الفصل الحادي عشر
في لحظة فتحت عينيها، كان نور مصباح القراءة يبدد جزء ً صغيرا ً من ظلام الغرفة، حركت يدها فأحست بآلام في رسغها فأدركت أنها قد نامت متكئة على يدها.
كان الفجر قد حل، نهضت بتثاقل وأدت فرضها وعندما انتهت أنارت الغرفة، لمحت الأوراق المتناثرة على السرير، وعادت إلى ذهنها الكلمات المسطورة فيها، وداخلها شعور بالضيق والهم، تناولت الأوراق، جمعتها في حزمة واحدة، وعادت لتستلقي في السرير وتقرأ بتعب وحزن.
كان الفصل الذي بين يديها عبارة عن رسالة طويلة جدا ً من خالد إلى نورا، وكانت الرسالة تبدأ بـ :
( حبيبتي نورا
لحظة... لا تعقدي حاجبيك ِ ولا تسخطي على جرأتي، أعرف أنها أول مرة أخاطبك ِ بها بهذا اللقب، بل أنت ِ أول من أقول لها " حبيبتي"، ولكن خذيني بالرفق وأقرئي الرسالة إلى نهايتها.
سأحدثك ِ في هذه الرسالة عن نفسي فأنا لم أحدثك ِ عنها إلا القليل، سأفعل الآن وإن كان لي عندك ِ فضلة مودة لم تطيرها كلمتي السابقة فلا تتململي من حديثي، فقد كنت أسعد كثيرا ً عندما كنت تحدثيني عن نفسك، آرائك، صديقاتك، واليوم أظن أني قادر على الرد بالمثل.
ولدت في صيف لاهب في قرية صغيرة مطمورة بالرمال، كنت أول حفيد لجدي، وربما هذا هو السبب الذي جعله يفقد وقاره كما أخبرتني أمي، حيث صار يأتي كل حين إلى غرفة النساء ليطل علي في المهد، يتأمل خلقتي وملامحي الصغيرة وهو يردد ( ما شاء الله... ما شاء الله... الخشم خشم عمه سلطان، والعيون عيون أميمته، والخشيشة خشيشة خالته أسماء، يا الله أنك تغفر لي والوالدي، اللهم صلي على محمد... يا زين ذا الولد زيناه... كله ملح)، طبعا ً هي ملاحة وفق مقاييس جدي وللمرآة رأي آخر.
كان أبي يعمل عملا ً ما، تجارة أو نقل يقضي بأن يتنقل بين السعودية والكويت، فكان يتغيب عن القرية شهورا ً، نقضيها أنا وأمي في كنف جدي، عندما كبرت قليلا ً أدركت أنه هناك عدم استلطاف مخفي بين أمي وعماتي، هو شيء من أمور النساء التي تعرفينها، أظن أن عماتي كن يردن تزويج أبي امرأة ما وخيب أبي آمالهن بزواجه من أمي فغضبن وصرن يعاملنها بجفاف، وأمي ليست ناقصة لسان ولا خافتة صوت، كانت ترد الصاع صاعين، ونشأت أنا بين الفريقين، كنت أتلقى القبلات من كليهما، وخصوصا ً من عمتي فاطمة التي مازلت أتذكر قبلاتها المبللة باللعاب وأنفاسها اللاهثة.
عندما اقتربت من السابعة قال أبي لأمي أنه سيأخذنا إلى الرياض حتى أدخل المدرسة وأصير "أستاد" كما كان يتمنى فيما كانت أمي تأمل أن أكون إماما ً للحرم المكي وهو حلم لم يتحقق كما ترين، صحيح أني صرت إماما ً لمسجد حينا الصغير لفترة بسيطة في أحد الرمضانات، وكنت أجتهد حينها في القراءة من المصحف والترتيل بصوت كنت أحسبه شجيا ً، حتى جاء يوم قرأت فيه سورة الأنعام ولم أنتبه أن هناك يدا ً أثيمة قد انتزعت صفحة كاملة من المصحف، عندما أحس المأمومون بقفزي لعدد من الآيات ردوا علي فأصررت على موقفي لأن المصحف بين يدي وأرى ما لا يرون، عندما انتهت الصلاة نبهوني على خطأي، أريتهم المصحف بعناد، فضحكوا وهم يشيرون إلى أرقام الصفحات، تواريت أنا خجلا ً من بلاهتي، وفي الغد قدموا غيري.
دخلت المدرسة واجتهدت في الدرس والتحصيل، وخصوصا ً أن أبي كان لديه نظرية تربوية جميلة اسمها " نظرية اللعاب" تتحدث هذه النظرية عن أن " أن كل العيال لعابين، وأن الولد ما ينضبط إلا إذا مسيته بالعقال وإلا الخيزرانة"، هذه النظرية كانت حافزا ً من حوافز لي لأجتهد، وبغض النظر هل كنت لعابا ً أم لا، فالحاصل هو أني كنت أنجح وإن كان نجاحا ً بسيطا ً، حتى تخرجت من الثانوي ودخلت في كلية المعلمين لأحقق حلم أبي وأصير " أستاد".
هنا يجب أن أتوقف وأن أعترف، صحيح أني اخترت قسم اللغة العربية، وصحيح أنه كان لزاما ً علي أن أقرأ كثيرا ً في التراث العربي حتى أحصل على مادة علمية تخولني النجاح، ولكني رغم ذلك كنت شابا ً متواضع القدرات، بلا حلم، بلا طموح، بلا هدف.
ثم جئت أنت ِ، كان الأمر كأني كنت راقدا ً سنوات طويلة في قبر مفتوح، والأتربة تنثال علي ببطء، وأن بابا ً من السماء فتح وأطللت أنت ِ منه وقلت ِ لي قم فقد طال رقادك، فقمت كأني بعثت جديدا ً.
نورا... لقد مرت بي أيام كنت أمضي فيها في الحياة، أدرس وآكل وأشرب، أضحك وأسافر وأصخب، ولكن عندما أتيت أني بدأت أفكر، لقد أيقظت ِ عندي الرغبة في التغيير.
لا أظن أني يوما ً من الأيام سأوفيك ِ حقا ً أو سأستطيع أن أرد لكي جميلا ً، لا... لا... لا ترفعي حاجبا ً وتهزي رأسا ً وتقولي ولكن ماذا فعلت أنا لكي أستحق كل هذا؟
نورا... يا نور حياتي وبهجتها، كنت أقرأ في الكلية للجاحظ، والتوحيدي، وابن خلدون، والمعري في الأقدمين، وللرافعي والزيات والعقاد والطنطاوي في الآخرين، ولكني كنت أقرأ لهم قراءة لا تجاوز حلقي ولا تنفذ إلى عقلي وقلبي، لا زهدا ً فيما يكتبون ولكنه الشيء عندما يفرض على الواحد منا فلا يقبله، ثم جاء اليوم الذي قرأت فيه لكي فأيقنت حينها أني لم أقرأ قبلها كتابا ً ولم أفهم خطابا ً.
قد تظنين أني أبالغ في كلامي، وأن حبي لكي يجرح شهادتي في قلمك، ولكن سأخبرك ِ ماذا فعلت بأحد مقالاتك ِ التي أذهبت عقلي، حيث أني نسخت مقالك ِ الشهير " التعب الأدنى" بعدما كلفت به، ولم أذيله باسم بل كتبت في أسفله " كاتب ناشئ ينتظر رأيك" ودفعت المقال تحت باب أحد المحاضرين لدينا في الكلية، وهو ناقد معروف وله بحوث ودراسات لها احترامها، وعدت بعدها بأيام لأجد ورقة ملصقة على بابه مكتوب فيها
" إلى كاتب ناشئ
قرأت ما خطته يداك يا بني، وحري بمن له هذا القلم أن يطرق الباب وأن يعرض نفسه للعيان لا أن يدفع بأوراقه من تحت الأبواب كأنها منشورات أو محظورات، تابع دربك فهو طويل ولكن لا تبخس نفسك حقها، واسأل الله لك التوفيق والسداد."
ذهلت فهذا الناقد معروف بعنفه وقلمه الذي يسوط به الكتاب والشعراء، هل تذكرين الرواية التي فازت بتلك الجائزة الخليجية، هو عينه الناقد الذي ساط الكاتب واللجنة التي تقدم الجائزة، وقال فيهم قولته الشهيرة " الذي يهرف بما لا يعرف يجيزه الذين لن يعرفوا يوما ً أنهم لا يعرفون"، المهم أني ذهلت أنه لم يشذب المقال ولم يهاجم الكاتب كما يبدو أنها هوايته الأثيرة.
نورا... صحيح أنك ِ لم تأتي بجديد في اللغة أو في الأدب، ولكنك ِ من الذين يعرفون طريق القلب، الذين تلين لهم الكلمات وتتقلب حيث يريدون، الذين يجاوزون المواضيع التقليدية ليعبروا عن هواجس القراء، رغباتهم، أحلامهم وخيباتهم، أنت ِ تستطيعين أن تقولي ما يتلجلج في صدور الجميع ولكنهم يعجزون عن الإتيان به حتى يروه مسطورا ً بين يديهم فيقولوا يا الله ما أجمل هذا وأبسطه، كأن الكاتب أطلع على أفئدتنا فقال ما أردنا أن نقوله.
نورا... الحب يجترح المعجزات، وحبك ِ صنع معجزتي، انتشلني من هوة الضياع، من الوقت الذي يمضي سدى، تعرفت عليك ِ ذات أحد، كانت الساعة الحادية عشر ليلا ً وكنت قد قصدت مقهى الانترنت الذي يبعد عن منزلنا ثلاثة شوارع والذي آتيه عندما أستشعر الملل، كان مظلما ً وغمامة من الدخان تطوق الجالسين فيه، انتحيت الركن الذي أفضله، ومضيت أتجول في الانترنت بلا هدف، في يوم الأحد المبارك ذاك الذي مر عليه الآن سبعة أشهر و اثنان وعشرون يوما ً، ولجت المنتدى إياه ووقعت عيناي على قصتك ِ ( مذكرات أحمر شفاه) جذبني العنوان كما تجذب عبارة ( تخفيضات 70 %) النساء ( ههههه، أعترف أني لا أجيد أسلوبك ِ في التهكم والتعبير، لا تشرهين)، ما علينا قرأت قصتك ِ مرتين وسط رائحة الدخان الخانقة، فأحسست كأن الرائحة النتنة قد زالت وحل محلها عطر غامض مجهول، طفقت كالمجنون أبحث عن قصصك ِ الأخرى في الموقع، وجدت يومها قصة ( فتاة غلاف) ومقالك ِ ( التعب الأدنى).
عدت إلى المنزل فجرا ً، أحمل في جلدي وملابسي رائحة الدخان العفنة، وبين جوانحي عطر كتاباتك الغامض، ورغم أني ارتجفت تحت دفق الماء البارد فإن النار التي بعثتها حروفك ِ لم تخبو بين جنبي، كانت قد تبقت ساعتان على موعد المحاضرة الأولى ولكني لم أنم، جلست ككاهن من قبيلة الزن اليابانية على السرير أستمع لضجيج المدينة التي تستيقظ، وأفكر بك ِ، كنت أتخيلك ِ حينها نائمة بوداعة رضيع.
عدت طبعا ً لأقرأ ما كتبته مرات ومرات، و لأتتبع كل ما تكتبينه حتى وعيت في يوم من الأيام على حقيقة أني بدأت أحبك ِ، لم نكن قد تبادلنا حرفا ً واحدا ً حينها، كنت أيامها أخجل أن أخط لك ِ ولو سطرا ً واحدا ً بلغتي المتواضعة ومفرداتي القليلة، كنت قانعا ً بأن أقرأ لك ِ فقط، أن أعب حروفك ِ وأن أستنشق عبقها، وأن أترك لخيالي رسم تفاصيل ملامحك.
حتى بلغ الحب مني الشغاف، وجاوز الأعطاف، جلست يوما ً على مكتبي الصغير الذي تغطيه الكتب الجامعية والمذكرات والملخصات، وبين يدي ورقة بيضاء مسطرة، وجعلت أتأمل الخطوط الزرقاء الدقيقة المتوازية وأنا أكد ذهني بحثا ً عن شيء أكتبه لك ِ، وكلما فكرت في جملة أعود فأنبذها مستسخفا ً، حتى أدركني اليأس، فرفعت بصري إلى سادة القلم المستقرين على مكتبي، استعطفت المازني، وتملقت الرافعي، وداهنت الزيات، ولكنهم كانوا عني في سبات.
يومها أوقد حبك ِ شرارة الثورة، ثورة العاشق الذي اقتضى حبه أن يغير نظام حياته من أجل حبيبته، ثورة عصفت بكل شيء في حياتي، برنامجي اليومي، هواياتي، الناس من حولي، يومها وضعت رسالة لائقة لك ِ كهدف أمامي ومضيت أبحث عن كل ما يؤهلني لأكتب لك ِ، نورا... كان الطريق مريرا ً متعبا ً، أمضيت شهرين في الصيف في القراءة اليومية، وألغيت سفرة كنت قد أعددت لها مع أصدقائي، وفي النهاية صار بين يدي رسالة أستطيع أن أرسلها لك ِ، كانت هي الأولى، وصار ما تعرفين من ردك ِ علي، والرسائل التي تبادلناها، وانتقالنا إلى الحديث المباشر على المسينجر وصولا ً إلى رسالة اليوم.
نورا... كنت قد قطعت على نفسي عهدا ً أن لا أؤذيك بكلمة، كنت أتخير ألفاظي لك ِ رغم لهفتي الشديدة وحبي الجارف، كنت آنف أن أدنس طهرك ِ وأن أتجاوز أخلاقي وتربيتي، كنت أكبت الحب وأعيد النظر في الحروف لأتأكد أن لا كلمة تسللت من رقابتي الصارمة.
تتسألين ما الذي غيرني اليوم؟ هل تجاوزت أخلاقياتي؟ هل أرضى أن يمسك ِ سوء أو أن تعلوك ِ كآبة؟ لا والله... دون ذلك الموت، ولكني تعبت يا نورا... تعبت... وصار يتملكني الآن شعور عداء المسافات الطويلة الذي جرى كل المسافة ثم أدرك في اللحظات الأخيرة أن السباق ألغي، وأن تعبه وجهده لا معنى له.
نورا... أدركت منذ فترة بسيطة ومن سياق كلامك ِ أنه لا مكان لي في قلبك، لا الآن... ولا مستقبلا ً، وأن نظرتك ِ لن تتعدى يوما ً ( القروي البائس الذي يلوك الحروف)، يقولون في الإستراتيجية العسكرية دائما ً لا تبدأ حربا ً لا تستطيع كسبها، أنا لن أكسب هذه الحرب.
وبما أني خاسر لا محالة، واستباقا ً للطعنة القادمة، فسأمزق فؤادي مختارا ً وأرحل، سأحمل حروفي الكسيرة، سأحمل بقايا الحلم الميت بين يدي كطفل مات اختناقا ً، سأرحل لأوقف الاستنزاف اليومي لقلبي.
منذ يومين أعطيت أمي الإشارة التي كانت تنتظرها لتبدأ رحلة البحث عن زوجة لي، لم أشترط شيئا ً، تدور أمي الآن باحثة عن هذه البائسة الصغيرة المتشبثة بالحلم، هذه البائسة التي ستفرح عندما يقال لها أنه هناك من تقدم لها، ستبدأ بالاستعداد... ستطوف الأسواق لتشتري كل جديد وجميل تكسو به جسدها، وفي ليلة العمر ستبكي أمها وهي تودعها، ستزهو في حفل أمام الحاضرات وأمام صديقاتها وقريباتها، ثم ستخطو إلى منزل قد سد صاحبه قلبه منذ زمن، وبعد أيام تعلم إلى أي قبر اقتيدت، لن تسمع أصداء الكلام الجميل... سترى بؤسها يجوب زوايا المنزل، تهرع بهلع إلى الهاتف... تحدث صديقاتها بهستيريا ( ما يكلمني كثير... ما ني قادرة أفهمه يا بنات... أحس إني مخنوقة... ياليتني ما تزوجت... خايفة... خايفة) سيطمئنونها ويطالبونها بالصبر وأنه ستتغير الأحوال إلى الأفضل مع الأيام، وتمر الأيام ولا يتحسن شيء وترضى هي بواقعها الكئيب، ويبقى صاحب القلب المغلق يتمتم نورا.
أليست بائسة؟ لا... لا... لست متوحشا ً يا نورا، أنا عاشق مصدوم، يتقلب كل ليلة على الألم بأن حبيبته ستذهب إلى غيره، وأن كلماتها وضحكاتها سيستمتع بها رجل آخر. )
توقفت نوال عن القراءة مع تجمع الدموع في عينيها من جديد، أخذت نفسا ً عميقا ً، نظرت إلى الساعة، لم يتبقى الكثير على موعد ذهابها إلى المدرسة، نهضت لتصلح من حالها.
عندما انتهت كانت قد تبقت خمس دقائق على موعد خروجها، وبدلا ً من أن تتناول إفطارها المعتاد، تناولت الأوراق وقفزت بقية الأوراق وقصدت الصفحة الأخيرة:
(
هكذا... لا رسالة بعد اليوم ستصلك ِ مني، ولا رسالة منك ِ سوف أستلمها، سأقوم بإلغاء هذا البريد الآن، لن ألج المنتدى يوما ً... بل ربما أغادر الانترنت كاملا ً... كل ما سأصطحبه معي حبك ِ... كلماتك ِ... والامتنان العظيم على الدافع الذي وفرته لي لأرقى بنفسي فكريا ً... والألم العميق من تأثيرك ِ على نفسيتي وصحتي.
نورا... هو الوداع... لا لقاء إلا في الجنات بإذن الله، أتمنى أن لا أكون مجرد شخص عابر في حياتك.
أرى الطريق الآن يتبدى لي موحشا ً، كمسافر مع قافلة اكتشف في القفار أنه فقدهم، أنا الضائع يا نورا في قفار الحب، أنا التائه الشريد.
أهدي لك ِ بيتين نظمتهما:
هونا على قلبي ولا تذهبا /// بروحي فما زلت متعبا
إذا المجنون بليلى مات معدما /// فأنا في نورا أحيا معذبا
خالد
انتهت الرسالة
* * *
((إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ))
- تمت الرواية بحمد الله –)
لفت نوال الأوراق وحملت حقيبتها وانطلقت إلى سيارة سعد التي تنتظرها في الخارج.
* * *