تابع ...

وبعد موت النعمان الثالث عام 206م حكمها الفرس قبل أن يفتحها جيش المسلمين بعد ذلك بنحو نصف قرن· وكان الخط الكوفي يستخدم للكتابة على الحجارة خاصة على جدران المساجد، وكذلك على العملات النقدية المعدنية· أما النسخ فكان يستخدم في كتابة البرديات· إلا أن مدينة الكوفة نفسها لم تكن موجودة قبل ظهور الإسلام إنما بناها المسلمون في جنوب العراق لتكون قاعدة للجيش العربي هناك، وقد شيدها سعد بن أبي وقاص عام 836م فأصبحت عاصمة للدولة الإسلامية في العراق، كما أنها ظلت مركزاً هاماً للثقافة الإسلامية لمدة ثلاثة قرون· وهكذا فإن الخط الكوفي ـ وإن سمي بالكوفي ـ قد ظهر في الحجاز أولاً حيث إن القرآن الكريم قد كتب بهذا الخط في المدينة قبل بناء الكوفة· وعد الخط الكوفي مفضلاً لكتابة وحي القرآن الكريم فكتبوه على سائر المواد المتيسرة في العصر، كما تلقوه عن النبي محمد [ وكتب القرآن كما نزل وجمع في عهد الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام، وتعد فكرة جمعه الأخيرة على يد الخليفة عثمان بن عفان بين دفتي مصحف واحد نقطة الانطلاق الأولى لانتشار القرآن مع الفتوح الإسلامية بالخط الكوفي المفضل، كما تشهد بذلك قطعتان من مصحف منسوبتان لعثمان بن عفان ولعلي بن أبي طالب محفوظتان في متحف طوب قبو في استنبول، كل ذلك كان في الفترة التي سبقت تحول مركز الخلافة إلى الكوفة، وبعد نشوء البصرة والكوفة وقيام التعليم فيهما بدأت العناية بتجويد الخط الكوفي، هذا الخط الذي تأقلم بأشكال الأقاليم التي امتدت مابين وراء النهر شرقاً إلى الشمال الأفريقي غرباً إلى أن وصلت أنواعه الاثني عشر وهي: الإسماعيلي، المكي، المدني، الأندلسي، الشامي، العراقي، العباسي،البغدادي، المشعب، الريحاني، المجود، المصري، وأضيف المدني نسبة للمدينة المنورة الذي تفرع إلى ثلاثة فروع: هي المدور والمثل والتئم· واكتسبت هذه الأنواع من الخطوط الكوفية وجوهاً جديدة، هي وجوه رسوم لافوارق خصائص لاكتسابها طابعاً خاصاً في كتابة المصاحف، حيث اعتقد المسلمون أن الخط الكوفي هو الخط الذي تفرّد الخالق بإيحاء كتابته للآيات التي أوحاها على لسان نبيه محمد [ وقالوا: >إن الخط توقيف من عند الله استفاد البشر في تركيب حروفه عن طريق العقل البشري<· وبعد مرور مئة سنة تمكنت الكتابة من ترسيخ الدولة الإسلامية الناشئة في أعمال المنشآت الدينية كالمساجد والمآذن، بحيث لم يعد في الإمكان نسبتها إلى الفنون التي سبقت الإسلام، وظل الخط النسخي القديم في خدمة الدواوين الرسمية، وذلك لمرونته وسرعة كتابته فاستخدمه العامة في أغراضهم اليومية المختلفة وفي الخدمات العلمية، ودخلت الزخرفة إلى الخط العربي، حيث تعهد الأمويون بتنشيط حركة الفنون التشكيلية والخط منذ البدء في الحفر على المرمر والفسيفساء وفي زخرفة المساجد منها >قبة الصخرة والجامع الأموي وقصر المشتى وقصر عمره وقصر الحير وقصر الجوسق والقلاع، كما تعهد الناس بتزويق المصاحف وجلودها وتزيين جدران الدور، ومن هنا فقد ترابطت الفنون الإسلامية بالخط العربي والزخرفة، وذلك عندما وضعت النظريات وصنفت المصنفات من قبل الرواد

الذين كانوا يدرسون الفنون الإسلامية، وقد رعى العرب فنهم وتعهدوا ابتكاراتهم فيه بما ينسجم وعقليتهم ودينهم الإسلامي الجديد، فالخط العربي من أهم العناصر الزخرفية التي استخدمها الفنان المسلم في موضوعاته، ويظهر ذلك في كتابة الآيات القرآنية· حروف العربية لقد كانت الحروف العربية مفرطحة، متباينة، منبجعه، واستطاع الفنان المسلم أن يخضع هذه الحروف لحاسته الفنية بالتطويل تارة والحشو تارة وبالتبسيط والانتقاء والتسلسل تارة أخرى، حتى أخرج صوراً جميلة فنية اشتهرت وأعجب بها العالم كله، وليس المسلمون فقط أو العرب، فالخط العربي هو أحد أهم وأبرز الفنون التي أهدتها الحضارة الإسلامية إلى العالم، وحظي باهتمام مؤرخين ونقاد غربيين، ومنهم من أوضح تأثير فن الخط العربي على الفنون الغربية مثل سبنسر سميث الذي كتب مقالاً عام 1820 حاول فيه تفسير شريط الكتابة الكوفية في صندوق العاج الشهير في كاتدرائية بايه وفيلمن الذي درس عام 1830 الصفحة الأولى من مخطوط لرؤيا يوحنا اللاهوتي، ولاحظ أن في إطارها تقليداً عجيباً للكتابة العربية في القرن الحادي عشر، كما ترجم الدكتور زكي محمد حسن رائد مؤرخي الفن العربي كتاباً بعنوان "تراث الإسلام" عام 1936 كتبه ثلاثة من مؤرخي الفن الغربيين هم كرستي، أرنولد، بريجز ذكر فيه كريستي بالنص: الكتابة العربية التي هي كل ماقدمه العرب أنفسهم للفن الإسلامي تعد حيثما وجدت دليلاً على سيادة الإسلام وعظيم تأثيره· كما ألف الصّناع الأوربيون شكل الخط العربي بالتدريج مع أنهم لم يستطيعوا أن يقرؤه، ومن الأدلة على معرفتهم ذلك قطعة من العملة كان قد سكها أوفا ملك مرسيه 757 ـ 796 وهي الآن محفوظة في المتحف البريطاني، وهي شبيهة بالدينار الإسلامي، وفيها كلمتا الملك أوفا باللغة اللاتينية وحولهما كتابة عربية منقولة نقلاً دقيقاً· تحسين الخط العربي إن الخط ملكة تنضبط بها حركة الأنامل بالقلم على قواعد معينة، وهذه الملكة تتزين بالتعليم وتقوى بالتمرين والاجتهاد، وليس كل خطاط يمكنه أن يكون خطاطاً مبدعاً محترفاً ومتميزاً، وحسن الخط كامن في بعض الأفراد كمون النار في الحجر، لما وهبه الله تعالى من الاستعداد الفطري، فإذا مااشتعل به نبغ نبوغاً عظيماً من غير كبير عناء، وأول من اشتهر بتحسين الخط من كتّاب الدولة الأموية /قطبة المحرر/ وكان أكتب أهل زمانه، وهو الذي بدأ بتحويل الخط

العربي من الشكل الكوفي إلى الشكل الذي هو عليه الآن، وينسب إليه اختراع أربعة أقلام جديدة في مقدمتها القلم الجليل وقلم الطومار· أما في العصر العباسي فبرز (ابن ملقه) الوزير المعروف الذي كان خطه مضرب الأمثال في البهاء والجمال، فجود الخط ووضع موازين الحروف بأبعاد هندسية حتى وصل هذا الفن ـ على رأي الخطاط أحمد الباري ـ إلى مرتبة لا تضاهى وتطور الخط فناً وقواعدَ حتى العصر العثماني؛ إذ قام الخطاط التركي أحمد قره حصاري المولود سنة 873 هـ بالجمع بين قواعد شيوخه الذين أخذ منهم فاستنبط طريقة خطية خاصة به، تجمع مااختلف فيه من الخصائص والطرق التي بدأ بها أولاً، وتميز هذا الخطاط بخطه الجلي، وتشهد له آثاره الخطية بطول باعه وعلو منزلته تمثلها كتاباته في جامع السليمانية، وقد قال عنه الأتراك: إنه يتبوأ المنزلة الخامسة بين الخطاطين الأقطاب في تركيا، ويقول الدكتور شوقي ضيف في كتابه العصر الجاهلي >إن الخط العربي حدث له التطور والنمو في الحجاز نفسها، فقد كانت بها حياة تجارية مزدهرة جعلتهم يأخذون الخط المعيني أولاً ويتطورون به إلى خطوطهم اللحيانية والثمودية والصفوية، ثم لما ظهرت مملكة النبط واستخدمت الخط الآرامي وتطورت به، وتفرق أهلها بعد سقوطها في داخل الجزيرة العربية وعلى طول طريق القوافل التجارية نشروا قلمهم النبطي فهجر عرب الحجاز الخط المعيني وأخذوا يحاولون النفوذ من الخط النبطي إلى خطهم العربي الجديد مستحدثين به ضروباً من التطور حتى أخذ شكله النهائي وفي الحجاز انطلقت حداثة الكتابة العربية على مراحل، وفي مراكز متعددة وذلك في عصر النبوة لشدة لزومها ولتدوين القرآن الكريم· ومن الخطاطين الذين حدثوّا الخط العربي الأستاذ الشاعر محمد سعيد الصكّار الذي اخترق جدار الحداثة باكتشافه التصوير الخاص لشخصيات الحروف فصنفها إلى شخصيات أليفة مترددة وأخرى مكابرة أو عدوانية ، فأرسى قواعدها بصورة تقرّب ما بينه وبين الخطاط التركي أحمد قره حصاري على الرغم من المسافة الزمنية التي تتجاوز ثلاثة قرون فيما بين الاثنين · ومن سورية هناك الأستاذ الدكتور محمد غنوم الذي جعل من الحرف العربي سيمفونية يتغنى بها في أشكال فريدة، ويحاول تفجير الإمكانات الجمالية الاحتياطية للحرف العربي، وذلك من خلال حركة الخطوط وغزارتها على اللوحة، مما أكسب الخط جغرافية شاسعة من الشرق، وتتميز لوحاته بنكهة خاصة، وذلك لامتزاجها بالأصالة والتراث ، وبالتالي قدّم إلى الخط العربي مكتبة زاخرة من نتاج الحرف العربي بلوحات ناطقة يتحرك بها النبض ارتعاشاِ والعين تسمرها موسيقا سرمدية· ومن جمهورية مصر العربية هناك الخطاط أحمد مصطفى الذي انطلق من الحرف الساكن إلى لوحة تحفل بالديناميكية مليئة بالتناقضات تستدير وتنحني ويرتفع معها المشاهد إلى أعلى وكأن الحروف على وشك القفز بلا انضباط، أي على وشك مغادرة اللوحة، فهو بذلك حاول أن يعيد إلى الفن الإسلامي العلاقة المفقودة بين القلم والريشة وفي الوقت نفسه أن يجمع بين اللوحة والموسيقا، وكذلك هناك الخطاط سيد إبراهيم من مصر الذي بدأت علاقته بالخط العربي في سن مبكرة، حيث تعلمه على يد الشيخ مصطفى الغر والشيخ محمد وهبي والشيخ عبد الغني عجور والخطاط التركي حسين حسني، ثم اعتمد على جهده الشخصي في محاكاة لوحات كبار الخطاطين ،حيث أسس مكتباً للخط العربي في القاهرة عام 1915 الذي استمر 63 عاماً يعلم فيه هذا الفن لعدد كبير من الخطاطين العرب والمستعربين، ومن أبرز آثار سيد إبراهيم في مجال الخط العربي خطوط مسجد الفولي في محافظة المينا في صعيد مصر 1935 وخطوط مسجد "جاما" في الهند 1962 ونقوش جامع الحسين في القاهرة إضافة إلى كثير من اللوحات الخطية في متحف قصر الأمير محمد علي ولي عهد مصر السابق في حي النيل في القاهرة· ومن تونس هناك الخطاط محمد الصالح الخماسي الذي برزت أعماله في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي وهناك الخطاط شاكر حسن آل سعيد من العراق الذي يعرض المحيط والبيئة في الفن العراقي· ومن موريتانيا برع الخطاط خليل النحوي في الكثير من الأعمال، فهؤلاء هم القلة من الخطاطين العرب الذين ساهموا في تحسين الخط العربي في مختلف أقطار الوطن العربي سواء عن طريق الشكل الهندسي أو الرسم بالكلمات أو الزخارف··إلخ· الخط العربي والحــضارة العــربيـة الخط العربي مرآة تعكس الحلم الخالص بانتزاعه اللغة من حقيقتها البشرية ، وتقديمها في شكل فني ، وبشكل أكثر تحديداً ، والخط هو الفن الذي يعد نفسه متوفراً على هذه الصفة وقائماً على بنية متميزة ، وقواعد هندسية وزخرفية· فالخط فن متطور دون شك لأنه مقترن باللغة وبالحروف وطريقة إضفاء الحياة عليها من أشكال زخرفية وهندسية، وبالتالي هو فن الكتابة، وهناك الكثير من الشعوب التي توليه عناية فائقة، وشعوب أخرى لاتعيره الاهتمام، فاليابانيون مثلا إذا أرادوا أن يصفوا شخصاً بالجمالية والرقة قالوا: إن له خطاً جميلاً· وأخيراً نستطيع القول إن الخط العربي في الوقت الراهن يتصدر في كل مجال توافر له سواء في لوحة جدارية أو في صفحة من كتاب أو مقطع من حائط بني أو آنية معدنية، أو فخارية أو زجاجية أو قطعة قماش أن يبث فيها فنه المتوهج والمتألق في آية كريمة أو حديث شريف أو حكمة أو بيت شعر، فالحرف العربي يستخدم في تكرار إيقاعي عبر قيم ضوئية أو صوتية ليوحي ببعد منظوري، وكأنه منعكس على مرآة ويتدرج في نماذجه في انسجام حروفه ليتبدى، وكأنه ظلال متلاحقة لرؤيا ثابتة تعد من أجمل الفنون التي عرفتها البشرية·

النـــــهــــــايــــــة