الخاتم
قصة قصيرة
كتبها : أحمد كمال
أحدهم يطرق الباب ، بينما الرجل ممداً على فراشه كورقة شجر ذابلة ، عيناه زائغتين ، غائرتين ، وشعره كثيفاً طويلاً ، تبعثر على رأسه المتكور ، ووجهه المقبور مابين شاربه الشارد ، ولحيته المتوحشة ، وتجول الحشرات في كل هذا ، والجرذان تتصارع على فتات لقيمات متعفنة من حوله ، في ظلام حالك ، لا تزال روح الرجل في جسده بغير معنى ، والطاقة في عقله بغير هدف ، ودقات قلبه مجرد عدد ، ونبض عروقه بغير سبب ، جف حلقه من العطش ، وتقلصت معدته من الجوع ، كان يحاول النهوض ، لكن جسده المتهاوي دائماً يخذله ، فيستسلم للرقود ، بلا حراك مقصود .
انفتح الباب ببطيء ، نتج عنه ضجيج من احتكاك الحلقات الصدئة ، الضجيج يملأ السكون ، وإذا بالغرفة المظلمة ، بوجه الضيف تضيء ، فالتفت إليه الرجل الذابل ، الراقد على الفراش الحقير ، يرنوا إليه ببصره مستغرباً ولوجه إلى ذلك المكان السحيق ، قائلاً بصوت مريض :
- ماذا يا أنت تريد ؟! أأنت ملاكاً جئت لتقبض روحي ؟!
فارتسمت على شفتي الضيف ابتسامة رقيقة ، ورد عليه وهو يخطوا بحذر نحوه ، بصوت المستريح قائلاً :
- بلى ، أنا إنسان مثلك ، مولود لمعروف فعلته !!
فأراد الرجل الهزيل أن يضحك ، فاهتز وداهمه سعال شديد ، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ملؤها سخرية ، ويقول بينما الضيف قد التصق بالفراش الحقير :
- أنا لا أتذكر معروفاً فعلته ، ربما إنك من الضالين !!
فيجلس الضيف على حافة الفراش ، في مواجهة الرجل الهزيل ، وضياء وجهه قد أرهق عيني الرجل ، فأشاحهما عنه ، بعد أن انقبضت عضلات وجهه ألما، ولكنه استراح لما سمع الضيف يضيف ، بصوت المديح :
- لكن معروفك يتذكرك ، ولا ينساك أبداً .
فاستغرب الرجل والتفت إليه ثانية ، وهو يقاوم ويستحضر قواه ، وينظر وملامح التعب بادية على وجهه ، ثم يعود ليتأمله ، المرة تلو المرة ، حتى خارت قواه ، فألقى بجسده الهزيل ، على الفراش الحقير ، قائلاً بإعياء شديد :
- أنت تسخر مني ، هذا أكيد إني لا أعرفك .
فيربت الضيف بيده على يد الرجل قائلاً :
- إذن دعني أذكرك ؟!
وراح الضيف يذكر الرجل قائلاً بصوت الراوي الحصيف :
- منذ أربعين سنة ، جاءك رجلاً مستغيث ، تلد زوجته ولا مال عنده ، وأنت وقتها كنت ثرياً ، ولم يكن في جيبك مال ، فخلعت له خاتمك الماسي ، وأهديته له ، وبعد عدة سنوات رزق الله المستدين ، وأشترى الخاتم من جديد ، وراح يبحث عنك حيث يعلم ، وحيث أعلمه الآخرين ، حتى سلك دروب المستحيل ، ولما ملأه اليأس عاد بخيبة الأمل ، وباع الخاتم من جديد ، وهو ينوي على شيء جديد ؟!
اعتدل الرجل على فراشه ، وراح يتذكر بينما الضيف يواصل حديثه البعيد :
- هداه من يهدي ، فاشترى لصاحب الخاتم غنماً ، ورعاها له مع غنمه ، وتمر الأعوام كأنها وميض ، والأغنام تتناسل وتزيد .
فجلس الرجل على فراشه ، وأسند ظهره القليل ، على الجدار العليل ، وراح ينصت والضيف يواصل الحديث :
- ضاق الوادي بالغنم ، فراح يبيع منها ، ثم يشتري من جديد ، ولما حقد عليه الرعاة ، هداه من يهدي ، فاشترى أرضاً واسعة ، فسيحة ، عند أطراف المدينة ، وأراح نفسه ، واستراح .
فاعتدل الرجل في جلسته ، حتى قعد وأسند رأسه على قبضة كفه ، المشعر ، المشيب ، وراح الضيف يكمل الحديث :
- ويشق الأرض طريق ، وتصبح المزرعة في قلب المدينة ، وتمطر السماء على الرجل المستدين ، أمولاً حصرها مستحيل ، وبدلاً من المزرعة شيد مزارع ، ومصانع ، وأصبحت المؤسسة ، مجموعة اقتصادية ليس لها مثيل ، تصنع اللحوم ، والجلود ، والأحذية ، وتدر ألبان من كل لون .
فتحشرج الرجل ، وراح يسعل ، كأنه يلتقط نفسه الأخير ، فأسرع الضيف يعسعس حوله عن كوب ماء ، فلم يجد إلا صنبور ، فملأ كفيه ، وأسرع إليه ، وسقاه بكل ما ملأ ، حتى هدأ سعال الرجل المستكين ، وراح ينظر إلى ضيفه وهو يشير بوجه مستريح ، أن يكمل ، فعاد الضيف إلى جلسته ، وراح يواصل حديثه :
- ومات الرجل المستدين ، ويبقى معروفك شاخصاً أمامك ، فأنا المولود ، وهذا خاتمك ، وهذا صك أموالك .
إلا أن الرجل تأتيه صحوة ، وتحركه ثورة ، تجعله يصيح ، ويهب واقفاً وهو يدور حول نفسه ، والدموع تفيض من عينيه وهو يناجي من يناجي قائلاً :
- صعبتها علي أيها الضيف الكريم ، فقد كان عندي أمل والآن أضعته
وينظر إليه الضيف مستغرباً بينما الرجل يواصل قائلاً :
- أضعت آدم الذي حمل الأمانة ولم يصنها ؟
- الذي أكل من التفاحة ولا يزال يأكلها
- الذي أزهق نفس أخيه ولا يزال يزهقها
- الذي أفسد في الأرض ولا يزال يفسدها
ثم وقف ثابتاً أمام الضيف ولا زالت دموعه تفيض ، ويبدوا من صوته نحيب قائلاً :
- إذا كان هذا مردود خاتمي ، فإن ديني ثقيل حمله ، والأمانة لا تضيع ، يضيع فقط من يحملها ؟!
ويذهب مولود معروفه ، ويبقى خاتمه ، وصك أمواله ، على الفراش الحقير
انتهى