ثم فرج الله عنا بمنه وكرمه ، فآثرت أنا البقاء في البلد لمتابعة ورعاية الدعوة التي بدأناها ، وكلي أمل أن أنقلها غرباً عبر النهر فلي هناك آمال وطموحات ..
وآثر أبو مصعب قطع ذلك والسفر إلى أفغانستان ، ولم يكن ذلك ليعجبني خصوصاً مع تحفظاتي آنذاك على الأوضاع هناك ، أما هو فقد كان متحمساً لذلك ويحث كل من يعرف عليه ، وإن يك آلمني العمل على تفريغ الساحة من الشباب الموحد ، فلم يؤلمني صنيع أبي مصعب بقدر ما آلمني صنيع أبي عبد الرحمن - رائد خريسات حين خرج هو الآخر مع طائفة أخرى من إخواننا من شباب السلط إلى أفغانستان فكردستان حيث قضى نحبه هناك هو وطائفة من إخواننا في قتالهم لتحالف الشمال الكردي وذلك بعد أن قطع شوطاً في الدعوة وإنشاء معسكرات تدريب وإعداد ..
آلمني صنيع رائد رحمه الله لأنه كان رائداً أو رأساً في الدعوة إلى الله في بلده وشعلة متوقدة بين الشباب وشوكة وشجى في حلوق أهل البدع .
أما أخونا أبو مصعب فكان يقول لمن يعتب عليه الهجرة من البلد : انه رجل يحب الجهاد ولا صبر له على طلب العلم وتدريسه والدعوة إلى الله ، فاستنفر هو الآخر طائفة من إخواننا معه إلى أفغانستان حيث استفادوا من ظروف البلد ومعسكراتها ..
ولكنها كانت استفادة مكشوفة لمخابرات بلادنا لاختلالات تنظيمية قاتلة كانت تبلغني وأتألم لها وأحاول جاهداً مناصحتهم ما استطعت إلى ذلك سبيلا ..
وبلغني أن أبا مصعب ومن معه من الشباب امتنعوا عن القتال مع الطالبان لما عاينوا أشياء كنت أتحفظ بسبب بعضها على الأوضاع هناك ولا أتحمس للسفر الذي تحمس له غيري ، فعاينت تلك الأشياء بعين البصيرة في وقت مبكر دون أن أتجشم تلك المسافات التي قطعوها كي يعاينوها بعين البصر ، مع أنها أشياء كانت معلومة تتناقلها وكالات الأنباء والصحافة وسمعنا بعضها من خلال جهاز الراديو قبل أن يفرج عنا ، ومع ذلك فقد كان الحماس والخروج من تحت ضغط أعداء الله هو المحفز الذي أعان على غض الطرف عن تلكم الأشياء أولاً ، ولا أدري ما الذي ضخمها وجعلها موانع للقتال في صفهم فيما بعد ، مع أن الأصول تقتضي غير ذلك ..
وكانت تبلغني أخبار الإخوة تباعاً من اعتقال أو تقلب وانتقال أو رجوع إلى الأردن وغير ذلك مما كان يبلغني فأتحسر معه على تبعثر جهد إخواني وتفرقهم وتشتت طاقاتهم في الأقطار بين أفغانستان وكردستان ثم باكستان وإيران فالعراق ..
واعتقال طائفة منهم في الباكستان وطائفة أخرى في إيران وطائفة ثالثة في كردستان والعراق ..
وأتألم على ما آل حالهم إليه بسبب العمل من غير برنامج واضح ، والتنطط من جهة إلى جهة بحسب الظروف وتقلبها لا بحسب استراتيجية واضحة وخطة مسبقة ..
وكنت أتابع تلقف المخابرات في الأردن للعائدين منهم كمصادر غزيرة للمعلومات كانت تغنيهم حقيقة عن تكلف بث العيون والجواسيس هنا وهناك ..
كانوا يتابعون من خلالها التفاصيل الدقيقة لأخبار الشباب بصورة مفصلة في أفغانستان وكردستان وتفاصيل نشاطاتهم ومعسكراتهم ومساكنهم وعناوين إقامتهم وكناهم الجديدة ، ولقد كنت أصدم بهذه المعلومات المفصلة وأتألم لها عندما كنت أواجه بها من المخابرات حين كنت أحاول التمويه على إخواني قدر الإمكان فكنت أعرف من تحقيقاتهم معلومات مفصلة عن الشباب أسمعها لأول مرة ، فإذا تَثَبَّتُ منها بعد الإفراج عني وجدتها كما قيلت لي ، وليس ذلك قطعاً من فطنة أعداء الله ولا من ذكائهم ، وخسئوا من أن يعلموا الغيب ، ولكنه من تهلهل أوضاع الشباب التنظيمية وتفريطهم الأمني القاتل ..
وناصحت بعضهم في أشياء من ذلك ، وراسلتهم ، وكلفني ذلك من أذى أعداء الله وغيرهم ما أحتسبه عند الله ، وتحملته شفقة وحرصاً على إخواني وجهودهم وطاقاتهم أن يتسلط عليها أعداء الله ويحبطوها ، وكنت أتألم من السطحية العجيبة في تعاملهم مع المسائل التنظيمية والعسكرية وضحالة التجارب وتخبطها والتي تسببت بإحباط عدة محاولات لأبي مصعب من العمل التنظيمي الذي سعى في إقامته في الأردن ، وما ترتب على تلك المحاولات ( غير الناجحة ) من جرجرة مجموعات من الشباب إلى السجون في ثلاث محاولات حتى الآن بلغت أحكام بعضهم إلى الإعدام على ( لا شيء ) عملوه ، هذا غير ما غنمه أعداء الله في التجربتين الأخيرتين من أموال طائلة ؛ المسلمون ودعوتهم وجهادهم في أمس الحاجة إليها .. كنت أتابع هذا وأناصح أهله أحياناً ولكن ..
بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
وكنت أتألم لذلك وأتوجع لانتقال الاختلالات التنظيمية والتهلهل الأمني من أفغانستان إلى التجارب المحلية عندنا من خلال اختيارات لأبي مصعب لم تكن موفقة ؛ وذلك باختيار أشخاص يفتقرون إلى أدنى شروط العمل التنظيمي وخبراته ، ورغم وفرة الإمكانات المالية التي كنا نتألم ونصدم بمصادرة أعداء الله لها بعد إحباط كل عمل ؛ فلم يستثمرها المعنيون في عمل مفيد للأمة والجهاد بل ولا حتى في الأخذ بالاحتياطات الأمنية التي تتناسب مع الطموحات والآمال ، وهذه أمور لا أتكلم عنها رجماً بالغيب ؛ فقد عاينتها بنفسي عند إحباط تلك التجارب والأعمال القصيرة وعاينت أحوال أهلها وتفاصيل تخليطهم حين سجنت معهم وكنت قد ناصحتهم بأشياء من قبل كنت غير مطلع على تفاصيلها ولكني كنت أتفرسها وأتوسمها فتقع بعد ذلك كما كنت أتوقع وأتخوف ..
وغالبا ما كنت أجر معهم إلى السجن بسبب تلك المناصحة أو بسبب حيازة أولئك الشباب لكتاباتي أو معرفة بعضهم بي واعترافهم بذلك دون أن يربطني بهم رابط تنظيمي ودون أن يطلعوني على شيء من ذلك ، ولكنني كنت أرى وأتفرس نتائجها بمقدماتها من خلال خبرتي وتجاربي في مجال العمل الدعوي والتنظيمي والتي لم يستفيدوا منها حين ناصحت بعضهم ، نعم استفادوا من كتاباتي وأيضاً من اسمي واستظلوا " بمشيختي " وأشياء أخرى يحزن ذكر تفاصيلها ويؤلم المؤمنين ويقر
أعين أعداء الدين ، ما كنت لأنزعج منها أو أتألم لها لو كان عملهم سديداً كيسا متقناً .. أعرض عن ذكرها هاهنا ..