهر العديدة من الانحراف بحثاً عن السعادة الحقّة دون جدوى، فعادوا يفتشون عن الدين، ولكن أيّ دين؟‍‍‍! ولو نقّبوا في التاريخ بنـزاهة وتجرّد وموضوعية لرأوا ان الحضارة الاسلامية بموافقتها للفطرة وتسييرها لأعمال الانسان بالحلال والحرام، وبتصويرها للحياة بصورة الجمع بين المادة والروح وليس بإهمال إحداهما على حساب الاخرى، وبمفهومها للسعادة بأنها السعي للحصول على مرضاة الخالق المدبر سبحانه، هي وحدها التي تحقق السعادة للفرد والمجتمع وتخلّص البشرية مما ترزح تحته من كوابيس، وتأخذ بيد الانسانية الى الرفاهية والطمأنينة.


    14. #29
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      المناقشة:



      س- ما الفرق بين أن تقول: هذا الرجل متحضر، وهذا الرجل متمدّن؟

      ج- الرجل المتحضر هو ذو السلوك الراقي حسب وجهة نظر معينة في الحياة. والرجل المتمدن هو ذو الشكل الراقي حسب الاشكال المدنية المتعارف عليها في بلد ما دون ارتباط بوجهة النظر الخاصة. فالمتحضر قد يكون متمدناً وقد لا يكون، والمتمدن قد يكون متحضراً وقد لا يكون.



      س- ما قيمة هذا التفريق بين الحضارة والمدنية في واقع الحياة؟

      ج- إنه يعطي فهماً سليماً وبالتالي تعرّفاً صحيحاً لمدى الجمع والتفريق بين ما لدى المسلمين وغيرهم، وبالتالي لما يمكن أخذه او عدم أخذه من الشعوب والأمم الاخرى. وهذا أمر في غاية الأهمية لدى أصحاب المبادئ والقيم.



      س- كيف يمكن أن يتأثر اللباس بالحضارة؟

      ج- اللباس يتأثر بالحضارة من ناحيتين: الاولى – في مادته، فتصنع من أي مادة كانت للرجل والمرأة ما دام يحقق منفعة للصانع والمشتري وفقاً لنظرة الحضارة الغربية. بينما تحرم الحضارة الاسلامية صنعه للرجل من الحرير والذهب وتبيحه للمرأة، لاعتبار الاسلام الخاص لكل منهما كرجل وامرأة، وبغض النظر عن المنفعة في المادة. والناحية الثانية: في شكله، فيكون طويلاً فضفاضاً ساتراً للمرأة بكلّية جسدها، ومن السرّة الى الركبة للرجل، ويمنع فيه التشبّه بين الرجال والنساء، والتنبّه بما يختصّ به الكفار لكفرهم، وهذا كما تراه الحضارة الاسلامية. وأما الغربية فلا تقيم وزناً لذلك كله ما دام يظهر المفاتن ويحقق المتعة بين الجنسين ودون اي اعتبار آخر، اللهم الا اعتبار الكسب المادي عند ترويجه.



      س- هل يمكن ان نطلق على كل الاشكال المدنية العلمية او الصناعية أنها غير متحضرة؟

      ج- لا، ما دامت لا تتأثر بوجهة النظر في الحياة. وأما شكل اللباس مثلاً قد يتأثر بوجهة النظر فيقصد منه إبراز المفاتن، وقد لا يتأثر فيقصد منه حاجة معينة مباحة.



      س- الا يؤدي القول بتحريم الأخذ بالحضارة الغربية الى عدم اقتباس العلوم والصناعات عندهم؟

      ج- يجب الحرص على التفريق بين الحضارة والمدنية. فالحضارة الغربية هي مفاهيم الغرب المبدئية عن الحياة، وهي المرفوضة شرعاً. بينما المدنية تنقسم بين ما يتأثر بالحضارة وهو مرفوض ايضاً، وبين ما لا يتأثر بها، وهو نتاج العلوم والصناعات مما يعتبر عالمياً وليس خاصاً بحضارة دون حضارة، فانه وحده الذي يؤخذ ويقتبس سواء من حيث العلوم ذاتها او نتاجها وتطبيقاتها الصناعية.



      س- ما علاقة الحضارة الغربية بعقيدتهم في فصل الدين عن الحياة؟

      ج- ما دامت الحضارة هي مجموع المفاهيم عن الحياة بما فيها من أشياء واشكال فان عقيدة فصل الدين عن هذه الحياة تجعل المفاهيم مأخوذة من غير الدين عندهم، وهو – كما يرون – عقل الانسان وتفكيره وتقديره وحكمه على الاشياء والاشكال، بالطبع بناءا على ما فيها من منفعة الانسان حسب تقديره وفهمه وإدراكه. وهكذا فان اساس الحضارة الفعلي لدى كل امة من الامم، وكل مبدأ من المبادئ، سواء الغرب او غيره، هو العقيدة المبدئية التي يقيم عليها وجهة نظره في الحياة.



      س- وما علاقة الايمان بالله .. اي العقيدة الاسلامية بالحضارة الاسلامية؟

      ج- لأن الحضارة هي المفاهيم عن الحياة، ولأن هذه المفاهيم مأخوذة مما تقدمه العقيدة من أفكار وأحكام، وهذا يعني العمل بأوامر الله ونواهيه، أخذاً وتركاً، وتحليلاً وتحريماً، فان هذا يوضح العلاقة الوثيقة – كأساس وفرع - بينهما.



      س- ما معنى تصوير الحياة في نظر اي حضارة؟

      ج- هذا يعني تفسيرها وبيان حقيقتها. فعندما تقول الحضارة الغربية بان الحياة نفعية فانها تفسرها بأن حقيقة كل عمل من اعمال الانسان فيها قائم على المنفعة له والمتمثلة في اشباع جوعاته. وعندما تفسرها الحضارة الاسلامية بأنها مزيج من المادة والروح، فانها ترى كل عمل من اعمال الانسان يراعى فيه الحلال والحرام ليس بالمادة فقط، ولا بالروح فقط ولكن مزيج بينهما. وهكذا فان تصوير الحياة يعني اعطاءها التفسير والبيان الذي تراه لفهم حقيقتها.



      س- كيف ترى ان كل اعمال الانسان مادة حتى الصلاة؟

      ج- الصلاة مجموعة حركات وقراءات، وهذه كلها مادة. ولكن القيام بهذه الاعمال بناءا على اوامر الله هو الروح. ومن هنا قيل أن الصلاة اعمال مادية روحية. وهذا الوصف ليس خاصاً بالصلاة، بل بكل عمل يسير بأوامر الله ونواهيه، وإن كانت الصلاة اعمالا مادية تظهر فيها الروح اكثر من غيرها للانسان بسبب توجهها المباشر لله، أي كونها الصلة المباشرة بين الانسان وخالقه.



      س- ما دامت اعمال الانسان كلها مادة اذا لم يسيّرها باوامر الله ونواهيه، فكيف تجعل لها أربع قيم، وليس فقط القيمة الروحية؟

      ج- لأن القيمة من العمل هي القصد المباشر من القيام به. وهذه المقاصد في جميع اعمال الانسان اربعة لا غير، وهي: المادي والخلقي والانساني والروحي. ولو أحصينا اعمال الانسان لما وجدناها تتعدى هذه المقاصد او القيم الاربعة في جميع انواعها. فاذا سُيّر اي عمل منها بأوامر الله ونواهيه فانه يكون مزيجاً من المادة والروح. وعندما لا يُسيّر بمراعاتهما فانه يبقى مادةً فقط.



      س- كيف ترى الحضارة الغربية السعادة في المتع الجسدية؟

      ج- عندما ترى ان سعادة الانسان لا علاقة لها بخالقه وإنما هي ملك له ووفقاً لرغباته، فان هذه الرغبات تتحقق بإشباع جوعاته بنوعيها العضوية والغريزية، او بتوفير الاسباب المحققة لهذا الاشباع، ومن هنا كانت ترى السعادة في المتع الجسدية.

      س- اذا كانت العملية الجنسية تحقق اشباع غريزة النوع، فكيف تراها الحضارتان الاسلامية والغربية؟

      ج- ان اشباع الغريزة يحقق المتعة في نظر الحضارتين. ولكنه يعتبر هو الاحساس المادي المحقق للسعادة في هذا العمل في نظر الحضارة الغربية التي تقف في مفهومها للسعادة عند هذا الاشباع. وأما في نظر الحضارة الاسلامية فهو يتصور لغيره، ألا وهو قصد الذرية وحصانة الفرج ابتغاء مرضاة الله. وعندما تمتزج الروح بالعمل المادي ويحصل السعي لنيل رضوان الله تتحقق الطمأنينة النفسية والجسدية. وهكذا في كل عمل من اعمال اشباع الغرائز او الاعضاء الجسمية.



      س- ماذا يقصد بالملابس كأشكال مدنية قد يحصل فيها التناقض بين الحضارة الاسلامية والغربية؟

      ج- يظهر ذلك من ملابس المناسبات عندهم، فانهم كرجال او كنساء يتخذون ملابس معينة بأشكال معينة وحتى ألوان معينة للمناسبات المختلفة. فيظهر هنا التبذّل اكثر من هناك، ويظهر الضيق والاتساع هنا اكثر من هناك، ويظهر التنوع في الالوان هنا اكثر من هناك، والكل مرتبط بنوعية المناسبة هنا وهناك، سواء كانت مناسبة دينية او لفرح او لحزن … وهي كلها متأثرة بوجهة نظرهم في الحياة مما يجعلها تناقض مفهوم الاسلام في هذا المقام او ذاك.



      س- ولكن كيف ترتبط الملابس في الغرب بحاجة معينة او زينة خاصة ولا تناقض الاسلام؟

      ج- اذا كانت الحاجة المعينة او الزينة الخاصة مما يقرّها الاسلام كاللباس المعين للطيران او العمل في مصنع معين، او كالزينة في مناسبة العيد او العرس او التعزية فان ذلك لا يتناقض مع الاسلام وحضارته، أي ما دامت الحاجة او الزينة مما يقرّه الشرع.



      س- كيف تخالف الحضارة الغربية فطرة الانسان؟

      ج- من كونها تفصل الدين عن الحياة كأساس تقوم عليه، مما يجعلها تتنكر لفطرة الانسان المشتملة على غريزة التدين وحاجة هذه الغريزة للتنظيم الربّاني.



      س- لماذا تقصر المقارنة بين الحضارتين الاسلامية والغربية، دون الاشتراكية؟

      ج- لأن الحضارة الاسلامية هي الوحيدة التي تنفرد عنهما في اساسها الروحي، ومزجها بين المادة والروح في تصوير الحياة، ومفهومها الخاص للسعادة. بينما يلتقيان في الأساس من كون الغربية تهمل الدين بينما الاشتراكية تنكره، وفي تصوير الحياة بالنفعية والمادية للفرد والمجتمع، وفي مفهوم السعادة من كونها لا تتصل بالسعي لنيل رضوان الله في شيء وإنما لاشباع حاجات فردية او جماعية. فكلاهما يسبح في مستنقع شهوات الجسد ورغباته الدنيوية سواء على مستوى الفرد او المجتمع. بينما يستقل الاسلام بنظرة حضارته عبر الدنيا ومتعها الطيبة الى الآخرة ونعيمها المقيم.

    15. #30
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني







      الندوة الثالثة

      نظام الاسلام



      العرض:

      لقد تعوّدنا على تكرار عبارة أن الاسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن دون إدراك دقيق لمعناها. فعندما نقول ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان، لا شك أننا نقصد صلاحيته للانسان بغض النظر عن الزمان الذي يعيش فيه او المكان الذي يعيش عليه. وهذا يعني ان في الاسلام قدرة على ان يرعى شؤون الانسان كلها بشكل سليم أينما وجد ومتى وجد.

      واذا كان من البدهي القول ان الاسلام هو الدين الذي أنزله الله سبحانه على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فما هي القدرة المتوفرة فيه لرعاية شؤون الانسان؟



      والجواب على هذا السؤال يأتي من النظرة الصحيحة الشاملة لما جاء به الاسلام، لنجد انه يشتمل على العقائد والعبادات، وهذه تنظم علاقة الانسان بخالقه، ويشتمل على الاخلاق والمطعومات والملبوسات، وهذه تنظم علاقة الانسان بنفسه، ويشتمل على المعاملات والعقوبات، وهذه تنظم علاقة الانسان بغيره من بني البشر.

      ولما كان لا يوجد للانسان علاقة رابعة غير هذه العلاقات الثلاث، فيكون الاسلام قادراً على رعاية شؤون الانسان جميعها. وفي ذلك وضوح، وأي وضوح، بأنه ليس ديناً لاهوتياً او كهنوتياً، او له اية صلة بالأتوقراطية، كما يسمونه، أي الاستبداد الديني. إذ لا يوجد فيه فئة يطلق عليها رجال الدين وفئة اخرى تسمى رجال الدنيا، بل الكل مسلمون متساوون أمام الاسلام، أي انه لا يوجد فيه حسب التسميات الاخرى رجال روحيون وآخرون زمنيون.

      ولكن هل يعني هذا ان الاسلام لا وجود للروح والروحانيات في اعتباره ؟

      لا. لأن هذا لا صلة له بالروح والروحانيات التي يرونها في تكريس الحياة للعبادة والإنصراف عن الحياة وشؤونها الاخرى. ومن ناحية اخرى فان الاسلام يرى ان الناحية الروحية موجودة في كل الوجود، من كون وانسان وحياة. وذلك لكونها من مخلوقات الله، وهذه الصلة التي تربطها بالله من كونها مخلوقة له سبحانه هي الناحية الروحية فيها. فلا يوجد انسان او حيوان او جماد او سائل او غاز من الأحياء والجمادات او غيرها إلا و فيه الناحية الروحية من كونه مخلوق لله الخالق. وهذه هي عقيدة الاسلام. واما الروح في اي كائن او عمل فهي شيء آخر غير الناحية الروحية. إذ هي إدراك الناحية الروحية، أي إدراك أن كل شيء مخلوق لخالق. وتبعاً لهذا الادراك يجري تدبير هذا الشيء وفقاً لما يراه الخالق من أوامر ونواهي. وكذلك إدراك ان كل عمل يصدر عن هذا المخلوق يجب ان يدبر وينظم بما يراه الخالق من تدبير وتنظيم. وأما مزج المادة ، أي الشيء، بالروح، أي العمل، فيعني ان يُسيّر الشيء او العمل بأوامر الله ونواهيه، بحيث اذا لم يُسيَّر اي عمل او يُدبَّر اي شيء بهذه الأوامر والنواهي فانه يكون خال من الروح.

      وهكذا تظهر النظرة المستنيرة للوجود بأنه مخلوق لخالق هو الله تعالى، وأن هذه الصلة هي الناحية الروحية في الوجود، وأن إدراك هذه الصلة من قبل اي انسان هي الروح، وهذه الروح لا تظهر في الانسان الا عند قيامه بالفعل المتصل بالشيء، وذلك من خلال تسيير الفعل بأوامر الله ونواهيه. بحيث اذا لم يضبطه بهذا الضابط فان الفعل يبقى مادة لا روح فيها، واذا سيّره وضبطه يكون قد مزج بين المادة والروح.

      وهذا يظهر الفرق بين المسلم والكافر. إذ المسلم يمزج المادة بالروح في كل افعاله ما دام يسيّرها بالحلال والحرام. والكافر تبقى اعماله مادية لا روح فيها لأنه يسيّرها بالنفعية او المادية، لا بالحلال والحرام حتى لو سيّرها بأحكام الاسلام ما دام لم يأخذها ايماناً بها وبأنها التدبير الرباني الواجب الإلتـزام.



      هذه هي نظرة الاسلام المستنيرة للأشياء والأعمال في هذا الوجود. فهل هي نفسها لدى الأديان الاخرى؟



      لقد رأت بعض الأديان وهي تنظر للوجود أن في الكون محسوساً ومغيَّباً، وأن في الانسان سموّاً روحياً ونزعة جسدية، وأن في الحياة ناحية مادية وناحية روحية. ورأت ان المحسوس يتعارض مع المغيّب، وأن السمو الروحي لا يلتقي مع النزعة الجسدية، وأن المادة منفصلة عن الروح. ونتيجة لذلك رأت أن من يريد الآخرة ونعيمها، فعليه ان يرجّح الناحية الروحية، ومن يريد الدنيا ومتاعها فعليه بترجيحها. وهكذا نشأت السلطة الروحية في المسيحية منفصلة عن السلطة الزمنية. وهم يستشهدون في ذلك بدليل من الإنجيل "إعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وجعلوا رجال الدين هم رجال السلطة الروحية، ورجال الدنيا هم رجال السلطة الزمنية، بالرغم من ان رجال الدين كانوا يحاولون جعل السلطة الزمنية في أيديهم بحجة أنهم وحدهم يمكنهم ان يرجّحوا السلطة الروحية عليها في الحياة. وانتهى النـزاع الذي نشب عندهم بين السلطتين الى جعل كل فئة تستقل بسلطتها دون تدخّل بالاخرى. مما فرض فصل الدين عن الحياة، لأنه دين كهنوتي. ومما جعل هذا الفصل يصبح عقيدة المبدأ الرأسمالي واساس الحضارة الغربية والفكر القيادي الذي حمله الاستعمار الغربي للعالم أجمع والذي به أخذ يزعزع عقيدة المسلمين بالاسلام من أنه دين كالمسيحية، وأنه يجب فصله عن الحياة وعن الدولة وعن السياسة. مما أوقع بعض المسلمين في براثنهم، وجعلهم يعملون معهم ضد دينهم وأمتهم بحسن نيّة او بسوئها … فكيف ينظر الاسلام الى ذلك؟؟؟



      لقد رأى الاسلام ان كل شيء مدرَك حسياً هو مادة، وأن الناحية الروحية فيه هي كونه مخلوقاً لله تعالى، وأن الروح هي ادراك تلك الصلة. وهذا يعني انه لا يوجد ناحية روحية منفصلة عن المادة وعن الناحية المادية. هذا في الاشياء، واما في الانسان فلا يوجد سمو روحي منفصل عن النزعات الجسدية. وإنما الموجود فيه غرائز وحاجات عضوية لا بد من إشباعها، ومنها غريزة التدين الظاهرة في الانسان من حاجته للخالق المدبر. وهذا الاشباع للغريزة إما أن يُسيّر بنظام الله وتدبيره بناءا على ادراك صلته به تعالى، وعندها يكون مسيّراً بالروح، وإما ان يُسيّر بدون نظام او بنظام من عند غير الله، فيكون اشباعا ماديا بحتا ولا علاقة له بالروح. وكذلك منها غريزة النوع، والتي إما أن يشبعها بالزواج حسب تدبير الله ونظامه فتكون مسيّرة بالروح، وإما أن يشبعها بغير ذلك، وعندها تكون عملية مادية بحتة ولا روح فيها. وكذلك الحال بالنسبة لغريزة البقاء وإشباعها.

      هذا بالنسبة لما في الانسان. وأما بالنسبة لأعمال الانسان في علاقاته بغيره من الاشياء والناس، فانه كذلك: إما أن يسيّر افعاله بالروح عندما يضبطها بأحكام الاسلام، أو يبقيها في الإسار المادي البحت عندما يسيّرها بغير الاسلام. فكل عمل في ذاته يبقى عملاً مادياً، ولكنه يسيّر بأحكام الاسلام فيمتزج بالروح، او بغير أحكام الاسلام من مادية او نفعية فيبقى مادياً ليس غير. فالقتل، مثلاً، يكون ممزوجاً بالروح عندما يكون جهاداً او قصاصاً، ويكون جريمة مادية عندما لا يكون كذلك.



      وخلاصة القول أنه لا يجوز فصل المادة عن الروح، وفصل الحياة عن الدين، وفصل الدين عن الدولة وعن السياسة. كما لا يجوز وجود سلطتين في الأمة والفصل بينهما. ويلغى كل ما يشير الى ذلك من مظاهر ومؤسسات. ويبقى سلطان الاسلام واحداً ومسؤولية المسلمين جميعاً عنه واحدة.

      فالاسلام، عندما نقول عنه انه عقيدة ونظام، فاننا نؤكد حقيقته التي لا تغيب عن بال كل مسلم صباح مساء من أن عقيدته هي الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، وأن هذه العقيدة قد بنيت على العقل فيما يدركه العقل، كالايمان بالله وبنبوة محمد عليه السلام وبالقرآن الكريم، وبنيت على التسليم فيما يدرك مصدرَه العقل بشرط ان يكون هذا المصدر إما القرآن الكريم او السنّة المتواترة. وتشمل العقيدة في ذلك المغيبات كيوم القيامة والملائكة والجنة والنار الواردة بشكل قطعي في القرآن الكريم.

      كما تؤكد النظم التي يشتمل عليها تنظيم شؤون الانسان في جميع جوانب حياته والتي جاءت بشكل عام وبمعانٍ عامةٍ، وتُرك للمجتهدين استنباط التفصيلات عند التطبيقات من تلك المعاني. ذلك أن للاسلام طريقة واحدة لحل المشاكل، ألا وهي فهم المشكلة الواحدة، ثم دراسة جميع النصوص الشرعية المتصلة بها، ثم استنباط الحل من تلك النصوص. وهذا الحل هو الحكم الشرعي لهذه المسألة.

      والنقطة الأساسية عند النظر في اية مشكلة هي في نظر الاسلام اليها كمشكلة انسانية. أي مشكلة تحتاج الى حكم شرعي لمعالجتها، بغض النظر عن كونها اقتصادية او اجتماعية او عسكرية او غير ذلك. وبهذا تكون نظرة الاسلام نظرة انسانية.


    صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •