بسم الله الرحمن الرحيم
التأمين حرام وإجبار الناس عليه مبارزة لله في المعصية
التأمين كله حرام شرعاً، سواءً أكان تأميناً على البضاعة أو على الحياة أو على السيارات، وإن إجبار الناس على التأمين من قِبل الحكومة هو إجبار على القيام بالحرام، وهذا منكر لا يجوز السكوت عنه، لأن الإسلام فرض على المسلمين محاسبة الحاكم إذا قام بعمل يخالف الإسلام. هذا وقد سنّت الحكومة في الكويت قانوناً نشرته في جريدة “الكويت اليوم” عدد 244 المؤرخ في 11/10/1959 تجبر أصحاب السيارات على التأمين. وكان الأمر الطبيعي أن لا يطيع الناس، بصفتهم مسلمين، هذا القانون لأنه يأمر بعمل حرام، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذا إن لم يهبّوا لمحاسبة من استنّه، خاصة وقد حدث في الكويت أن نزل الحاكم عند رغبة الناس فيها مراراً، وأقرب حادثة اعتراض التجار على قانون الجنسية الذي كان يسمح بإعطاء الجنسية الكويتية لمن مضى عليه في الكويت ثماني سنوات من الأغراب، فعُدّل بناء على اعتراضهم، فصارت المدة خمسة عشر سنة بعد إقرار قانون الجنسية، ولو أن الدافع لذلك الاعتراض كان المصالح الدنيوية لا الحكم الشرعي، إذ الحكم الشرعي يعتبِر ذلك مخالفة والشرع يعتبِر المسلمين متساوين في الحقوق والالتزامات بغض النظر عن أقاليمهم، فالمهم أن الحكام في الكويت سمعوا للناس ونزلوا عند رغبتهم المخالفة للشرع، فكيف لو كانت رغبتهم مؤيَّدة بالدليل الشرعي؟ إلاّ أنه لمّا كان إجبار الناس على التأمين لا يؤثر على مصالح التجار، لم يعترضوا عليه فوقعوا في المنكر عندما قاموا بتنفيذه، بل السكوت عنه، خاصة أن حوادث السيارات في الكويت بلغت حداً يلفت النظر، فلا يمر يوم بدون حادث، فالحديث عن مساوئ التأمين ملأ الأفواه، إذ بسببه يباشر السائق قيادة سيارته بدون مبالاة. ولكن الناس رغم ما يشاهدون أيضاً من أضرار قانون التأمين لم يعترضوا عليه حتى الآن، متناسين جميعاً أن هذا عمل حرام يباشَر بقانون من حاكم مسلم، وينفَّذ من قِبَل المسلمين، كثيراً منهم يعلم حرمته ولا ينكر ذلك مع أن ذلك فرض.
وقد جاءت حرمة التأمين من وجهين: كعقد باطل يخالف الشرع، وكضمان غير شرعي أيضاً. أما العقد فباطل لأن العقود في الإسلام يجب أن تقع إما على عين وإما على منفعة، وقد تكون بِعِوَض وقد تكون بدون عِوَض. فالعقد على العين بعِوَض كبيع سيارة، والعقد على العين بدون عوض كإهدائها إلى آخر. أما العقد على المنفعة بعوض كاستئجار بيت والعقد على المنفعة بدون عوض كالعارية. ومِن فهْم واقع التأمين الذي تلتزم فيه الشركة للمؤمِّن بدفع مبلغ من المال في مدة معينة وتحت شروط معينة بدلاً من الشيء المؤمَّن عليه إذا حصل له حادث، نجد أن التأمين لا ينطبق على العقد الشرعي لا الخاص بالعين ولا الخاص بالمنفعة، فالسيارة قبل إجراء عملية التأمين هي سيارة المالك وبعد التأمين بقيت سيارة المالك، فملكية العين والمنفعة بها، قبل التأمين وبعده، لم يطرأ عليه أي تغيير. أما المبلغ الذي يدفع إلى شركة التأمين حال وقع حادث للشيء المؤمَّن عليه وطبقاً للشروط المنصوص عليها في عقد التأمين، فإن المبلغ لا يعتبر منفعة لأنه غير ناتج عن العقد، وإلا لكان حتمياً لا يتخلف. فالواقع أن الشركة لا تدفع لكل شخص أمّن على سيارته أو على بضاعته، فمن الخطأ القول إن المنفعة نتجت عن العقد، بل أنها جاءت نتيجة للضمان الذي اشتمل عليه العقد، فعليه فالعقد باطل شرعاً لأنه ليس عقداً شرعياً.
أما بطلانه كضمان، فلأنه يخالف الضمان الشرعي. فالضمان يشترَط فيه أن يكون ضماناً لحق واجب في الحال أو المال. فما هو الحق لصاحب السيارة مثلاً أو بالأحرى للمؤمِّن فجاءت شركة التأمين وضمنته له. ودليل ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما وُضِعت قال: (هل على صاحبكم من ديْن؟) قالوا: نعم، درهمان. فقال: (صلوا على صاحبكم) فقال علي: هما عليّ يا رسول الله وأنا لهما ضامن. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه، ثم أقبل على عليّ فقال: (جزاك الله خيراً عن الإسلام وفكّ رهانك كما فككت رهان أخيك). فقيل: يا رسول الله هذا لعلي خاصة أم للناس عامة؟ فقال: (الناس عامة). ومن الحديث الشريف يُفهم أيضاً أنه لا بد أن يكون هناك ضامن وهو سيدنا علي رضي الله عنه، ومضمون له وهو صاحب الدين، ومضمون عنه وهو الميت، وذلك عند وقوع الضمان، وهذا غير حاصل في عقد التأمين، فمن هو المضمون عنه في عقد التأمين؟ ومن الحديث يُفهم أيضاً أن الضمان الشرعي يكون بدون معاوضة أي لا يأخذ الضامن زيادة عن المبلغ الذي ضَمِنَه، أما الحاصل في التأمين فإن الشركات تفعل ذلك مقابل عِوض، وهي شركات قائمة على أساس هذا العوض، فلذلك يعتبر ضماناً باطلاً ويكون القيام به عملاً حراماً.
فقد يتساءل الكثيرون أن هناك كثيراً من السائقين الفقراء، المعرضين لحوادث تقع منهم قضاء، فأنّى بهم دفع الدية في الكويت والبالغة ستة عشر ألفاً من الروبيات؟ فهذا التساؤل يجب أن لا يجرّنا للتخبط في الواقع دون الاستنارة للاهتداء لحله من الكتاب والسنّة. إن الإسلام جاء الناس بأحكام شرعية، فوجب عليهم التقيد بها على أساس أنها أوامر ونواهٍ من الخالق المدبر سبحانه وتعالى، ولا يجوز تحويرها وتعليلها حسب المصلحة، ولو أن الله عز وجل قد استهدف من أحكامه مصلحة الإنسان قطعاً، وهو الوحيد العالِم بمصلحته الحقيقية لأنه خالقه، لذلك يجب أن يتقيد بالأحكام الشرعية مهما كانت شاقة، حسب ما ورد بها النص، وحسب ما تشتمل عليه النصوص من معانٍ، بعد الفهم الكامل للمشكلة القائمة. وقد أوجب الشارع على من هم مكلفين النفقة، أي القيام بهذه النفقة، وفي حالة عجزهم عنها تقوم الدولة بذلك. ففي حالة وقوع حادثة نفس تُلزَم عائلة السائق بدفع الدية، فإن عجزوا تُلزَم الحكومة بدفع الدية، ودليل ذلك “كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات عليه ديْن. فأُتي بميت فسأل: (عليه ديْن؟) قالوا: نعم، ديناران. قال: (صلوا على صاحبكم)، فقال أبو قتادة: عليّ يا رسول الله. فصلى عليه، فلما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه. فمن ترك ديْناً فعليّ ومن ترك مالاً فلورثته) أي أن الرسول عليه السلام كحاكم “سلطان الإسلام” التزم بديون من يعجزون عن أدائها.
ومن هذا يتبين أن التأمين كله حرام، ولا نقول أيضاً إن جميع شركات التأمين مرتبطة بشركات التأمين الأمريكية الكبرى التي معظم مموليها من اليهود، فنكون بالتأمين قد عملنا على تقوية أعدائنا، فيجب الإقلاع عن التأمين حالاً، سواء ما كان خاصاً منه بالبضاعة أو الحياة أو السيارة أو غيرها. أما بالنسبة للسيارات فتعالَج الحوادث التي تنتج عنها حسب الشرع الحنيف الذي كفل الطمأنينة لبني الإنسان، مع العمل لوضع الترتيبات الوقائية للحد من السرعة ولتنظيم السير ووضع العقوبات الزاجرة لكل منها، وبذلك يصبح السائق المتمركزة تقوى الله في قلبه محققاً المصلحة التي توخاها الشرع نتيجة لهذه التقوى. أما السائق الشاذ فتكون المسؤولية التي استنّها الشرع لزجره وفي نفس الوقت –وهو الأهم- هي الحق الذي يجب أن يُتّبَع.
6 من ذي الحجة 1379
31/5/1960