• 0
  • مالي خلق
  • أتهاوش
  • متضايق
  • مريض
  • مستانس
  • مستغرب
  • مشتط
  • أسولف
  • مغرم
  • معصب
  • منحرج
  • آكل
  • ابكي
  • ارقص
  • اصلي
  • استهبل
  • اضحك
  • اضحك  2
  • تعجبني
  • بضبطلك
  • رايق
  • زعلان
  • عبقري
  • نايم
  • طبيعي
  • كشخة
  • صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
    النتائج 31 إلى 39 من 39

    الموضوع: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

    1. #31
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      المناقشة:



      س- أين الروح والناحية الروحية في نظرة المسلم لمادة كالماء مثلاً؟

      ج- الناحية الروحية في الماء هي كونه مخلوقاً لخالق هو الله تعالى في نظر المسلم، وهذا الجزء في عقيدته العامة في ان كل الاشياء مخلوقة له سبحانه. وأما الروح في اعمال المسلم عند استخدام الماء، إذ يشربه بدلا من الخمر طاعةً لله، ويتطهر به بدلا من النجاسات إرضاءاً لله، ويحافظ عليه ويقتصد في استهلاكه تقرباً من الله. فهذه الاعمال يضبطها عند استخدامه للماء بأوامر الله ونواهيه فيمزج بين المادة والروح.



      س- هل الروح خاصة بالاعمال، والناحية الروحية بالاشياء؟

      ج- نعم، لتلازمها المباشر معها. لأن الروح هي إدراك الصلة بين الخالق والمخلوق، وهذا عمل. والناحية الروحية هي وجود هذه الصلة بين الخالق والمخلوق في نظر المسلم. وأما المزج بين المادة والروح فهو في العمل نفسه عند القيام به وذلك بتسييره بأمر الله ونهيه.



      س- ولكن ألا يمكن القول بان في كل شيء روحاً وناحية روحية؟

      ج- اذا كنا نقصد الروح بمعنى سر الحياة، فهي لا توجد الا في المخلوقات الحية. وأما اذا كنا نقصد ما يتصل بصلة هذا الشيء بالخالق، فهذه هي الناحية الروحية فيه. وأما بالنسبة للروح في الاشياء، فانها لا توجد في الشيء بذاته بل هي صفة في الانسان تتوفر للمسلم فقط عندما يدرك تلك الصلة بين الشيء وخالقه من كونه مخلوقاً له. فالروح اذن ليست في الشيء بذاته وإنما هي في خارجه.



      س- هل الروح والناحية الروحية من خصوصيات المسلم دون غيره؟

      ج- كل انسان يؤمن ان الشيء الواحد مخلوق لله تعالى يكون كالمسلم سواءا بسواء ما دام يعتقد ان الله تعالى هو خالق هذا الشيء ولا شريك له، وذلك من باب ان هذا الشيء جزء من الكون والوجود كله. وهو بذلك كالمسلم تتوفر عنده الروح في ادراكه لصلة المخلوقات بالخالق، وتتوفر عنده الناحية الروحية في الاشياء كمخلوقات للخالق.



      س- وماذا يميز المسلم عن غيره اذن في ذلك؟

      ج- يتميز المسلم عن غيره في التزامه بالاحكام الاسلامية في كل اعماله على اساس انها اوامر الله ونواهيه الواجبة الالتزام لتدبير هذا الشأن وتسيير هذا العمل، وليس على اساس انها نظام صالح لهذا الشأن وهذا العمل. فهو يقوم بالالتزام طاعةً لله وليس انتفاعاً بالنظام فقط.



      س- واين المزج بين المادة والروح في الزواج مثلاً؟

      ج- عندما يتم الزواج على اساس احكام الاسلام فانه يتحقق فيه المزج بين المادة والروح. وذلك لأن الزواج كعمل يعتبر مادة، وكونه أُنجز بناءا على ووفقاً للأحكام الشرعية، فحقق اشباع غريزة النوع، والاشباع ايضاً مادة، فقد تحققت مادة الاشباع بإدراك صلة الانسان بالخالق المدبر والمنظم لهذا الاشباع، اي مزجت المادة بالروح.



      س- وأين المزج بين المادة والروح في الصلاة ايضاً؟

      ج- الصلاة في ذاتها عمل، فهي مادة. واشباع غريزة التدين في الانسان في ذاته هو عمل، فهو مادة. وادراك ان هذا الاشباع لا يجوز ان يكون إلا وفقاً لأوامر الله ونواهيه هو الروح. فكان القيام بالصلاة لتحقيق اشباع غريزة التدين وفقاً لأوامر الله ونواهيه هو مزج المادة بالروح.



      س- ولكن هذا ليس من خصوصيات المسلم، فكل مصلٍّ، وعلى اي دين، يمكنه ان يمزج بين المادة والروح، أليس كذلك؟

      ج- نعم، هذا صحيح. ولكنه مزج خاطئ لأنه مبني على ادراك خاطئ للصلة ولو من حيث احد طرفيها. أي ادراك ان الخالق هو الخالق اي خالق، او الموهوم بأنه خالق، ودون تحديد انه المدبر ولا مدبر غيره.



      س- كيف يكون القتل عملا تمتزج فيه المادة بالروح او يكون مادة فقط؟

      ج- القتل كقتل هو عمل، فهو مادة. وعندما يتم بقتل كافر مقاتل في الجهاد فانه سُيّر بأمر الله وكان طاعةً لله وكان بالتالي ممتزجاً بالروح. وعندما يتم دون ذلك، كالقتل شهرةً او لمال، فانه يخلو من ادراك الصلة بالله في القيام بالجهاد فيخلو من الروح ويبقى مادةً ليس غير.



      س- كيف تلغى السلطتان الزمنية والروحية وتستبدلان بالواحدة الشرعية؟

      ج- بإلغاء المحاكم النظامية والمحاكم الشرعية وتوحيد المحاكم كلها بتطبيق الاحكام الشرعية في ذلك.



      س- ما معنى وحدة سلطان الاسلام؟

      ج- أن لا يشارك الأحكام الشرعية في تنظيم حياة المسلمين اي نظام من غير أحكام الاسلام.



      س- ما معنى الحكم الاتوقراطي؟

      ج- هذه الكلمة ليست عربية، وتعني الاستبداد الديني. اي ان الحكم يتولاه رجال الدين كما كان في العصور الوسطى، بحيث لا يسمحون لأي رأي او مشورة من غيرهم، بحجة أنهم يحكمون بالدين نيابة عن الله، ولا يجوز لأحد من الرعية ان يناقشهم ليردّ حكماً من أحكامهم.



      س- ما معنى ان الاسلام ليس ديناً لاهوتياً؟

      ج- اي انه لا يستند في أحكامه الى رجال دين يزعمون – كما كان في المسيحية – لأنفسهم النيابة عن الله في الارض، بحيث لا يملك ان يردّ حكمهم الالهي المزعوم أحد.



      س- وما معنى ان الاسلام ليس ديناً كهنوتياً؟

      ج- اي انه لا يستند لا في استنباطه أحكامه من النصوص الشرعية ولا في تطبيقها على المسائل المتجددة الى رجال لا يسمح لغيرهم بمناقشتهم او الاعتراض على أفهامهم كالكهان في المسيحية.



      س- كيف استطاع فكر الرأسمالية زعزعة الفكر الاسلامي؟

      ج- من خلال القياس الشمولي الخاطئ عندما تسرب معتقد الرأسمالية بفصل الدين عن الحياة وعن الدولة وعن السياسة الى المسلمين، بعد ان ضعف فهم الاسلام وسهل تصور أن الاسلام كدين يمكن ان ينطبق عليه ما رآه الغرب في المسيحية وفصلها عن الحياة والدولة والسياسة.



      س- ألا توجد لدى الانسان مادة وروح وبالتالي نزعات جسدية وسمو روحي؟

      ج- يوجد لدى الانسان روح بمعنى سر الحياة. وهي لا يعرف كنهها أحد. ولا علاقة لها بالسمو او الهبوط وإنما بالحياة والموت، فاذا كانت موجودة في جسده فهو حي واذا فارقته فقد مات. وأما السمو الروحي فعلاقته بغريزة التدين لدى الانسان، فكلما ضاعف من تقوية صلته بالله بالعبادات الكثيرة والقربات العديدة كلما ظهر عليه المزيد من السمو الروحي. ولذلك نجد هذا السمو يرتبط باشباع غريزة التدين اكثر فأكثر،اي يرتبط بما في الجسد من غرائز وإشباعها، كما يرتبط الزواج بغريزة النوع، او بما في الجسد من حاجات عضوية كالمعدة وإشباعها بنوعية معينة من الطعام والشراب.



      س- ما علاقة اشباع المعدة بالسمو الروحي؟

      ج- المعدة عضو من اعضاء الجسد لا بد من اشباعه، وإلا تعرض الجسم للهلاك. وغريزة التدين طاقة من طاقات الجسد الحيوية يشقى الانسان اذا لم يشبعها، ولكنه لا يهلك كما في حالة المعدة. فالمعدة واشباعها ترتبطان بالحاجات العضوية، والغريزة واشباعها ترتبطان بالغرائز. ولا علاقة لإحداهما بالاخرى الا في كون كل منهما جانب من الانسان يحتاج الى اشباع، والاشباع الى تنظيم، وإلا تعرض الجسم للهلاك او الشقاء.



      س- ماذا يعتبر من يرى الخالق خالقاً فقط دون تدبير لخلقه؟

      ج- يعتبر من الناحية العقائدية كافراً بتدبير وتشريع الخالق لمخلوقاته،ومن ناحية مفهوم الروح ومزجها بالمادة يعتبر ممن يرون فصل الدين عن الحياة وعن الدولة والسياسة لأنه يرى فصل المادة عن الروح، إذ رأى الخالق مجرد خالق للمادة، ولم يدرك صلة الخالق سبحانه بالمادة كمدبر ومنظم لها.



      س- كيف اجتمع التسليم مع العقل في بناء العقيدة الاسلامية الاساسي؟

      ج- يكون التسليم مرتبطاً بالمصدر الذي اقتنع به العقل، أي بالقرآن والحديث المتواتر. فكل مغيّب عن العقل من جنة ونار وملائكة وغيرها يسلّم به المسلم اذا ورد في القرآن الكريم او الحديث المتواتر، وكلاهما ثابت بالعقل، فبذلك يلتقي التسليم بالعقل.



      س- ولماذا فقط الحديث المتواتر، وليس كل الاحاديث النبوية؟

      ج- لأن العقيدة لا تؤخذ ولا تبنى على الظن، وإنما من وعلى اليقين. والحديث المتواتر هو وحده من بين الاحاديث اليقيني من حيث ثبوته. فلا تؤخذ الا منه ولا تبنى الا عليه.



      س- هل كل المعاني الواردة في القرآن والسنّة عامة وخالية من التفصيلات؟

      ج- لا، ليس كلها عامة. بل منها المفصّل كمعاني المواريث، ومنها المجمل كالبيوع وغيرها. فالأكثر الأغلب عموم المعاني، ولا سيما فيما يتعلق بالصلات المتنامية بين البشر. وأما الصلات المحددة الثابتة كالمواريث والعبادات، فمن النادر ان تجد بينها ما يحمل معنى عاماً في الكتاب والسنّة معاً، إذ نجد السنّة تفصّل ما ورد عاماً في الكتاب.



      س- هل طريقة الاسلام في استنباط الحلول للمشاكل المستجدة خاصة به من دون غيره من المبادئ؟

      ج- نعم، هي طريقة خاصة به، لأن غيره من الاشتراكية والرأسمالية يستندان الى طرق عديدة وليس الى طريقة واحدة. فلدى كل منهما من الطرق بعدد تعدد وجهات النظر الكثيرة فيهما من قطر الى آخر، بل وفي القطر الواحد من اقطار العالم.



      س- ماذا يعني ان الاسلام يحل المشكلة كمشكلة انسانية مهما كان نوعها؟

      ج- هذا يعني انه لا ينظر الى نوعية المشكلة عندما يقدم الحل لها. وإنما ينظر اليها كمشكلة للانسان ولا بد من معالجتها. أي لا يفصل بينها في واقعها ونوعيتها وبين الانسان الذي يعاني منها. فلا يتصدى لحل مشكلة اقتصادية دون مراعاة كونها انسانية ولا لحل مشكلة اجتماعية دون مراعاة الانسان الذي يعاني منها. فتأتي الحلول متكاملة للانسان كإنسان، لتحقق طمأنينته وسعادته.

    2. #32
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني


      الندوة الرابعة

      الحكم الشرعي وأنواعه



      العرض:

      إن أي حكم مهما كان مصدره يتعلق بفعل من أفعال الناس. أي لا يصدر الا لمعالجة مسألة او مشكلة انسانية. والحكم إما أن يصدر من الانسان بعقله وتدبيره ودون اعتماد على أي مرجع آخر غير التشريعات التي وضعها البشر، فيكون حكماً وضعياً. وإما ان يصدر باجتهاد الانسان معتمداً على نصوص شرعية يرجع اليها للاستنباط منها كالقرآن الكريم والسنّة المطهّرة، فيكون حكماً شرعياً.

      فالحكم الشرعي إذن هو في تعريفه: خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد. أي هو طلب الله سبحانه من عباده المتعلق بأفعالهم وتنظيمها وضبطها وتسييرها، بحيث اذا لم يتعلق بالافعال – كالعقائد - فانه لا يسمى حكماً شرعياً وإنما عقيدة. ومعنى أن يتعلق بالفعل هو أن يطلب من الانسان أن يعمل او لا يعمل. كأن يطلب منه ان يسعى للرزق ولا يقعد عنه، وكأن يطلب منه ان يكون رزقه حلالاً لا حراماً. وأما أن يطلب من الانسان أن يؤمن بكذا ولا يؤمن بكذا، فهذا ليس من الأحكام الشرعية، وإنما من المطلوبات الايمانية.

      هذا من حيث تعريف الحكم الشرعي وواقعه. وأما من حيث ثبوته ووجوده من جهة ودلالته من جهة اخرى، فانه إما ان يكون ثابتاً في وجوده ثبوتاً قطعياً، كأن يرد في القرآن الكريم او الحديث المتواتر، كركعات فروض الصلاة كلها التي وردت في الحديث المتواتر. وإما ان يكون ثابتاً ثبوتاً ظنياً، كأحكام الاحاديث غير المتواترة.

      فالقرآن الكريم والحديث المتواتر قطعية الثبوت. ونصوصها إما ان تكون قطعية الدلالة، اي تدل على شيء واحد متعيّن لا غير، كما هو الحال في ركعات فروض الصلاة كما أشرنا آنفاً. وإما ان تكون ظنية الدلالة، أي يكون الحكم الذي تضمنه النص الثابت القطعي ظنياً، لأن النص يحتمله كما يحتمل غيره، مثل آية الجزية. فانها من حيث الثبوت قطعية لورودها في القرآن الكريم، ولكنها من حيث الدلالة ظنية، لأنها تحتمل أن تسمى جزية كما يرى المذهب الحنفي إذ يشترط ان يظهر الذل عند معطيها حين إعطائها كجزية، بينما يرى المذهب الشافعي ان تسمى زكاة مضاعفة ولا يشترط إظهار الذل وإنما يكتفى بان يظهر الخضوع لأحكام الاسلام عند إعطائها.

      وإما إن كان خطاب الشارع ظني الثبوت، كما هو الحال في الحديث غير المتواتر، فان الحكم الوارد في هذا النص لا يكون قطعياً في ثبوته بل ظنياً، سواء كانت دلالته قطعية، كم هو الحال في صيام ستة ايام من شوال، او كانت دلالته ظنية، كما هو الحال في منع إجارة الارض للزراعة.



      والسؤال الآن هو: كيف يؤخذ الحكم الشرعي من خطاب الشارع اي من النص الشرعي؟؟

      والجواب على ذلك: بالاجتهاد الصحيح. أي ببذل المجتهد وُسْعَه في استنباط الحكم من النص. فيظهر له بذلك الحكم الشرعي، أي حكم الله في حقه، ما دام قد بذل كل جهده في ذلك، وتوصل الى الحكم الذي غلب على ظنه.

      والمجتهد لا يكون مجتهداً الا اذا حصلت له أهلية الاجتهاد بشكل تام في المسألة او المسائل التي يريد الاجتهاد فيها. وهذه الأهلية لا تتحقق الا اذا كان على علم بجميع العلوم المعتبرة واللازمة للمجتهد، من علوم القرآن والسنّة واللغة العربية.

      ولكن لمّا كان من المستحيل ان تتحقق أهلية الاجتهاد لعموم المكلفين، فانهم لا بد أن ينقسموا الى قسمين:



      أحدهما: المؤهل للاجتهاد: والذي اذا اجتهد في مسألة من المسائل يتوصل الى الحكم فيها. وهذا قد اتفق جميع الفقهاء على انه لا يجوز له ان يقلّد غيره من المجتهدين في هذه المسألة ويترك ما توصل اليه اجتهاده من حكم. اللهم الا في حالة واحدة ألا وهي عندما يتبنى خليفة المسلمين حكماً شرعياً آخر غير ما توصل هو اليه، فانه في هذه الحالة يجب عليه ان يعمل بما أمر به الخليفة ويترك العمل بما توصل اليه هو، لأن أمر الخليفة يرفع الخلاف بين المجتهدين. فيلزمون بالعمل بما رآه وتبنّاه في هذه المسألة، ويتركون ما يرونه من أحكام أخرى.

      هذا بالطبع اذا اجتهد المجتهد وتوصل الى حكم في المسألة. وأما اذا لم يجتهد فيجوز له ان يقلّد غيره من المجتهدين. وهذا ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم عندما كانوا يرون انه يجوز للمجتهد ان يترك اجتهاده ويتخلى عن بذل الجهد لاستنباط الاحكام ويقلّد غيره من المجتهدين.



      وثانيهما: غير المؤهل للاجتهاد، وهو المقلّد. والمقلد نوعان: الأول: المقلد المتّبع، وهو الذي تنقصه بعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد لا كلها. كأن يكون بحاجة لعلوم الحديث او بعضها، او لعلوم القرآن او بعضها، او لعلوم اللغة العربية او بعضها. وهذا المقلد المتبع له ان يقلد المجتهد بشرط ان يعرف دليله، فيكون حكم الله في حقه هو قول المجتهد الذي إتّبعه. والثاني: هو المقلد العامي: وهو الذي تنقصه كل العلوم المعتبرة في الاجتهاد من علوم القرآن والحديث واللغة العربية. وهذا المقلد العامي له ان يقلد المجتهد دون ان يعرف دليله الذي استند اليه في استنباطه للحكم. وهو لعدم معرفته بالعلوم الشرعية ملزم بتقليد المجتهدين والأخذ بما توصلوا اليه من احكام. فيكون حكم الله في حقه هو الحكم الذي استنبطه المجتهد الذي قلّده.



      والسؤال الآن هو: هل للمقلد المتّبع او العامي ان يتنقل في تقليده للمجتهدين كما يرى، سواء في المسألة الواحدة او المسائل المتعددة؟؟

      والجواب على ذلك في غاية الأهمية، ولا سيما ان المقلدين يبقون دائماً هم أكثرية المسلمين. وبيان ذلك ان المقلد اذا قلد احد المجتهدين في حكم مسألة من المسائل، وعمل بقوله فيها، فانه لا يجوز له الرجوع عن هذا الحكم وتركه ليعمل بغيره. وأما أن يقلد مجتهداً آخر وفي حكم آخر فانه يجوز. وذلك بدليل إجماع الصحابة على جواز ان يستفتي المقلد كل عالِم في المسائل الاخرى. وأما اذا التزم مقلد مذهباً معيناً فهو ملزم بالتقليد الذي عمل به في اي مسألة من مسائل هذا المذهب، وأما غيرها من المسائل التي لم يعمل بها فيجوز اتباع غيره فيها.

      هذا بالنسبة لتنقل المقلد ما دام في نفس الدرجة من التقليد، عامياً كان او متّبعاً. وأما اذا انتقل من درجة أدنى الى درجة أعلى، أي من العامي الى المتّبع، فيجوز له ان يترك تقليده لحكم او لمذهب اذا انتقل من تقليد العامي الى تقليد المتّبع، أي اذا عرف دليل حكم آخر او أدلّة مذهب آخر.

      وأما بالنسبة للمجتهد فيجوز له ان يترك ما توصل اليه اجتهاده في حكم مسألة معينة ويقلد غيره فيها، ما دام ذلك لجمع المسلمين على رأي واحد، كما حصل مع عثمان رضي الله عنه عند بيعته. فقد قبل ان يتنازل عن اجتهاده لاجتهاد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من قبْله جمْعاً لكلمة المسلمين. ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة.



      هذا هو الحكم الشرعي، وكيفية الإلتـزام به، فما هي انواعه؟؟

      إن انواع الحكم الشرعي خمسة هي: الفرض، والحرام، والمندوب، والمكروه، والمباح. ذلك أن خطاب الشارع إما ان يكون لطلب الفعل او لطلب الترك، او للتخيير بينهما. فإن كان طلباً للفعل، إما أن يكون جازماً، وهو الفرض والواجب، وهما بمعنى واحد. أو يكون غير جازم، وهو المندوب والنافلة، وهما بمعنى واحد. وأما عندما يكون طلباً للترك، فهو إما أن يكون جازماً، وهو الحرام والمحظور، وهما بمعنى واحد. او يكون غير جازم، وهو المكروه. وأما عندما يكون للتخيير بين الفعل والترك، فهو المباح.



      فماذا يترتب على الاتصال بكل حكم من هذه الأحكام؟؟

      والجواب ان كل من يقوم بواجب او فرض فهو موضع مدح، وكل من لا يقوم بذلك فهو موضع ذمّ. وأن كل من يتجنب الحرام والمحظور فهو موضع مدح، وكل من لا يتجنب ذلك، فهو موضع ذمّ. وأن كل من يقوم بالمندوب والنافلة فهو موضع مدح، بينما من لا يقوم بذلك فهو ليس موضع ذمّ. وأن كل من يتجنب المكروه فهو موضع مدح، بينما من لا يتجنبه فهو ليس موضع ذم، إذ أن ترك المكروه أولى من فعله. وأما القيام بفعل المباح او تركه فهما سِيّان، ولا يوجد مدح ولا ذمّ على أي منهما.





      المناقشة:



      س- ألا يعتبر طلب الايمان فعلاً؟

      ج- لا، لا يعتبر فعلاً، وإنما هو في داخل الانسان. والفعل هو ما ظهر على الجوارح.



      س- لماذا يحصر الثبوت القطعي في القرآن والحديث المتواتر؟

      ج- لأنهما المتصفان فقط بالثبوت القطعي. أي انهما الثابت وجود كل منهما على أنهما منـزلان من الله تعالى كمصدرين للشريعة الاسلامية.



      س- ما معنى قطعي او ظنّي الدلالة؟

      ج- قطعي الدلالة تعني ان يدل النص على مدلوله فقط، وبشكل متعين لا شك فيه، كقوله تعالى "وأحل الله البيع وحرّم الربا". فالحكم قطعي الدلالة من تحليل البيع وتحريم الربا. وأما ظنّي الدلالة فتعني أن النص قد يدل على أكثر من مدلول بحيث يمكن أن يُصرف الى أي منهما بمرجِّحٍ ما، مثل قوله تعالى "فاذا فرغت فانصب، والى ربك فارغب"، فيمكن ان يدل على الفراغ من العبادة والنصب بعدها في الدعاء والرغبة الى الله، كما يمكن ان يدل على الفراغ من العمل والنصب بعده في العبادة والدعاء.



      س- كيف فهم الحنفية والشافعية بهذا الشكل المختلف آية الجزية؟

      ج- "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" الآية، إن هذا الجزء الأخير من آية الجزية هذه هو سبب الخلاف بين المذهبين. فقد رأى الحنفية الإبقاء على تسميتها بما سمّتها به الآية مع إظهار الذل والصغار كما يقول النص في منطوقه. ورأى الشافعية إمكانية تسميتها بالزكاة المضاعفة دون إظهار الذل لأن في دفعها ذاته ما يدل على الذل.



      س- لماذا لا يجوز للمقلد ان يتنقل في التقليد في المسألة الواحدة من عالم الى آخر ما دام في نفس الدرجة من التقليد؟

      ج- لأن الانتقال من تقليد عالم الى آخر في المسألة الواحدة إما أن يكون تقرباً من الله أكثر فأكثر، وهذا لا يتم الا بارتفاع مستوى التقليد من العامي الى المتّبع، أي من تقليد دون معرفة الدليل الى تقليد مع معرفة الدليل. او أن يكون استسهالاً وبحثاً عن اليُسر والتخفف، وهذا مسايرة لرغبة النفس وهواها، لا تقرّباً وحرصاً على طاعة الله.



      س- هل يجوز لمقلد على المذهب الحنفي ان يقلد على المذهب الشافعي وبالعكس؟

      ج- اذا كان المقلد عامياً او متّبعاً يجوز له ان يقلد عالماً واحداً او مذهباً واحداً في المسألة الواحدة، ويقلد غير هذا العالم او هذا المذهب في مسألة اخرى، بحيث نجده يقلد في المسائل المتعددة علماء متعددين او مذاهب متعددة.



      س- وهل يجوز ان يترك تقليد الشافعي في مسألة واحدة كنقض الوضوء بلمس المرأة الاجنبية ويأخذ بتقليد الحنفي في ذلك؟

      ج- لا يجوز ان يفعل المقلد ذلك ما دام مقلداً وفي نفس المستوى من التقليد. وأما لو كان مقلدا عامياً يقلد الشافعي في احكام الصلاة وشروطها وأركان وضوئها ونواقضه، ثم أراد ان يقلد أبا حنيفة لأنه لا ينتقض وضوءه عنده للمس المرأة الأجنبية، فانه يجوز له ان يفعل ذلك بشرط ان يطّلع على أدلة أبي حنيفة في مسألة الصلاة والوضوء لها. وعندها ينتفي كونه مقلداً عامياً في هذه المسألة ويصبح مقلداً متّبعاً. بمعنى أنه اصبح في مستوى افضل في علاقته بالاحكام الشرعية والعلم بها. والله تعالى يقول "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون".



      س- اذا كانت الاحكام الشرعية تتعلق بأفعال الناس، فبماذا تتعلق قصص الأمم السابقة الواردة في القرآن والسنّة؟

      ج- الاحكام الشرعية هي أوامر الله ونواهيه المتصلة بأفعال الناس. أي هي الأوامر الالهية للناس بأن يفعلوا كذا وكيت، وهي نواهي الله للناس بأن لا يفعلوا كذا وكيت. وأما القصص القرآني فانه للعبرة والعظة سواء للرسول او له ولأمته من بعده. هذا من حيث القصد من إيرادها في القرآن. اما من حيث ما يُلزمنا به القرآن في حق تلك القصص، فالمطلوب ان نؤمن بصدقها وحدوثها القطعي كقصص أوردها القرآن الكريم ووقعت بالفعل. ولذلك فان القرآن لا يطلب منا الا التصديق بها.



      س- ما الفرق بين الفرض والواجب في الاحكام الشرعية؟

      ج- إنهما لدى عموم الفقهاء بمعنى واحد، وإن كان ابو حنيفة يرى ان الفرض أقوى من الواجب. فيرى مثلاً ان سنّة الوتر في العشاء واجبة بينما يراها غيره سنّة مؤكدة بينما يرى كل منهم ان فرض العشاء فرض وليس بواجب.



      س- ما الفرق بين المندوب والنافلة؟

      ج- المندوب في الاحكام الشرعية هو الممدوح فاعله وغير المذموم تاركه. ففعله أوْلى من ترْكه. وهذا بعكس المكروه. وهو يتعلق بالمعاملات في حياة الناس. وأما النافلة فهي ما يقابل المندوب في العبادات. فيطلق على المندوب في العبادات نافلة، وفي المعاملات مندوباً.



      س- ما الفرق بين المحرم والمحظور؟

      ج- لا فرق بينهما، فهما بمعنى واحد.



      س- ما المقصود بالدليل السمعي في تعريف المباح بأنه ما دلّ عليه الدليل السمعي من طلب التخيير بين الفعل والترك؟

      ج- الأدلة على الاحكام الشرعية إما سمعية أي تناقلتها الأسماع من جيل الى جيل، فهي ما يطلق عليه المنقول. وإما عقلية أي استنبطتها العقول بالاجتهاد من النصوص، فهي المعقول.



      س- ما دام المباح ليس طلباً للفعل او للترك، لماذا ندخله في الاحكام الشرعية؟

      ج- لأنه طلب بالتخيير بين القيام بالفعل او ترك الفعل. فهو يدخل في الاحكام الشرعية ما دامت الاحكام تتعلق بأفعال العباد، وطلب التخيير بين الفعل وتركه يتعلق بالافعال وليس بغيرها.



      س- ما هو الأثر الذي يترتب على القيام بالاحكام الشرعية من مدح و ذمّ؟

      ج- صحيح ان جزاء من يمدح على القيام بالفعل او تركه هو الجنة في الآخرة، وأن جزاء من يذمّ على القيام بالفعل او تركه هو النار في الآخرة، ولكن عقاب من يُذمّ وثواب من يُمدح في الدنيا أهمّ عند اكثرية الناس من الآخرة وجنّتها ونارها. ذلك لأن حكم المحسوس أشدّ عندهم من المغيّب، وحكم القريب حسب تقديرهم أشدّ من البعيد.

      وصحيح ان عقاب الدنيا يزجر الآثم كما يزجر غيره، ويجبُّ عنه خطيئته ويطهّره من آثامه. ولكن ذلك لا ينال الاعتبار الاول في تقدير الناس في أكثريتهم كما يناله الخوف من إنزال العقاب عليه او الرغبة في الحصول على الجزاء الطيب لفعلهم.

      وعليه، لولا ذاك الجزاء بالجنة او النار في الآخرة للفئة القليلة المؤمنة، وهذا العقاب بالقصاص او الحدود او التعازير في الدنيا للأكثرية الضعيفة الايمان او الفاقدة له، لتراخى الناس في القيام بافعالهم على وجهها الشرعي ولضاعت أوامر الله ونواهيه.

    3. #33
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني







      الندوة الخامسة

      السنّة الشريفة وإلتـزامها



      العرض :

      إن للشريعة الاسلامية مصدران لا ثالث لهما، هما القرآن الكريم والسنّة المطهّرة. واذا كان القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى المنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فما هي السنّة؟

      السنّة لغةً هي الطريقة. فيقال: سنّة فلان في حياته أنه يبدأ يومه بكذا ثم يقضيه في كذا ثم ينهيه بكذا. فهذا يعني طريقته في حياته اليومية. ويقال: سنّة الله في خلقه ان الانسان يولد من أمه ليقضي فترة عمره ثم يموت. فهي طريقته تعالى فيهم. ففي اللغة، السنّة تعني الطريقة التي تُتّبع. وأما في الشرع: فلها أكثر من معنى، ويمكن تحديد المعنيين التاليين، وهما:

      الأول: بمعنى النافلة المنقولة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، كركعات السنن في مقابل الفروض او مقابل ركعات الفرض في كل الصلوات، فانها تسمى سنة مقابل للفرض. ولا بد هنا من التنبيه الى ان هذه التسمية لا تعني أنها من النبي عليه السلام، بينما الفرض من الله تعالى. وإنما هي مقابل الفرض لأن كلا من السنة والفرض، سواء في الصلاة او في غيرها، هي من الله تعالى، والرسول عليه السلام جاء مبلّغاً عن الله لكل من الأمرين، لأنه كما قال تعالى في كتابه الكريم "وما ينطق عن الهوى، إن هو الا وحيٌ يوحى".

      وما دامت السنّة مبلّغة عن الله، فلماذا أطلق عليها هذا الإسم؟ لأنها بلّغت للرسول عليه السلام ليس على سبيل الفرض وإنما على سبيل العبادة الزائدة على الفرض، فكانت زيادة عليه. وهذا معنى أنها نافلة وأن النافلة تقابل الفرض ولا تماثله في التزام الأمر. فالفرض نقل عن الرسول عليه السلام على أنه أمر ملزم بصورة دائمة فسمي فرضاً. والسنة نقلت عن الرسول عليه السلام على أنها نافلة زائدة على الفرض فكانت سنة. فمثلاً ركعتا الفجر فرضاً منقولة عن الرسول عليه السلام بطريق التواتر أنها أمر لا يتخلف عنه في صلاة الفجر مهما كانت الظروف. بينما ركعتا الفجر سنة منقولة عن الرسول عليه السلام بطريق التواتر ايضاً على أنهما نفلاً أي زائدةً على الفرض في صلاة الفجر بحيث يمكن ان يتخلف لأي ظرف من الظروف دون أن يذمّ المصلّي على ذلك، وإن كان الأوْلى به أن يؤديهما لينال المدح على ذلك.



      هذا بالنسبة للنقل عن الرسول عليه السلام للفرض والسنة في صلاة الفجر. اما من حيث مصدرهما فكلتاهما من الله تعالى. وليستا من شخص الرسول عليه السلام، إذ هو صلى الله عليه وسلم مبلّغٌ لهما وعلى هذين الوجهين. أي أن الفرض قد أمره به ربه ليبلّغه لعباده على انه فرض لازم للصلاة في كل الاحوال. وأما السنة فقد أمره بها ربه ليبلّغها لعباده على انها نافلة زائدة على الفرض في كل الاحوال.



      وهكذا يكون أمر الله تعالى في العبادات على نوعين: فرض ونافلة. بينما في غيرها: فرض ومندوب. وتكون النافلة هي نفس المندوب ، وسميت نافلة من باب صفتها في كل صلاة كزيادة على الفرض. وإلا فهي بمعنى المندوب في انواع الاحكام الشرعية سواءا بسواء.



      الثاني: بمعنى كل ما صدر عن الرسول عليه السلام من الأدلة الشرعية مما ليس قرآناً. وهذا يشمل جميع أقوال الرسول عليه السلام وأفعاله وتقاريره، أي كل ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من قول لم يرافقه فعل، وفعل لم يرافقه قول، وتقرير لأمر بسكوته عنه دون أن يرافق السكوت فعل او قول. واذا رافق احدهما الآخر، فتلك الأقوال والأفعال مثلاً معاً. والمهم أن تكون الأقوال في غير القرآن حتى تكون من السنة. وسيأتي لهذا مزيد من بيان في موضعه.



      هذا بالنسبة للسنة الشريفة ومعناها الشامل لأقوال الرسول عليه السلام وافعاله وتقاريره. فماذا بالنسبة لأفعال الرسول عليه السلام وهي على أشكال او انواع متعددة في حقنا: هل يلزمنا العمل بها والتأسّي بها والإقتداء بها بنفس المستوى، أم منها ما هو ملزم ومنها ما هو غير ملزم؟؟



      عند النظر في الافعال التي صدرت عنه صلى الله عليه وآله وسلم يظهر انها على قسمين:

      الاول: الاعمال الجبلّية، كالقيام اذا قعد، والقعود اذا قام، والأكل والشرب وغيرها. فهذه الافعال كلها لا خلاف بين الفقهاء على انها على الإباحة في حقه عليه السلام وفي حق أمته. وأنها بذلك لا تدخل في المندوب ولا في النافلة.



      والثاني: الأفعال غير الجبلّية، وهي على وضعين: (1) إما ان تكون مما ثبت انها من خواصّه التي لا يشترك فيها معه أحد، وذلك كاختصاصه عليه السلام في الوصال في الصوم، أي مواصلة الصوم، وذلك في الليل والنهار، وكالزيادة في النكاح على أربع نسوة. فان هذه الافعال الخاصة بالرسول عليه السلام لا يجوز لنا ان نشاركه فيها ولا يجوز الاقتداء او التأسي به فيها. لأنه ثبت بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أنها من خواصه وخصوصياته. (2) وإما أن تكون من غير خواصّه عليه السلام. وهي من عرف من افعاله على انه بيان لأمته، أي انها تعتبره دليلاً تستدل به على احكام المسائل في حياتها.



      فكيف يعرف فعله عليه السلام على أنه بيان لأمته؟

      يتحقق ذلك إما بصريح مقاله عليه السلام، كقوله صلى الله عليه وسلم "صلّوا كما رأيتموني أصلّي" و "خذوا عني مناسككم". فانه دلّ على أن فعله بيان لنا لنتّبعه.

      وكذلك قد يتحقق بقرائن الأحوال، وذلك مثل قطعه يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: "فاقطعوا أيديّهما".

      وما علينا في بيان الفعل، سواء بصريح القول او قرينة الحال، إلا أن نقتدي به فيه على حسب دلالة الدليل. فان دلّ الدليل على انه للوجوب، تأسّينا بفعله عليه السلام على انه واجب لازم القيام به. وإن دل الدليل على انه للندب او الاباحة تأسينا به على هذا الوجه او ذاك.



      ولكن هل البيان لأفعال الرسول عليه السلام بالقول الصريح او قرينة الحال يغطي جميع افعاله عليه السلام، أم ان هناك افعال اخرى لم يقترن بها ما يدل على انها للبيان لأمته؟



      نعم، هناك من افعاله عليه الصلاة والسلام ما لم يقترن بها ما يدل على انها للبيان لا نفياً ولا إثباتاً. وهي إما أن يظهر فيها قصد القربة من الله تعالى عند القيام بها، وإما أن لا يظهر فيه ذالك. فان كانت مما يظهر فيه قصد القربة كركعات سنة الضحى فهي تدخل في النافلة والمندوب مما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. وإن كانت مما لا يظهر فيه قصد القربة، كعدم أكله عليه السلام لحم الضبّ، فهي تدخل في المباح، أي ما لا يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها.





      المناقشة:



      س- أليس للشريعة الاسلامية غير مصدري القرآن والسنّة؟

      ج- لا. ليس لها غير هذين المصدرين للتشريع.



      س- ولكن ماذا نعتبر القياس الشرعي وإجماع الصحابة؟

      ج- نعتبرهما من الأدلة الأربعة التي تستند اليها الاحكام الشرعية بالاضافة الى الكتاب والسنة.



      س- هل كل صلاة سنّة، نافلة؟

      ج- نعم. كل صلاة يطلق عليها سنّة هي نافلة، لأن المعنى الشرعي للسنة في الصلاة هو النافلة منها.



      س- ما المقصود بأن النافلة في الصلاة هي مقابل الفرض؟

      ج- المقصود بها ان ركعات الصلاة في كل من الصلوات الخمسة منها ما يكون فرضاً ومنها ما يكون نافلة او زيادة على الفرض. فعندما يطلق على قسم من ركعات الصلاة الواحدة انها فرض يطلق على القسم الآخر كلمة السنة او النافلة. فتكون ركعات الصلاة منها الفرض ومنها السنة او النافلة. وكل منهما مقابل الأخرى في الصلاة الواحدة.



      س- هل كل ركعات السنة في الصلاة بنفس الدرجة من القوة او التأكيد في طلب الفعل؟

      ج- لا. لأن منها ما هو سنة مؤكدة كركعتي سنة الفجر وسنة الوتر في العشاء، ومنها ما هو ليس بمؤكدة. وما هو ليس بمؤكدة منها السنة الراتبة، اي المتكررة بشكل رتيب، ومنها غير الراتبة اي ليست رتيبة. والرتيبة مثل سنن الصلوات الاخرى غير الفجر ووتر العشاء، وغير الرتيبة مثل سنة الضحى.



      س- ما دامت السنة في العبادات تعني النافلة فماذا تعني في غيرها؟

      ج- السنة في غير العبادات تعني المندوب. وهو ما يقابل النافلة في العبادات، اي ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه، وإن كان فعله أوْلى من تركه.



      س- ماذا تعني السنة النبوية في غير مجال العبادات؟

      ج- اذا كانت السنة النبوية في مجال الأدلة الشرعية فانها تعني كل ما صدر عن الرسول عليه السلام من أقوال (مما ليس قرآناً) وأفعال وتقارير.



      س- لماذا نعتبر التأسي بالرسول عليه السلام محصوراً في أفعاله دون غيرها؟

      ج- لأن التأسي والاقتداء لا يكون الا في الأفعال. وأما الأقوال فالتأسي لا يكون فيها وإنما في الأفعال التي تطلبها الأقوال. وكذلك الحال في تقاريره وسكوته عليه السلام، فهي سكوت عن أقوال بمعانيها العملية اي عن أفعال. ولذلك جاء التأسي في النهاية مقصوداً للأفعال عندما جاء عاماً في قوله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة".



      س- ما المقصود بالأفعال التي تلازم جبلّة الانسان وفطرته كما تلازم جبلّة الرسول عليه السلام؟

      ج- هي الافعال التي تلازم طبيعة الانسان كإنسان. فقد خلقه الله تعالى على شكل وفطرة لا يملك الا ان يعيش عليها. فله الرجلان للوقوف والمشي، فمن جبلّته ان يفعل ذلك، وله اعضاء الجسم الاخرى بوظائفها، فمن جبلّته ان يفعل تلك الوظائف.

    4. #34
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      س- فما معنى الجبلّة اذن؟

      ج- هي الوضع الذي خلق عليه الانسان، ولا يملك غيره. فهو مفروض عليه في ذاته وخصائصه، ففي ذاته يعتبر من قضاء الله، وفي خصائصه يعتبر من القدر الذي قدّره الله في الاشياء من ميزات وخصائص.



      س- لماذا تعتبر الاعمال الجبلّية في الرسول عليه السلام على الإباحة بالنسبة اليه ولأمته؟

      ج- انها ليست من اعمال التكليف التي يحاسب عليها الانسان، وانما هي مما قضاه الله وقدّره، ولا يملك الانسان التأثير فيها لا بالتغيير ولا بالتبديل.



      س- ولكن كونها على الاباحة بالنسبة للرسول عليه السلام وأمته تعني انها من الاعمال التي تتصل بها الاحكام الشرعية، أليس كذلك؟

      ج- هذا صحيح. ولكن اتصال الاحكام بها اتصال قائم لكونها اعمالاً ليس غير، وأما حكم الأحكام على هذه الاعمال فهو انها ليست موضع مدح ولا موضع ذم. بمعنى أن من يريد ان يقتدي بالرسول عليه السلام في كيفية قيامه، ومتى يقوم، وفي كيفية قعوده، ومتى يقعد، وفي نوعية طعامه، وكيف يأكل، وفي نوعية شرابه، وكيف يشرب، فانه في ذلك ليس موضع مدح ولا موضع ذم، فله ان يفعل كما فعل الرسول عليه السلام دون أدنى مدح له على ذلك وله ان يفعل غير ذلك دون أدنى ذم له على ذلك، بغض النظر عن رأي بعض من يرى أن في مثل هذا الاقتداء مدح وثواب، وإن كان ليس في عدمه ذم ولا عقاب.



      س- ما المقصود بكلمة أن اباحة الوصال في الصوم من خواص الرسول عليه السلام؟

      ج- معناه أنها من خصوصياته، أي مما اختصه الله تبارك وتعالى به دون أمته، فهو مما طلبه الله منه ولم يطلبه من أمته.



      س- ما المقصود بقوله عليه السلام "صلوا كما رأيتموني أصلي

      ج- المقصود بذلك ان نقتدي به عليه السلام في كيفية صلاته ومضمونها. فنلتزم بالشكل والمضمون دون إضافة او نقصان.



      س- ما المقصود بقوله عليه السلام "خذوا عني مناسككم

      ج- المقصود منه ان نقتدي به عليه السلام في الحج، فنلتزم الشكل والمضمون لكل مواقف الحج كما قام بها عليه السلام.



      س- ما المقصود ببيان الفعل بقرائن الأحوال؟

      ج- المقصود بذلك ان يبين الفعل لا بالقول والشرح الكلامي وإنما بالوضع او الوصف الذي تم عليه الفعل. فالرسول عليه السلام عندما قام بفعل قطع يد السارق تنفيذاً لأمر الله في السرقة فانه عليه السلام قام بهذا الفعل بأن القطع من الكوع عندما نفّذه من هذا الموضع وليس عندما بيّنه بالقول لأنه لم يبيّنه بالقول وإنما بيّنه بالتنفيذ.



      س- ما معنى ان البيان للفعل سواء كان بالقول او القرينة يتبع المبيَّن في الوجوب او الندب او الاباحة؟

      ج- معنى ذلك انه اذا كان الأمر المبيَّن واجباً كقطع يد السارق فان القرينة، أي الفعل الذي بيَّن هذا القطع، يكون واجباً مثله. أي يجب ان يتم القطع من الكوع. واذا كان الأمر المبيَّن مندوباً، كإلقاء السلام على الجالس، فان القول الذي يبيّن هذا السلام يكون مندوباً مثله. واذا كان الأمر المبيَّن مباحاً، كأكل الضب، فان القول الذي بيّنه يكون على الاباحة مثله … وهكذا.



      س- كيف تكون القرينة بياناً للفعل بالنفي او الإثبات؟

      ج- عندما قطع الرسول عليه السلام يد السارق من الكوع، كان هذا التنفيذ قرينة تبين الفعل بالإثبات. وعندما ترك عليه السلام أصحابه يأكلون الضب وتجنّبه هو، كان هذا قرينة على الإباحة بالنفي في حقه وبالإثبات في حقهم … وهكذا.



      س- كيف يظهر قصد القربة في الفعل وكيف لا يظهر؟

      ج- يظهر قصد القربة بأن يقام بالفعل ابتغاء وجه الله بشكل ظاهر. فعندما يقف ويصلي صلاة نافلة سواء كانت سنة الضحى او غيرها، فان قصد القربة يظهر في فعله. ولكن عندما يأكل الضب فانه نوع من الطعام قد يرغبه الآكل وقد لا يرغبه، دون أدنى ارتباط بالتقرب الى الله، فانه لا يظهر في هذا الأكل اي قصد للقربة والتقرب الى الله.



      س- لماذا تدخل الافعال التي يظهر فيها قصد القربة في المندوبات فقط دون الفروض والمباحات؟

      ج- لأن هذه الافعال لم تقترن لا بكلام ولا بقرائن تدل على بيانها، فلو اقترنت بشيء من ذلك فانها ستتبع المبين في كل شيء من الفروض او المندوبات او المباحات. ولكن لما كان قصد القربة في ذاته مما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، كان من المندوبات.



      س- فمن أين جاءتها المندوبات اذن؟

      ج- من كونها ظهر فيها قصد القربة. فكانت في العبادات في اطار النوافل كما هي الحال في صلاة سنة الضحى، وفي اطار المندوبات كما هي الحال في إلقاء السلام على الجالس.



      س- هناك من يرى من الفقهاء ان المسلمين مطالبون بالاقتداء بالرسول عليه السلام في كل شيء وكل حركة وكل سكنة من باب الوجوب، فهل هذا صحيح؟

      ج- بناءا على ورد من بيان في عرض هذه الندوة، فان هناك من يرى ذلك فعلاً. ولكنهم لا يجعلون هذا التأسي كله من باب الفرض. وإنما منه ما هو من باب النوافل والمندوبات ايضاً، كما ان منه من المباحات. فالكل في ذلك يتبع البيان المرافق له او القرينة الصارفة له لهذا المجال او ذاك.

    5. #35
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني

      xxxxx

      الندوة السادسة

      تبنّي الأحكام الشرعية



      العرض :

      إن تبنّي الأحكام الشرعية قد يتم بصورة فردية، وقد يتم بصورة جماعية. أما الفردية فتكون عندما يتبناها الفرد كفرد، ويكون مسؤولاً عنها في اطار فرديته. وأما الجماعية عندما يتبناها الفرد كمسؤول عن جماعة، سواء كانت هذه الجماعة محدودة في اطار مجموعة من المسلمين او غير محدودة فتشمل جميع المسلمين. فان كانت محدودة كالحزب، فان رئيسه عندما يتبنى الأحكام الشرعية التي يراها لازمة لبناء حزبه وإنهاض أمته فإن كل فرد او عضو في هذا الحزب ملزم بتبني ما تبناه رئيسه حتى تتحقق وحدة الحزب الفكرية والسياسية، بحيث لو خرج في التبني عن حكم واحد يكون قد خرج من الحزب. وإن كانت الجماعة غير محدودة كالأمة جميعها، فإن رئيس الأمة او أميرها وخليفتها يتبنى الأحكام الشرعية التي يراها لازمة لحل مشاكل الأمة ورعاية شؤونها في جميع مناحي الحياة. ويكون هذا التبني ملزماً لكل مسؤول في الدولة من الولاة والقضاة بحيث لا يحكم او يقضي بما يخالفه بغض النظر عما اذا كان يراه او لا يراه بفهمه واجتهاده.



      فهل كان هذا هو شأن المسلمين في تاريخهم؟

      كان المسلمون يأخذون الأحكام الشرعية بأنفسهم من الكتاب والسنّة في عصر الصحابة. وكان القضاة يفصلون في الخصومات بما يستنبطونه بأنفسهم من أحكام شرعية. وكان الحكام (أي) الخلفاء والولاة والعمال يحكمون بما يستنبطونه بأنفسهم من أحكام شرعية.



      فهل من أمثلة على ذلك؟

      ها هو ابو موسى الأشعري، وها هو القاضي شريح، وكانا قاضيين، يستنبط كل منهما الأحكام ويحكم باجتهاده. وها هو معاذ بن جبل، وكان والياً في عهد الرسول عليه السلام، يستنبط الأحكام ويحكم بما استنبطه في ولايته. وها هما أبو بكر وعمر، وهما الخليفتان الراشدان، يحكم كل منهما بما يستنبطه كل منهما في خلافتيهما. وها هما معاوية وعمرو بن العاص، وكانا واليين، يستنبط كل منهما الأحكام بنفسه ويحكم بها في ولايته.



      فكيف كان يلتقي او يفترق استنباط الخلفاء مع غيرهم في خلافتهم؟

      كان اذا استنبط الخليفة حكماً شرعياً في مسألة تعرض له من شؤون المسلمين يأمر الناس بالعمل به. فكانوا يلتزمون العمل به ويتخلون عن آرائهم المخالفة لذلك، ولو كانوا قد توصلوا اليها باجتهاد منهم. وذلك لأن الحكم الشرعي أن أمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً.



      فهل من دليل على ذلك؟

      لقد تبنى ابو بكر رضي الله عنه في خلافته ايقاع الطلاق الثلاث بواحدة. وتبنى توزيع المال على المسلمين بالتساوي دون نظر الى قِدم الشخص في الاسلام او غير ذلك. فعمل بذلك القضاة والولاة، وسار عليه المسلمون. ولكن لمّا ولي عمر رضي الله عنه أمْر المسلمين تبنى رأياً في هاتين الحادثتين يختلف عن رأي أبي بكر. فقد ألزم وقوع الطلاق الثلاث ثلاثاً، ووزع المال بالتفاضل حسب القِدم والحاجة لا بالتساوي. وعمل بذلك القضاة والولاة، وسار عليه المسلمون. ومع اتساع الفتوحات وشمولها لأرض العراق، تبنى عمر جعل الارض غنيمة لبيت المال مع بقائها في يد أهلها ودون تقسيمها لا على المحاربين ولا المسلمين، فاتبعه في ذلك القضاة والولاة وساروا عليه مع ان الكثير من الصحابة كانوا يخالفونه الرأي أثناء مناقشته. فكان في ذلك إجماع من الصحابة. هذا وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للإمام أن يتبنى من الأحكام المعينة ويأمر المسلمين العمل بها، وعليهم جميعاً طاعته في ذلك مهما كانت تخالف اجتهادهم.



      ولكن أليس في ذلك من قواعد شرعية مشهورة؟

      بلى. هناك قاعدة تقول: "للسلطان أن يُحدِث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات"، وهناك قاعدة اخرى تقول: "أمر الامام يرفع الخلاف"، وهناك قاعدة ثالثة تقول: "أمر الامام نافذ ظاهراً وباطناً".



      فماذا كان أثر هذه القواعد على الخلفاء من بعد الصحابة وعصرهم؟

      صار الخلفاء بعد ذلك يتبنون أحكاماً معينة. وقد ظهر ذلك جليّاً في عهد الخليفة هارون الرشيد عندما تبنى كتاب "الخراج" لأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة المشهور، وذلك في الناحية الاقتصادية، وألزم الناس العمل بالأحكام التي وردت فيه. وقد لوحظ ان هذا الخليفة أراد ان يتبنى (موطأ) الإمام مالك، لكنه تراجع عن ذلك عندما طلب منه الإمام ان يترك الناس ومن يتّبعون من الأئمة تجنباً للعنت عليهم.



      عند التدقيق في هذا التبني من الخليفة هارون الرشيد، وإقرار الفقهاء له على ذلك عندما كان التبني في شأن المعاملات الاقتصادية في حياة المسلمين، وعدم إقرار الإمام مالك له في تبنيه كتابه الموطأ، مما جعله يتراجع عن هذا التبني … عند التدقيق في ذلك يظهر ان ما يتصل بعلاقات الناس بعضهم ببعض كالمعاملات المالية والاقتصادية، يمكن التبني دون حرج، وخاصة ان فيه جمع لكلمة المسلمين. وأما ما يتصل بعلاقات الناس بربهم من عقائد وعبادات، فلا بد من ترك الناس يتّبعون في ذلك من الأئمة من يرونهم، وخاصة ان في ذلك اصطداماً مع عقائد المسلمين الاخرى، وتفرقاً لكلمتهم واثارة للعنت والضغط عليهم.



      وتأثير مثل هذا الموقف يظهر عندما يقدم رئيس اي جماعة او حزب اسلامي على التبني لبناء جماعته او حزبه وإنهاض أمته. فانه لا بد ان يتجنب التبني في العقائد والعبادات، في الوقت الذي يتبنى فيه في جميع المعاملات الحياتية المتعددة.





      المناقشة:



      س- لماذا تسمي تبني رئيس اي جماعة بأنه بصورة جماعية، مع ان المتبني فرد في الأصل وما الجماعة الا تبعاً له؟

      ج- صحيح ان التبني في اي جماعة يتم في الأصل من قبل رئيسها. ولكن الموضوع في الحديث عن الصورة الجماعية في التبني، وهو ما يفعله جماعة الرئيس من بعده، عندما يتبنون ما تبنى. وهذه هي الصورة الجماعية.



      س- ألا يوجد فرق بين تبني رئيس جماعة محدودة كالحزب، وبين تبني رئيس الأمة كلها، ودون تحديد في حزب معين من أحزاب الأمة؟

      ج- بلى، هناك فرق. فالتبني في الجماعة المحدودة يُلزَم كل فرد او عضو في الجماعة بالتبني الفكري للرأي الذي تبناه رئيسها. بينما تبني رئيس الأمة وأميرها وخليفتها لا يُلزِم كل فرد فيها بالتبني الفكري لرأيه، ولكنه يلزم عماله وولاته وقضاته بالحكم به بين الناس وفض الخصومات بينهم به، أي يلزمهم بالعمل به.



      س- من أين نجد الدليل على وجوب العمل بما يتبناه خليفة المسلمين من قبل القضاة والولاة وغيرهم في عهده؟

      ج- نجد الدليل على ذلك من إجماع الصحابة، عندما أجمعوا على عهد أبي بكر وعمر بأن لهما التبني وإلزام عمالهما وولاتهما وقضاتهما بالعمل بما تبنّياه، سواء في قضية الطلاق او توزيع الاموال او غيرها.



      س- من اين نستدل على وجوب التبني الفكري في الجماعة المحدودة في الحزب لكل ما يتبناه رئيسه؟

      ج- نجد ذلك من قاعدة "ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب". فوحدة الحزب الفكرية واجبة لازمة لأنه لا يمكن بقاؤه حزباً الا بذلك. وعندها لا بد ان يتبنى كل فرد او عضو فيه جميع الآراء التي يتبناها رئيسه. فكان من الواجب إلزام كل عضو بالتبني الفكري حتى يكون عضواً في الحزب.



      س- ما معنى أخذ المسلمين الأحكام بأنفسهم من الكتاب والسنّة؟

      ج- معناه فهمها واستنباطها منهما. فقد كان المسلمون في عهد الرسول عليه السلام والصحابة الأوائل لا يحتاجون لمجتهدين يستنبطون لهم الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة، وذلك لمعاينتهم للرسول عليه السلام ونزول الرسالة عليه ولصفاء لغتهم العربية لغة الكتاب والسنّة. مما كان يسهّل عليهم فهم النصوص الشرعية وييسّر لهم فهمها واستنباط الأحكام الشرعية اللازمة لهم في حياتهم منها.



      س- والقضاة، كيف كانوا يستنبطون الأحكام بأنفسهم لفض الخصومات بين الناس؟

      ج- ذلك ان القاضي إما أن يستنبط الحكم الشرعي من النصوص التي بين يديه حول المشكلة الحاصلة أمامه والمراد فض الخصومة بشأنها، فيستنبط الحكم الشرعي بنفسه، وإما ان يأتيه الحكم الشرعي جاهزاً بعد أن يكون قد تبنّاه الخليفة وأمر بالأخذ به لمثل مسألته بأن عمّمه على جميع القضاة في جميع ولايات الدولة. والقضاة في عهد الرسول عليه السلام وعهد الصحابة الأول كانوا في الغالب الأعم من الفقهاء الذين لا يتبنى لهم الخليفة أحكاماً. وإنما يستنبطونها هم من النصوص في الكتاب والسنّة، ويفضّون الخصومات وفقاً لها، اللهم الا في النادر القليل من المسائل.



      س- والولاة، كيف كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية بأنفسهم؟

      ج- هم ايضاً كانوا من الفقهاء، بحيث لم يكن يسند منصب الولاية الا لمن هو أهله من العلم بالكتاب والسنّة بالاضافة الى صفاء لغته العربية. مما كان يمكنهم ان يحكموا بالاحكام الشرعية التي كانوا يستنبطونها بأنفسهم دون حاجة الى الخليفة ليقدمها لهم مستنبطة جاهزة. اللهم الا في النادر القليل من المسائل، كما ورد من امثلة في عهدي الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.



      س- ما معنى أن أمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً؟

      ج- الإمام او أمير المؤمنين او خليفة المسلمين: هو رئيس الدولة الاسلامية. وأن يكون أمره نافذاً ظاهراً وباطناً معناه: أن يأخذ به كل من بيده سلطة في الدولة سواء كان قاضياً او والياً او عاملاً بحيث تطمئن نفسه في الباطن الى هذا الحكم الذي تبناه الرئيس لمسألة من المسائل في حياة المسلمين، فيحكم به لفض الخصومات التي يتعلق بها دون غضاضة في داخل نفسه ودون تردد بأن هذا الحكم مهما كان مخالفاً لرأي القاضي فيبقى للرئيس الحق في ان يتبنى غيره كما يمكن ان يتطابق الرأيان معاً.

      هذا في الباطن، اي بين القاضي والوالي والعامل ونفسه او خفية عن الناس. وأما في الظاهر فذاك في مجلس القضاء او الحكم في الولاية والعمالة بحيث يسمعه الناس ويرون كيف تفض الخصومات به وكيف يُحكم في المسألة وفقاً له.



      س- هذا النفاذ لأمر الإمام في الظاهر والباطن يكون كذلك في حق القضاة والولاة وغيرهم من المسؤولين، فكيف يكون في حق غيرهم من المسلمين؟

      ج- عندما يفض القاضي الخصومة وفقاً لأمر الإمام سواء في خفية عن أعين الناس او في مجلس القضاء، وعندما يفعل مثل ذلك الوالي والعامل في مجال الحكم، فان الناس عامة من المسلمين يسمعون ويرون ذلك ويعرفونه ويتعلمونه، فيسيرون عليه ويراعونه في حياتهم. بحيث لو وقع أحدهم في هذه المسألة لعرف او عرفه غيره بالحكم فيها دون حاجة للتقاضي – إن أمكن – بشأنها.



      س- ما معنى أن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه كان يوقع الطلاق الثلاث واحدة، بينما أوقعه عمر ثلاثاً؟

      ج- اي ان المسلم اذا صدر عنه انه طلق زوجته بعبارة الطلاق الثلاث، او كرر كلمة الطلاق في موقف واحد ثلاث مرات، فان الخليفة الراشد الاول كان لا يعتبر ذلك الا طلقة واحدة، فيحق للرجل المطلق ان يعيد مطلّقته وهي في عدّتها دون عقد ولا مهر جديدين. وأما الخليفة الراشد الثاني فكان لا يعتبرها طلقة واحدة، بل ثلاث طلقات، بحيث تصبح مطلّقته مطلّقة منه طلاقاً بائناً لا رجعياً، فلا يحق له ان يعيدها اليه لا في العدة ولا بعدها الا اذا تزوجت غيره ودخل بها ثم طلقها. ويكون زواجه منها بعقد ومهر جديدين.



      س- ما معنى ان أبا بكر رضي الله عنه كان يوزع الاموال على المسلمين بالتساوي ودون النظر الى القِدَم والحاجة، بينما كان عمر رضي الله عنه يوزعها بالتفاضل مراعياً ذلك.

      ج- كان هذا في اموال الغنائم. حيث كان أبو بكر رضي الله عنه يوزعها بالتساوي فيما بينهم، سواء كانوا متفاوتين في وقت دخولهم في الاسلام او متساوين، وسواء كانوا متفاوتين في حاجتهم للمال او متساوين، فالكل في العطاء سواء. وأما عمر رضي الله عنه فقد فاضل بين المسلمين، بحيث كان يعطي من هو أقدم في الاسلام أكثر ممن هو أحدث منه، ويعطي المحتاج أكثر ممن هو أقل حاجة، ويعطي من هو أقرب الى الرسول عليه السلام وآل بيته الكرام أكثر ممن هو أبعد منهم وعنهم. ولكل من الخليفتين رضي الله عنهما اجتهاده.



      س- ما معنى قاعدة "للسلطان أن يُحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات

      ج- معناها انه يجوز للسلطان، أي أمير المؤمنين، ان يتبنى من الاحكام الشرعية أي مقدار وبعدد المشكلات والمسائل التي تحدث بين المسلمين.



      س- ما معنى قاعدة "أمر الإمام يرفع الخلاف

      ج- عندما تعترض المجتهدين مسائل كثيرة، سواء كانوا في مركز القضاء او الحكم، فانهم قد يختلفون في اجتهاداتهم، فتختلف الاحكام الشرعية التي يستنبطونها لمعالجة تلك المسائل. والإمام عندما يتبنى من اجتهاده او اجتهاد غيره حكماً شرعياً معيناً لمشكلة معينة، فعلى كل القضاة والولاة ان يأخذوا به وينفذوه، فيرتفع الخلاف بينهم، ويصبحون سواء في العمل باجتهاد الإمام وأمره.



      س- هل من مثال على العنت في حياة المسلمين عند التبني في العقائد؟

      ج- ان ما حصل مما يسمى بفتنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق من خلفاء بني العباس وما تعرض له الإمام أحمد بن حنبل من تعذيب حتى يأخذ بما تبنّاه اولئك من أن القرآن الكريم مخلوق فهو حادث، كما تقول تلك المقولة، ان ذلك اكبر مثال على ذلك العنت.



      س- هل من إيضاح اكثر لتأثير التبني في العقائد والعبادات على الحزب الاسلامي؟

      ج- للتبني في العقائد والعبادات نتائج حادة في حياة الفرد والجماعة. ذلك ان العقيدة فكرة اساسية تتحكم بتفكير صاحبها وتوجه افكاره الاخرى بتوجيهها، وكذلك الأمر بشأن العبادات، فانها تحدد شكل ومضمون توجه الفرد الى الخالق سبحانه. وعليه فان اي حزب اسلامي يتبنى في العقائد والعبادات سيمنع او لا يقبل من المسلمين في عضويته من يختلف مع عقائده او يرفض اعتناقها، او مع العبادات التي يتبناها ويرفض أداءهما. ومن الملاحظ ان العقائد، وبالتالي العبادات، في الاسلام تضيق وتتسع بين أهل السنّة والشيعة والخوارج وغيرهم. مما يجعل الحزب الذي يتبنى فيهما حزباً لفئة او مذهب دون غيرهم من المسلمين، فلا يكون للمسلمين جميعاً. وعندها لا يحق له إدعاء العمل لنهضة المسلمين وخيرهم جميعاً.

    6. #36
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني





      الندوة السابعة

      الدستور والقانون



      العرض :

      على إثر الحديث في الندوة السابقة عن تبني الاحكام الشرعية، كان لا بد من وقفة متأنية مع مدى جواز التبني من المصطلحات الاجنبية في مجال الأحكام. فكلمة دستور وكلمة قانون من المصطلحات الاجنبية، ولها وثيق الصلة بالأحكام. فهل يجوز تبنيهما في مجال الأحكام؟

      لننظر في معنى كل منهما، ونرى مطابقته للحكم الشرعي. فكلمة قانون تعني لديهم الأمر الذي يصدره الحاكم ليسير عليه الناس. لأنه في تعريفهم مجموعة القواعد التي يلزم الحاكم الناس بها لإتّباعها في علاقاتهم. وأما كلمة دستور فتعني عندهم القانون الأساسي لكل حكومة. لأنه في تعريفهم القانون الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، ويبين اختصاص وحدود كل سلطة فيها. فالدستور إذن يقدم النظم التي تسير عليها الدولة كأفكار عامة، وهذه النظم تقدم بدورها الأوامر المحددة التي يأمر بها الحاكم في كل جانب من جوانب النظام الواحد. وهذه الأوامر التفصيلية هي القوانين التي تفصل حقوق وواجبات الحكومة نحو الافراد وواجباتهم وحقوقهم نحوها.

      هذا بالنسبة لمعنى كل من كلمة دستور وقانون. ولكن لاكتمال صورة المعنى في الذهن، لا بد من معرفة منشأ كل منهما. ان الدساتير مختلفة المنشأ. فمنها ما نشأ بالعادات والتقاليد، كالدستور الانجليزي، ومنها ما نشأ من وضع لجنة في جمعية وطنية او مجلس نيابي، كالدستور الفرنسي والأميركي. هذا من ناحية كيفية نشوء الدستور. أما من ناحية مصدره، فهناك مصدران:

      الأول: ويقصد به المنبع الذي نبع منه الدستور او القانون مباشرة، كالعادات والدين والآراء الفقهية وأحكام المحاكم. وهذا المصدر يسمى التشريعي. وذلك كما يحصل في انجلترا وأميركا.

      والثاني: ويقصد به المأخذ المشتق منه او الذي نقل منه، كما هو الحال في فرنسا وتركيا ومصر والعراق وسوريا، ويسمى بالمصدر التاريخي.

      وهذا يعني ان أي دولة يمكنها ان تأخذ من مصدر تشريعي او مصدر تاريخي ما تراه من أحكام وتأمر بالعمل بها، فتكون دستوراً لها إن كانت من الأحكام العامة، وقانوناً إن كانت من الأحكام الخاصة التفصيلية او الجزئية.



      وبعد هذا البيان لمعنى كلمتي دستور وقانون ومنشأهما ومصادرهما، يبرز السؤال التالي: هل يجوز للمسلمين ان يستعملوا هذا الاصطلاح أم لا؟

      لقد رأينا ان كلمة دستور وكلمة قانون تعني في الاصطلاح الاجنبي ما تتبناه الدولة من أحكام معينة تعلنها للناس وتلزمهم العمل بها وتحكمهم بموجبها، سواء كانت عامة او خاصة. هذا المعنى موجود لدى المسلمين، لأن الخليفة له أن يتبنى أحكاماً معينة من الشريعة ويلزم العمل بها ويحكم بموجبها. ولذلك يجوز استخدام هذين المصطلحين دون حرج. أما لو كان لهما معنى يخالف ما لدى المسلمين فلا يجوز استخدامهما. فمثلاً، عبارة "عدالة اجتماعية" تحمل معنى يخالف ما في الاسلام. لأن العدل عند المسلمين ضد الظلم. وأما ضمان التعليم والتطبيب، وضمان حقوق العمال والموظفين، كما يعني عندهم هذا الاصطلاح، فهو لجميع الناس اغنياء وفقراء. كما ان حقوق المحتاج والضعيف مضمونة لجميع رعايا الدولة الاسلامية بدون تمييز بين غني وفقير، او بين موظف وغير موظف، او بين عامل ومزارع او غير ذلك. وأما كلمة "ضريبة" فيجوز استخدامها لأنها تعني المال الذي تأخذه الدولة لإدارة شؤونها، وهذا موجود لدى المسلمين وفي دولة الاسلام.



      لكن ألا يوجد أي فرق بين الدستور الاسلامي والقوانين الاسلامية وبين غيرها؟

      بلى، هناك فرق شاسع. إذ أن مصدر الاسلامي منها هو الكتاب والسنّة فقط. ومنشأ الاسلامي اجتهاد المجتهدين وتبني الخليفة ما يراه من أحكام يأمر بها ويلزم الناس العمل بها. بينما مصدر غير الاسلامي العادات وأحكام المحاكم وغيرها، ومنشؤها جمعية تأسيسية ومجالس شعبية منتخبة تسن القوانين. فالشعب عندهم مصدر السلطات والسيادة للشعب، بينما في الاسلام السيادة للشرع.



      والسؤال الآن: هل من ضرورة لتبني الأحكام في العصر الحاضر، وهل من مصلحة المسلمين وضع دستور شامل وقوانين عامة لهم، أم لا؟؟؟

      أما التبني، فالذي كان المسلمون عليه، منذ أيام أبي بكر رضي الله عنه حتى آخر خليفة مسلم، هو ضرورة تبني أحكام معينة يلزم المسلمون العمل بها. ولكنه كان تبنياً لأحكام خاصة، ولم تعم جميع احكام الدولة، اللهم الا في بعض القصور عندما تبنى الأيوبيون مذهب الإمام الشافعي، وتبنت الدولة العثمانية المذهب الحنفي.

      واما المصلحة في وضع دستورٍ اليوم، فان الدستور الشامل والقوانين العامة لا تساعد على الإبداع في التفكير والاجتهاد في الأحكام. وهذا سبب تجنب ذلك في عصور الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، إذ كانوا يقتصرون في التبني على أحكام معينة كان في تبنيها ضرورة لبقاء وحدة التشريع والحكم والادارة. ولهذا كان من الأفضل ان يكون للدولة دستور يحوي جميع الاحكام العامة التي تحدد شكل الدولة وتضمن بقاء وحدتها ويترك للولاة والقضاة الاجتهاد والاستنباط.



      ولكن هل من الممكن ذلك والمجتهدون نادر وجودهم والمقلدون هم الناس كلهم تقريباً؟

      طبعاً هذا ليس من الممكن في الوقت الحاضر لندرة المجتهدين. مما يفرض على الدولة ان تتبنى الأحكام التي تحكم الناس بها، سواء في ذلك الخليفة والولاة والقضاة، لأن الحكم بما أنزل الله يتعسر عليهم جميعاً لعدم اجتهادهم الا تقليداً مختلفاً ومتناقضاً ما دام التبني لا يكون الا بعد تمحيص الواقع وما يتصل به من أدلّة، وهذا لا يعتبر الا للمجتهدين، وما دام الحكم بمجرد المعرفة يؤدي الى اختلاف الاحكام وتناقضها في الدولة الواحدة بل في البلد الواحد، وقد يؤدي الى الحكم بغير ما أنزل الله. ولذلك لا بد من تبني احكام معينة في المعاملات والعقوبات، لا في العقائد والعبادات، بحيث يكون عاماً لجميع الاحكام ليتحقق ضبط شؤون الدولة وتطبق احكام الله في أمور المسلمين.



      وهنا يرد تساؤل يفرض نفسه وهو: ألا يجوز تبني بعض الاحكام الحديثة مما تشبه ما في الاسلام كالتأميم؟

      والجواب: لا، لا يجوز. لأن الله تعالى يقول "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلّموا تسليما" ويقول سبحانه "وأن إحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، وأحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك". فلا بد ان يتقيد التبني بالاحكام الشرعية فقط، ولا يؤخذ من غيرها اي حكم سواء وافق الاسلام او خالفه. وبدلاً من الأخذ بحكم التأميم يؤخذ حكم الملكية العامة من الاسلام، ما دام هذا الحكم يتعلق بالفكرة الاسلامية والطريقة الاسلامية. هذا وأما القوانين والانظمة التي لا تتعلق بهما مثل قوانين الادارة وترتيب الدوائر وما شاكلها، فهي من الوسيلة والاسلوب: كالعلوم والصناعات والفنون التي تنظم الدولة بها شؤونها تماماً كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أخذ الدواوين من الفارسية. وتبقى هذه النظم الادارية او الفنية خارج الدستور.



      ولكن كيف تتبنى الدولة أحكامها؟

      تتبناها على اساس قوة الدليل الشرعي لكل حكم، مع الحرص على الفهم الصحيح للمشكلة القائمة. وذلك بأن تقوم بدراسة المشكلة بدقة وعناية أولاً لتفهمها، ثم تفهم الحكم الشرعي الذي ينطبق عليها، ثم تقوم بدراسة دليل الحكم الشرعي او الأدلة المتصلة بهذه المشكلة، ثم تتبنى الحكم المعين لهذه المشكلة على اساس قوة الدليل. وتتحرى الدولة في ذلك ان يكون الحكم المستنبط من دليله قد جاء من رأي لمجتهد من المجتهدين، بعد الاطلاع على الدليل والاطمئنان الى قوته، او قد جاء من الكتاب والسنّة او الإجماع او بالقياس، وذلك باجتهاد شرعي ولو جزئياً، اي باجتهاد المسألة.



      فهل من أمثلة على ذلك؟

      نعم. اذا ارادت الدولة ان تتبنى منع التأمين على البضائع مثلا، فان عليها أولاً ان تقوم بدراسة ماهية التأمين على البضاعة. وبعد معرفته الصحيحة، تدرس وسائل التملك، ثم تطبق حكم الله في الملكية على التأمين، وتتبنى الحكم الشرعي في ذلك، وستجده غير هذا التأمين الرأسمالي المعاصر حتماً.



      فماذا يقتضي ذلك بالنسبة لمواد الدستور، وللقوانين؟

      هذا يقتضي ان يكون للدستور ولكل قانون من القوانين مقدمة توضح المذهب الذي أخذت منه كل مادة، والدليل الذي اعتُمد عليه، اذا كانت قد أخذت بالاعتماد على مذهب معين، او ان تبين الدليل الذي استنبطت منه المادة اذا كان التبني لها قد تم باجتهاد صحيح. لأنه بذلك فقط يعرف المسلمون ان مواد دستور دولتهم وقوانينها هي احكام شرعية ومستنبطة باجتهاد صحيح. وإلا فانهم ليسوا بملزمين بطاعتها فيما تحكم به الا اذا كانت تحكمهم بأحكام شرعية وقامت بتبنيها على هذا الاساس.

      هذا ويمكن في ندوات "مشروع الدستور" القادمة ان نعرض نموذجاً حياً لما يؤمل ان تطبقه الدولة الاسلامية القادمة في اي قطر او بلد كان.


    7. #37
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      المناقشة:



      س- لماذا اختص السؤال بجواز التبني في الاحكام من المصطلحات الاجنبية؟

      ج- لأن الاحكام تتعلق بوجهة النظر في الحياة، من عقيدة ونظم، وهذه لا يجوز أخذها الا من الاسلام. بينما كل ما لا يتعلق بذلك كالعلوم والصناعات فيجوز أخذه.



      س- هل كل ما لا يتعلق بالعقيدة والانظمة الاسلامية لا يجوز أخذه؟

      ج- لا، لأن هناك الانظمة الادارية مما هو ليس من الاسلام والمسلمين وإن كان لا يتعلق بوجهة النظر في الحياة او الآيديولوجيا الاسلامية، ولكن يجوز أخذها.



      س- ما الفرق بين منشأ الدستور ومصدره؟

      ج- منشأ الدستور هو الكيفية التي ظهر فيها ونشأ بعد أن لم يكن موجوداً، او هو نشوؤه ووجوده بعد عدم. وأما مصدره فهو الاساس الذي نشأ منه وظهر. فالعادات عندما تكون الكيفية في ظهور الدستور باتباع سبيل معين في إخراج مواده فانها تكون المنشأ للدستور، ولكنها عندما يؤخذ الدستور منها ونتيجة لما قدمته من تقاليد أخذت طريقها في حياة المجتمع فانها تكون المصدر الذي يخرج منه الدستور.



      س- ما الفرق بين المصدر التشريعي والمصدر التاريخي للدستور؟

      ج- المصدر التشريعي هو الاساس المتعلق بالتشريع كأحكام المحاكم والآراء الفقهية التي يصدر عنها الدستور. وأما المصدر التاريخي فهو الاساس المتعلق بوقائع تاريخية التي تشكلت كالعادات على مدار التاريخ.



      س- ما دام تعبير "عدالة اجتماعية" يشمل كلمة عدالة وكلمة اجتماعية، وهما جائزتان في الاسلام، فلماذا لا نستخدمه؟

      ج- لأن التعبير ككل مصطلح اجنبي لنظام اجنبي، فلا يقسم التعبير الى كلمتين يختلف مدلول كل منهما عنهما ككل.



      س- هل يختلف الإسلام وتشريعه عن غيره من التشريعات في النظر الى السلطة والسلطان؟

      ج- نعم، يختلف في ذلك. لأن السلطة في الاسلام يمنحها الشرع لصاحبها وفقاً لأحكامه. فالخليفة لا يكون صاحب سلطة واسعة كنائب عن الأمة في تطبيق الشرع الا بحكم شرعي. والوالي والقاضي والمعاون كل منهم كذلك. وأما في غير الاسلام، فالسلطة مصدرها الشعب، وهو يعطيها لصاحبها. فرئيس الجمهورية مثلاً عندهم موظف لدى الشعب. هذا بالنسبة للسلطة والسلطات. أما بالنسبة للسلطان، بمعنى الحكم والحاكم، فالسلطان للأمة في نظر الاسلام، لأنها هي التي تنيب عنها من يحكمها بشرع الله، بدليل إجماع الصحابة على ما فعلوه في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة الرسول عليه السلام وانتخابهم لأبي بكر خليفة لرسول الله ونائباً عنهم في تطبيق شرع الله عليهم وحمله الى الامم الاخرى. وأما السلطان لدى غير المسلمين فهو، كالسلطة، للشعب الذي يعطيه لمن يشاء وينـزعه ممن يشاء.



      س- ماذا تعني كلمة "تبني" بالنسبة للحاكم في حق اي حكم شرعي؟

      ج- كلمة تبني لغة تعني جعله إبناً له. واصطلاحاً تعني أخذ الشيء مادياً كان او معنوياً وجعله ملكاً له ومن خصوصياته او صلاحياته. فالحاكم عندما يتبنى حكماً معيناً كحل لمشكلة معينة فانه يصدره سواء كان قد استنبطه باجتهاده ورجح عنده انه الأصح لحل المشكلة العارضة، او كان من استنباط غيره من المجتهدين. فالتبني لحكم استنبطه هو لا يتم الا اذا كان قد استنبطه واستنبط غيره للمسألة الواحدة، كالإمام الشافعي في اجتهاده القديم والجديد، وإما لحكم استنبطه غيره، فهو من باب ترجيح أحد الاحكام التي قدمت اليه من عدة مجتهدين ومن بينهم اجتهاده هو اذا كان ممن يملك الاجتهاد وأهليته ولو كان جزئياً.



      س- لماذا لا يساعد تبني دستور وقوانين عامة في اي عصر من العصور على الإبداع في الفكر والتفكير والاجتهاد في استنباط الاحكام الشرعية؟

      ج- لأنه يمنع مَن لديه القدرة او الأهلية على التفكير واستنباط الاحكام – ولو جزئياً- من ذلك، ما دام يقدم بين يدي الجميع الحلول الجاهزة، ولا يطلب منهم إشغال الذهن لا بالبحث عن الأدلة ولا بدراستها ودراسة الواقعة المستجدة ولا باستنباط الحكم الصحيح منها لحل المشكلة القائمة. الأمر الذي لا يساعد على الإبداع، كما لو كان الدستور المتبنى محصوراً في بعض القوانين العامة ولا يتجاوزها الى جميع مناحي الحياة.



      س- ماذا يعني تحديد شكل الدولة عند التبني للأحكام؟

      ج- أن تكون الأحكام المتبناة لا تتعدى تحديد أجهزة الدولة او أركانها كخلافة يرأسها خليفة وله معاونون في الحكم والتنفيذ وفيها جهاز قضائي، وأمير جهاد على رأس الجيش، وفيها مجلس أمة ينتخب انتخاباً لصلاحيات محددة، وفيها دوائر ومصالح على رأس كل منها مدير او رئيس، وفيها ولايات على رأس كل منها والي.



      س- كيف تضمن الاحكام العامة وحدة الدولة؟

      ج- بأن تنص على تقسيمها الى ولايات، اذا كانت واسعة الأرجاء، بحيث يرأس الواحدة منها والٍ، وتحدد صلاحياته التي يمنحها له الخليفة، كما تحدد صلته بالخليفة ومحاسبته أمامه وأمام الأمة من خلال مجلس الولاية وبالرقابة العليا من مركز الدولة. واذا كانت الولاية مترامية الأطراف دون الحاجة لتقسيمها لولايات فيمكن تقسيمها الى عمالات يرأس كل عمالة منها عامل وله من الصلاحيات ما للوالي في ولايته وإن كان يتبع الوالي كما يتبع الوالي الخليفة. فبنص الاحكام العامة على ذلك كله يحافظ على وحدة الدولة ويمنعها من التمزق الى دول كما حصل في بعض عهود الدولة الاسلامية في الماضي.



      س- كيف يؤدي حكم المقلدين الى الاختلاف في الاحكام وتناقضها والخروج عما أنزل الله؟

      ج- عندما يقلد الخليفة فقيهاً لحل مسألة معينة يحسم الأمر في جميع انحاء الدولة عندما يأمر بالعمل بما تبناه من تقليد. ولكنه عندما يترك ذلك للمعاون وللولاة وللقضاة فانهم قد يختلفون في التقليد عندما يقلد كل منهم فقيهاً او مذهباً غير الاخرين. وقد يتناقضون فيما بينهم عندما يرى أحدهم عكس ما يرى الآخر لمعالجة نفس المشكلة في ولايتين مختلفتين او من قبل قاضيين في ولاية واحدة. وقد يتأول حاكم او قاض بعض القضايا المستجدة المشابهة لأخرى في الفقه الاسلامي فيجيزها كالتأميم وهي مخالفة للاسلام وخارجة عنه.



      س- ألا يعتبر النص الدستوري على مصادر الدستور كافٍ لجعله اسلامياً اذا كان التشريع الاسلامي من مصادره كما هو الحال في الدستور الفرنسي مثلاً؟

      ج- لا يعتبر الدستور اسلامياً الا اذا كانت مصادره محصورة في القرآن الكريم والسنّة النبوية، لأنهما وحدهما مصدرا التشريع الاسلامي. وأما أن ينص اي دستور على أن من مصادره التشريع الاسلامي، كما هو الحال في الدستور الفرنسي، فلن يجعله اسلامياً، لأنه لم ينص على هذا التشريع الا كمرجع يرونه يصلح كغيره من المراجع سواء كانت كافرة او اسلامية لأخذ الأحكام منها. فالعبرة أن يبتغي المشرّع وجه الله وطاعته ونيل رضوانه من التزام أحكام شرعه، فتكون المصلحة في اتباع والتزام شرع الله في الكتاب والسنّة، وكما يقررانها، وليست المصلحة هي الدافع لأخذ التشريع بغض النظر عما اذا كان اسلامياً او غير اسلامي كحال الدستور الفرنسي.



      س- ماذا يعني ان القوانين الادارية من الوسيلة والاسلوب، فيمن أخذها من غير المسلمين كالعلوم والصناعات؟

      ج- عندما أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظام الدواوين لتنظيم الادارات في الدولة فانه أخذ بالوسائل وهي السجلات التي كانت في بلاد فارس. وأخذ بالاساليب في كتابتها وتنظيمها وإن كان أدخل عليها بعض التعديلات. وهو بذلك أخذ نتاج علم صناعة الورق والحبر وانتاج السجلات التي لا علاقة لها بالحكم كحكم وإنما بكيفية تنفيذه وتطبيقه.



      س- ماذا تعني قوة الدليل الشرعي؟

      ج- قوة الدليل الشرعي وضعفه أمران تابعان لمدى ثبوته ودلالته على الحكم. فعندما يكون الدليل الذي استنبط منه الحكم قطعي الثبوت قطعي الدلالة فانه يكون في ذروة القوة. وعندما يكون ظني الثبوت سواء كان قطعي الدلالة او ظنيها فانه يكون اقل قوة من سابقه، وعندما يكون قطعي الثبوت ظني الدلالة فانه يكون اقل قوة من الاول واكثر قوة من الثاني.



      س- هل من امثلة على ذلك؟

      ج- القرآن الكريم والحديث المتواتر – كما مر بنا في ندوة سابقة – هما مصدرا الاحكام الشرعية، وهي كلها قطعية الثبوت، ولكن فيها ظنية الدلالة واخرى قطعية الدلالة. وبقية الانواع من الحديث الصحيح كلها ظنية، وإن كان منها قطعي الدلالة وأخرى ظنيّها. وتجنباً للتكرار يمكن العودة في ذلك الى موضعه.



      س- هل يجوز ان يؤخذ الدستور من مذهب معين بكامله كأحد مذاهب السنّة او الشيعة؟

      ج – في عهد كالعصر الحالي الذي يندر فيه وجود المجتهدين، لا بد للدولة الاسلامية من أن تتبنى دستورها بالتقليد في الأعم الأغلب، ولو كان بالترجيح بين الأحكام بناءا على قوة دليلها، وبالاجتهاد الجزئي أي بمحاولة استنباط حكم جديد لم يسبق ان استنبطه فقيه آخر سواء كان صاحب مذهب أم لا. ولهذا من الجائز ان يؤخذ مذهب بكامله كما فعل الأيوبيون عندما إتبعوا المذهب الشافعي في الدولة، وكذلك الحال في الأخذ بالمذهب الجعفري او الزيدي من الشيعة، مع التزام قاعدة "اذا صحّ الدليل فهو مذهبي، وإلا فاضربوا بقولي عرض الحائط"، وقاعدة "اجتهادي صحيح يحتمل الخطأ، واجتهاد غيري خطأ يحتمل الصحة".

    8. #38
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      الندوة الثامنة

      الأخلاق في الاسلام



      العرض :

      قبل ان نعرض سلسلة ندوات "مشروع الدستور"، رأينا أنه لا بد لاستكمال هذه المجموعة من الندوات المتنوعة أن نقف على موضوع هام كثر الحديث حوله وحول أثره في المجتمع وعلى الفرد. الا وهو الأخلاق من وجهة النظر الاسلامية.

      إن من المعروف ان الاسلام ينظم علاقة الانسان بخالقه بالعقائد والعبادات، وعلاقة الانسان بنفسه بالأخلاق والمطعومات والملبوسات، وعلاقة الانسان بغيره من بني البشر بالمعاملات والعقوبات.

      كما ان من المعروف ان الاسلام يعالج كل مشاكل الانسان، وذلك من خلال نظرته للانسان ككل لا يتجزأ. فنجده يعالج جميع المشاكل بطريقة واحدة، ألا وهي بناء جميع المعالجات على اساس العقيدة، وهي أساس روحي، مما يجعل الناحية الروحية في كون الاشياء كلها مخلوقة لله تعالى هي الأساس في الحضارة الاسلامية، وهي أساس الشريعة الاسلامية، وأساس الدولة الاسلامية.

      كما ان من المعروف أخيراً ان الشريعة الاسلامية قد عمدت الى انظمة الحياة، ففصلتها تفصيلاً دقيقاُ، فجعلت لكل من العبادات والمعاملات والعقوبات نظامها المفصل الخاص بها. ولكنها لم تجعل للأخلاق مثل هذا النظام المفصل، وإنما عالجت أحكامها كأوامر ونواهي من الله تعالى دون ان تعطي عناية متميزة لها على غيرها، بل هي حتى من حيث التفصيل جاءت أقلّها، إذ لم يجعل لها في الفقه باباً خاصاً باسمها، ولم يُعْنَ الفقهاء والمجتهدون بأمرها بالبحث والاستنباط.

      أما لماذا لم يُفرَد لها في الفقه باب خاص بها، فذلك لأنها لا تؤثر على قيام المجتمع بأي حال. ذلك ان المجتمع الاسلامي يقوم على أنظمة الحياة، وتؤثر فيه المشاعر والافكار. أي ان العرف العام الناتج عن المفاهيم عن الحياة هو المسيّر للمجتمع وليس الخلق. فالانظمة التي تطبق في المجتمع، والافكار والمشاعر التي يعيش عليها الناس، هي التي تسيّر المجتمع. وأما الخلق والاخلاق الشائعة في الناس فهي ناتجة عن الافكار والمشاعر وتطبيق النظام.



      فما دامت الاخلاق لا تقيم المجتمع ولا تسيّره، فهل تجوز الدعوة اليها في المجتمع، ولماذا؟؟؟

      ان ذلك بدون ريب لا يجوز. لأنها نتاج أوامر الله ونواهيه ومن الدعوة الى العقيدة الاسلامية وتطبيق عموم الاسلام، ثم لأن الدعوة اليها تقلب مفاهيم الاسلام عن الحياة من كونها مخلوقة لخالق نظمها بأوامره ونواهيه، ثم لأن تلك الدعوة تبعد الناس عن تفهم حقيقة المجتمع ومقوماته وتجعلهم يظنون خطأً بأن الفضائل الفردية تبني الأمم وتقيم المجتمعات، مما يؤدي الى جهل الوسائل الحقيقية لرقيّ الحياة. فمثل هذه الدعوة توهم ان الدعوة الاسلامية دعوة خلقية، وتطمس الصورة الفكرية عن الاسلام، وتصرف الناس عن فهمه والسير في طريقته الوحيدة الموصلة الى تطبيقه، ألا وهي اقامة الدولة الاسلامية في الارض.



      ولكن الاخلاق تبقى جزءا من تنظيم علاقة الانسان بنفسه، فكيف لا تكون نظاماً؟

      ان ذلك عائد الى ان الشريعة الاسلامية لم تجعلها كذلك مثل العبادات والمعاملات، وإنما جعلتها أوامر ونواهٍ لتحقيق قيمة معينة هي القيمة الخلقية. فالمسلم عندما يلبّي أمر الله بالصدق فيكون صادقاً، وأمره بالأمانة فيكون أميناً، وحينما يلبّي نهي الله عن الغش فيتجنّبه، وعن الحسد فيبتعد عنه، فانه يحقق من القيام بأمر الله هذا المتصل بالصفات الخلقية القيمة الخلقية. ولكن حصول هذه الصفات من نتائج الاعمال كالصفة من الصلاة، او التزامها عند المعاملات، كوجوب الصدق في البيع، فانه لا يحقق قيمة خلقية وذلك لعدم تقصدها عند القيام بالعمل، وإنما يحقق قيمة روحية عند أداء الصلاة، وقيمة مادية عند ممارسة اعمال البيع، وإن إتصف في نفس الوقت بالصفات الحميدة.



      فما هي الصفات التي اعتبرها الشرع خلقاً حسناً، وتلك التي اعتبرها خلقاً سيئاً؟

      لقد أمر الله بالصدق والأمانة والحياء وبرّ الوالدين وصلة الرحم وتفريج الكربات وغير ذلك، وحثّ على الالتزام بها. بينما نهى عن أضدادها من كذب وخيانة وفجور وعقوق وغيرها.



      ولكن كيف يتوصل الى غرسها في نفوس الافراد والمجتمع؟

      أما في المجتمع فتتحقق عن طريق ايجاد المشاعر والافكار الاسلامية. ومتى تحققت في الجماعة، تتحقق في الافراد بالضرورة … فكيف يتم ذلك؟

      انه يتم بايجاد جماعة او كتلة اسلامية تعمل على العمل بالاسلام كله، لا بالحث على التزام الاخلاق فحسب، ويكون الافراد فيها أجزاء في جماعة لا مستقلين، ليقوموا بحمل الدعوة الاسلامية الكاملة في المجتمع، عاملين لايجاد المشاعر الاسلامية والافكار الاسلامية فيه. مما يجعل الناس يلتزمون الاخلاق كأفواج كما التزموا الاسلام كله كأفواج، سواء كان ذلك بدخولهم الاسلام ابتداءاً او بتفهّمهم للاسلام وأحكامه والتزامهم لها ككل ومنها الاخلاق.



      وهذا القول يدعونا للتساؤل عن الصفات التي تشكل مقومات الفرد ؟!

      انها اربع صفات، هي: العقائد، والعبادات، والمعاملات، والاخلاق. ولا بد من اجتماع هذه المقومات في شخصية الفرد حتى تكتمل عناصر بنائه كاملة بحيث إن نقصت ولو واحدة كانت ناقصة ولم تكتمل. ولو تلونا الآيات الكريمات من سورة لقمان التي تبتدئ بآية "وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم" وتنتهي بآية "واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير" لوجدنا هذه المقومات الاربعة. كذلك نجدها في سورة الفرقان ولو تلونا الآيات من الآية "وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا، واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" الى الآية "اولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقّون فيها تحية وسلاما، خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاما". كما نجدها في سورة الإسراء عندما نتلو الآيات من الآية "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" الى الآية "ولا تمشِ في الارض مرحاً إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا، كل ذلك كان سيّئه عند ربك مكروها". فكل مجموعة من الآيات تشكل وحدة كاملة تعرض الصفات المختلفة التي تشكل مقومات الفرد المسلم وتبين الشخصية الاسلامية المتميزة عن غيرها.



      فماذا نلاحظ عن تلاوة أية مجموعة منها؟

      نلاحظ أنها أوامر ونواهٍ منه تعالى. منها أحكام تتصل بالعقيدة، ومنها أحكام تتصل بالعبادات، ومنها أحكام تتصل بالمعاملات، وأخيراً منها أحكام تتصل بالاخلاق. كما نلاحظ أنها لم تقتصر على الصفات الخلقية. بل اشتملت على العقيدة والعبادات والمعاملات كما اشتملت على الاخلاق سواءاً بسواء. ذلك لأنها في مجموعتها تكوّن الشخصية الاسلامية المتميزة. وأن واحدة منها لو اقتصرت عليها لا يمكن ان تتشكل وتوجد هذه الشخصية الكاملة.

      كما نلاحظ انها تستهدف تحقيق غاية وجودها في الفرد المسلم ، ألا وهي بناء الشخصية المتميزة الكاملة المبنية على الاساس الروحي، ألا وهو العقيدة الاسلامية، بحيث لا يتميز بشيء من هذه الصفات الا بناءا على هذه العقيدة. أي انه لا يصدق مثلاً لذات الصدق وإنما لأن الله أمر به، وإن كان يحرص على تحقيق القيمة الخلقية حين يصدق.

      ثم لما كانت الاخلاق تأتي من نتائج العبادة لمن يلتزم بأدائها بحق تصديقاً لقوله تعالى "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، وأنها مما يجب أن يراعى في المعاملات التزاماً بقوله صلى الله عليه وسلم "الدين المعاملة" بالاضافة الى كونها أوامر ونواهي معينة، فان ذلك مما يثبتها في نفس المسلم بشكل شيمة لازمة.



      ولكننا نلاحظ أنها صفات مندمجة مع غيرها في الحياة، فكيف نفصلها عن باقي مكونات شخصية الفرد المسلم؟

      صحيح أنها مندمجة بباقي انظمة الحياة من عقائد وعبادات ومعاملات. ولكنها تبقى صفات مستقلة. فالفرد يؤمن ويكذب، ولذلك نلاحظ ان الرسول عليه السلام قد أمر بالتحلّي بصفة الصدق لكل مؤمن. وقد يصلّي ويغشّ، ولذلك نلاحظ انه عليه السلام قد أمر المسلم بتجنب الغش فكان أمره عاماً "ليس منا من غش" وفي رواية اخرى "من غشّنا ليس منّا". وقد يتعامل بالتجارة ويخون الشراكة، ولذلك نلاحظ ان الرسول عليه السلام قد شدّد على الأمانة بين الشركاء في التجارة . فهي إذن صفات مندمجة مع جميع انظمة الحياة ولكنها تبقى في نفس الوقت صفات مستقلة عن كل منها، بحيث تلتقي بالواحد منها وقد تفترق. ولكن الاسلام عندما أمر بها ونهى فانه اراد ان تكون شخصية المسلم مكونة تكوينا صالحا متكاملا على اساس روحي، أي على اساس الالتزام بها استجابة لأمره تعالى واجتنابا لنهيه. لا لأن هذه الاخلاق تنفع او تضرّ في الحياة، الأمر الذي يجعلها مع ارتباطها الدائم بهذا الاساس دائمية وثابتة بمقدار ما يداوم المسلم ويثبت على القيام بتطبيق الاسلام ابتغاء نوال رضوان الله لا سعياً وراء منفعة او تجنّباً لمضرّة. ذلك أن المسلم عندما يلتزم بها يقصد الوصول الى القيمة الخلقية فقط، ويستبعد القيمة المادية او الانسانية او الروحية، بل لا يسمح بتدخّلها عند اتّصافه بها خشية أن يحصل اضطراب في القيام او الإتّصاف بها. خاصة وأن مثل هذا الاضطراب- بتداخل المنافع والفوائد مع التحلّي بتلك الصفات - يعرضها للخطر الفعلي.



      كل هذا بالنسبة للفرد المسلم، فأين هي الاخلاق بالنسبة لمقومات المجتمع؟

      لما كانت الاخلاق من مقومات الفرد المسلم، ولبناء شخصيته، فانها حتماً لا تتخطى الناحية الفردية الى المجتمع لتكون من مقوماته. وذلك أن المجتمع لا يصلح اذا صلحت الاخلاق، بل لا يصلح بالاخلاق، وإنما يصلح بالافكار الاسلامية والمشاعر الاسلامية اذا التزمت والانظمة الاسلامية اذا طُبّقت. أي أن مقومات المجتمع غير مقومات الفرد، وإن كانت تستوعبها وتتجاوزها الى أوسع منها. فالعقائد الاسلامية لا بد منها للمجتمع، كالفرد، ولكنها لا تقف عند لزوم الفرد بل تتسع لتشمل جميع الافكار الاسلامية المتصلة بالعقائد وبغيرها من عبادات ومعاملات واخلاق، وبذلك تغطي جميع الجوانب الحياتية. وكذلك لا بد للمجتمع من المشاعر الاسلامية التي تتشكل من الميول والرغبات والعواطف التي تنضبط بالحلال والحرام، فتميل حيث الحلال وتنفر حيث الحرام، وهي تؤدي في المجتمع الى تشكل الأعراف والتقاليد الاسلامية، وهي تستغرق الفرد في المجتمع المسلم بالضرورة لتتجاوزه الى عموم الافراد. وأخيراً لا بد للمجتمع من الانظمة الاسلامية التي بتطبيقها تنضبط العلاقات بين الافراد والجماعات في المجتمع المسلم. وهكذا تصبح مقومات المجتمع أوسع وأشمل من تلك الخاصة بالفرد، وإن استوعبتها. مما يفرض حتماً صلاح الفرد تبعاً لصلاح المجتمع، ودوام صلاحه تبعاً لدوام صلاح المجتمع. كما يقضي حتماً عدم صلاح المجتمع بعدم صلاح الفرد مهما كثر الافراد الصالحون، ما دامت العلاقات التي تنظمها الانظمة وتتحكم بها أعراف المشاعر الاسلامية وتوجهها الافكار الاسلامية، ما دامت هذه العلاقات غير منضبطة بهذه الضوابط الثلاث.

      وعليه، فان الاخلاق ليست من مقومات المجتمع، وإنما فقط من مقومات الفرد، ولكن الفرد لا يصلح بها وحدها، بل لا بد ان تكون معها العقائد والعبادات والمعاملات اللازمة للفرد. وهذا يعني ان الفرد لا يعتبر مسلماً اذا كانت اخلاقه حسنة بينما عقيدته غير اسلامية، كما لا يعتبر مسلماً سوياً اذا كانت اخلاقه حسنة وهو مقصر في أداء العبادات، او غير سائر في معاملاته وفقاً للأحكام الشرعية.



      وهكذا، حتى يتحقق تقويم الفرد لا بد من وجود العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والاخلاق جنباً الى جنب، بحيث لا يتحقق له ذلك اذا تحققت له الاخلاق الحسنة فقط ولم يتوفر له غيرها. وهذا يؤكد عدم جواز العناية بالاخلاق وحدها لتقويم الفرد وترك باقي الصفات، بل لا يجوز العناية بأي شيء قبل الاطمئنان الى العقيدة، كما أنه لا بد أن يُحرَص على توفير الأمر الأساسي في الاخلاق وهو بناؤها على العقيدة الاسلامية، وأن يتصف بها المؤمن على اساس أنها أوامر الله ونواهيه.





    9. #39
      التسجيل
      01-05-2005
      المشاركات
      411
      المواضيع
      166
      شكر / اعجاب مشاركة

      مشاركة: شرح كتاب نظام الاسلام للعلامه المجتهد الجليل تقي الدين النبهاني



      المناقشة:



      س- هل يقتصر تنظيم علاقة الانسان بخالقه على العقائد والعبادات؟

      ج- نعم، وإن كانت أوامر الله ونواهيه تشمل جميع جوانب الحياة. الا ان الصلة المباشرة بين الخالق والمخلوق تنتظم فقط بالعقائد والعبادات، بينما المعاملات والعقوبات فصلتها مباشرة فيما بين الناس بعضهم ببعض، والاخلاق صلتها بالانسان مع نفسه.



      س- كيف يصلح الاسلام مشاكل الانسان ككل لا يتجزأ؟

      ج- يكون ذلك عندما يجعل للمعالجات كلها أساسا واحدا هو العقيدة الاسلامية التي تعني ان الله سبحانه وتعالى هو الخالق لهذا الانسان، والمدبر له بتنظيم جميع جوانب حياته بأوامره ونواهيه الشاملة.



      س- هل في كتب الفقه على جميع المذاهب تفصيل من ابواب وفصول لتنظيم علاقات الانسان الثلاثة مع خالقه ونفسه وغيره من الناس؟

      ج- نعم، هناك تفصيلات وفيرة. ولكنها تقتصر على علاقتي الانسان بخالقه وغيره من الناس، دون العلاقة الثالثة وهي مع نفسه. فلا تجعل للاخلاق أبواباً وفصولاً، وإنما تمرّ عليها مروراً كأوامر ونواهي لله تعالى.



      س- لماذا لم يفرَد للأخلاق باب خاص في الفقه الاسلامي؟

      ج- لأن الفقه يشتمل على تنظيم علاقات المجتمع، بينما الاخلاق خاصة بالفرد ولا تؤثر على مقومات المجتمع، وإن وجب وجودها وتوفرها في الفرد كجزء من المجتمع.



      س- هل من علاقة بين العرف العام في المجتمع وبين الاخلاق؟

      ج- نعم، لأن العرف العام يتكون من الافكار والمفاهيم المسيّرة للحياة. والاخلاق توجد كصفات لدى الفرد المسلم كنتيجة لما لديه من افكار ومفاهيم عن الأشياء في الحياة. ومن هنا يلتقي العرف مع الاخلاق. فيقال ان الصدق مثلا هو عرف عام لدى المجتمع المسلم الذي يسود فيه الالتزام بأوامر الله ونواهيه. كما يقال ان الكذب قد شاع في المجتمع فأصبح عرفاً عاماً فيه نتيجة غياب ذلك الالتزام.



      س- ماذا تعني الدعوة الى الاخلاق؟

      ج- تعني ان يُدعى الفرد والمجتمع لإلتزام الاخلاق، من باب الظن أنها تقوّم الفرد كما تقوّم المجتمع. مع أنها لا يمكن أن تنفرد في تقويم أي منهما ولا بحال من الاحوال.



      س- إذن لماذا قال الشاعر: إنما الأمم الاخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

      ج- قالها من باب التألم على ما رآه من حال المسلمين وإنفلاتهم من الالتزامات الشرعية. فظنَ – متأثراً بدعوات غريبة عن الاسلام – أن الأمم تتكون بالاخلاق، وأن ما على المسلمين اذا أرادوا بقاء أمتهم الا أن يلتزموا بالاخلاق الحميدة ويتجنبوا الاخلاق السيئة.



      س- ولكن الشاعر هنا يتحدث عن الأمم وليس المجتمعات، فهل من فرق بين الأمة والمجتمع؟

      ج- نعم، هناك فرق كبير بين الأمة والمجتمع. إذ أن الأمة مجموعة من الناس تعتنق عقيدة لها نظامها بغض النظر عن تطبيق هذا النظام والتزام أنظمته في الحياة كالأمة الاسلامية التي تعتنق الاسلام ولكنها لا تطبق الانظمة المنبثقة عنه في حياتها. وأما المجتمع فهو مجموعة من الناس تعيش على انظمة العقيدة التي تعتنقها بتنظيم جميع جوانب حياتهم وفقاً لها. فالاخلاق لا تكون ولا تشكل أمة، كما أنها لا تكون ولا تشكل مجتمعاً، وتبقى في اطار مقومات الفرد ليس غير.



      س- هل تنفرد الاخلاق بتقويم الفرد في المجتمع، أم لا بد من عناصر اخرى معها لتقويمه؟

      ج – لا تكفي الاخلاق لتقويم شخصية الفرد، إذ هي جزء واحد منها. ولا بد معها من العقائد والعبادات والمعاملات اللازمة للفرد في حياته مع الاخرين.



      س- كيف لا تكون الاخلاق من مقومات المجتمع، وأفراد المجتمع مطلوب منهم أن يتحلّوا بتلك الحميدة منها في علاقاتهم مع بعضهم البعض؟

      ج- ان الفرد في المجتمع عندما يصدق في تعامله مع الاخرين إنما يتحلى بالصدق كصفة طيبة أمره الله بها، فالصدق يندمج هنا مع التعامل التجاري الذي يقوم به ابتغاء المنفعة والربح وكسب الرزق في الحياة. فجاء الصدق هنا ليس كجزء من المعاملة التجارية لأنه لا علاقة له بتحقيق المنفعة كقيمة مادية مقصودة من المعاملات المالية، وإنما علاقته بهذه المعاملة من حيث أن الله قد نهى أن تكون المعاملة هذه بعيدة عن الحق والحقيقة لينال كل طرف فيها حقه دون زيادة ولا نقص. هذا هو الصدق في المعاملة، وهو كصفة حسنة، يظهر في العبادة ايضاً عندما يصدق الانسان مع خالقه في صلاته فيجعلها بحق لوجهه الكريم ليس غير ودون تزييف ولا نفاق لأحد. وكما يندمج الخلق الطيب في جوانب الحياة، فانه ينفصل عنها. ولكنه يبقى عند تميزه التزاماً بأمر الله ونهيه، ويحقق منه الفرد القيمة الخلقية. ومن هنا شاعت الاخلاق كأوامر ونواهي في مقومات المجتمع من أفكار ومشاعر وأنظمة دون أن تنفرد عنها وتتميز منها وأن تحقق معها ذلك في مقومات الفرد.



      س- فما دامت الاخلاق هذه هي مكانتها في الحياة الاسلامية فردية ومجتمعية، فكيف قامت دعوات تدعو لها لتقويم الأمة والمجتمع؟

      ج- عندما اتصل العالم الاسلامي والمجتمع الاسلامي بالعالم الآخر، وأخذت المؤثرات الفكرية تأخذ طريقها الى العقول الاسلامية ظهرت هذه الدعوات الغريبة عن الاسلام والمسلمين. فالمعروف ان الحركات التي ظهرت طيلة جميع العهود الاسلامية قبل سقوط الخلافة الاسلامية كانت تركز على المجتمع وإعادة بنائه او تقويمه وفقاً للأنظمة الاسلامية. ولم تظهر الدعوة للأخلاق الا بعد ان انهار المجتمع الاسلامي بسقوط الخلافة. وأخذت الدعوة تركز على الفرد المسلم وإصلاحه وتقويمه. وكانت تلك الدعوة رد فعل دخيلاً على الاسلام وأهله، لأنها نظرت الى المجتمع نفس النظرة الفردية التي جاءت من الغرب الرأسمالي الديمقراطي، عالم الحريات الفردية، بدلاً من النظرة الاسلامية التي لا ترى ان المجتمع مكون من افراد، كما يقول الغربيون الديمقراطيون، ولا مكون من جماعة لا خيار للفرد فيها الا كخيار السن في الدولاب، كما يقول الاشتراكيون الشيوعيون في الغرب والشرق. بل ترى ان الفرد جزء من المجتمع، له كيانه الخاص في الوقت الذي يتمتع فيه المجتمع بكيانه الخاص، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر بأن يحرص على حقه كما يطالبه بواجباته. فالتأثر او الغزو الفكري الذي زحف على بلاد الاسلام وأخذ طريقه الى عقول أهلها تركهم أسرى فكرة الفردية الديمقراطية، بحيث لم يروا عند الدعوة الى الاسلام الا الدعوة الفردية. ولأن الاخلاق من مكونات الفرد، والبارزة عليه ومعه في عباداته ومعاملاته، فقد انصبت تلك الدعوات الفردية على الاخلاق. فحقق الغرب بمكره ودهائه إبعاد رجال الدعوات الاسلامية - رغم حرصهم في أكثريتهم، ورغم حسن نية هذه الأكثرية – حقق إبعادهم عن حقيقة الدعوة الاسلامية من أنها فكرية وأنها يجب ان تنصبّ، كما فعل الرسول عليه السلام، على العقيدة الاسلامية كأساس للحياة الاسلامية في حضارتها وفي تنظيماتها، وأنه يجب الا تفردها كمقوم للفرد، بل تجعلها أساس مقومات المجتمع من افكار اسلامية ومشاعر اسلامية وأنظمة اسلامية. وبهذا تكون العقيدة الاسلامية، وليس الاخلاق الاسلامية، هي أساس تكوين المجتمع الاسلامي وتكوين علاقاته كلها.



      تم بحمد الله وشكره

      في 1/1/1414هـ

      20/6/1993م

    صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •