كانت تلك الظهيرة غائمة باردة في شهر ديسمبر، وكان الأولاد الثلاثة يتسكعون في
السوق منذ الصباح، وعند الظهر تناولوا شيئا من شرائح البطاطا، واختلسوا إصبعين من
الشوكولا من كشك بائع الصحف، وبذلك سدوا شيئا من جوعهم ولم يشعروا بالبرد أيضا حتى
طردوا من بيت صديقهم " محمد ". وما أن أدنت الساعة من الثالثة والنصف حتى أحسوا
بالبرد. تملكهم الغيظ. تمنوا لو ذهبوا إلى المدرسة.
قال " فهد " وهو الولد الأصغر لـ " خالد ": كم علينا أن ننتظر ؟
كان خالد في الرابعة عشر من العمر، وهو صبي نحيف أسمر أذكى من الصبيين الآخرين
بكثير. ونظر خالد إلى ساعته قائلاً: أوه، هيا بنا نذهب ونرى فيم إذا كان الطعام جاهزاً.
ارتدى سترته وقادهم خارج السوق حتى دخلوا أحد الشوارع القديمة التي تؤدي إلى نفق،
وأخذت الريح الباردة تجرف معها ظروف البطاطا الفارغة والصحف القديمة، حتى أنها كانت
تصطدم بكواحلهم. وبدأ الأولاد يحومون حول زاويتين، خارج كشك صغير لبيع الصحف،
وكانت إحدى نوافذ العرض فيه مليئة بأشرطة الفيديو. وفتح " سيف " باب الكشك الذي أصدر
صريراً، وكان الشارع فارغاً إلا من سيارات ( الداتسون ) الخالية من العجلات، والتي تناثر
زجاجها نصفه في السيارة ونصفه في الرصيف. وبعد مضي بضع ثوان خرج " سيف " من
الكشك وقال : حسناً، إن كل شيء على ما يرام.
ودخل الولدان الآخران الكشك، وكان المكان يعج برائحة الصحف الممزوجة قليلاً من
رائحة الشوكولا والدخان وبعض الأشياء المسلية. لم يكن فيه شيء ملفت للنظر، وشعر فهد
بمعدته تقرصه من شدة الجوع. وتظاهر بعدم الاهتمام، وتناول كتاباً ذا غلاف ورقي كتب
عليه عنوان " برج الدلو " وقرأ عليه أيضاً: لم يعلم فيم إذا كان برجه الدلو أم لا، ولكن كان
عليه أن يبدو رابط الجأش.
خرج رجل عجوز من الخلف، وكان يحمل كوباً من الشاي، ورشف منه رشفةً قبل أن
يتفوه بكلمة واحدة.
وقال: نعم يا أولاد؟
وصعد خالد نحو طاولة البيع وقال: هل أحضرت شريط الفيديو الذي أخبرتني عنه في
الأسبوع الماضي. وأخذ العجوز رشفةً أخرى من كوب الشاي، ثم قطب عينيه قائلاً: وما ذاك
الشريط؟ إني لا أذكرك .
لقد قلت لي إنك ستحضره في هذا اليوم. الشريط يحمل اسم "منتزه سناف " ولقد حدثتني
عنه _ وبدأ الرجل يتذكر ذلك، وبدا ذلك في عينيه، ثم ابتسم في حذر وقال: بالطبع إني أتذكر.
عليكم أن تكونوا حذرين. وذاك هو كل شيء. ثم قال لهم: انتظروني هناك. ووضع كوبه على
الرف وخرج. وبدأت عينا سيف تنظران إلى السكاكر، وهما مقطبتان، أما " خالد " فقد وضع
يده على ذراعه الأخرى وهز رأسه، وخيم الصمت على الجميع. وبعد دقيقة عاد العجوز
ومعه شريط فيديو، ووضع هذا الشريط في كيس ورقي بني اللون، ودفع مارتين أجرة
الشريط، وأعاد فهد الكتاب مكانه وفتح الباب ذا الصرير.
وقال العجوز: وداعاً يا أولاد، أتمنى لكم أن تستمتعوا بهذا الفيلم، قال سيف حالما خرجوا
من الكشك: دعونا نلقي نظرةً.
وأخرج خالد شريط الفيديو من الكيس الورقي، ولكن لم يكن هناك عليه أية صورة، وإنما
كان عليه ملصقةً بيضاء مستويةً كتب عليها " منتزه سناف "، وقرأ عليها أيضاً ( 112 د )
طبعت بالآلة الكاتبة.
واستفسر سيف قائلاً: ما معنى ( 112 د ) ؟
أجاب مارتين: إنها 112 دقيقة. وهي مدة الفيلم. وأعاد مارتين الشريط إلى الكيس وقال:
هيا بنا، دعنا نتناول كوبا من الشاي إنني منهك.
































B.L.U.E