لا أعاديك يا بلدي .. فيعلم الله كم أعشق ترابك
ولا أكرهكم يا أبناء بلدي فأشهد الله أن فيكم الخير العظيم
ولا أكره كرة القدم و ليس لي معها عداء شخصي لما سأقوله
هو عتابي اذن وحزني
كان هناك حادث مروع علي الطريق السريع راح فيه الكثير من الضحايا ومن قبله كان هناك حادث الحجاج وأكثرهم من المصريين وقبله مقتل الجنود المصريين علي أيدي بعض الاخوة الفلسطينيين وأخيرا حادثة العبارة المشئومة
دعك من هذا كله
رؤيتك للطفل محمد ابن السبع سنوات أحد الناجيين وهو علي فراش الوهن مغطي بغطاء الضعف والفتور .. تتلاحق أنفاسه وتتبعثر الكلمات علي شفاه
بالكاد تميز بضع كلمات تخرج مخنوقة من فمه الصغير
الفتي يقص علي الاعلاميين بأنفاسه المتقطعة أخر المشاهد التي يتذكرها .. كيف كان والده وكيف كانت والدته وقت غرق العبارة
كيف عجزت والدته عن الذهاب الي مأمن وجهها اليه زوجها فقفز الرجل يعاون زوجته .. ثم حال السكون بين الفتي وأبويه .. أو هكذا فهمت
الفتي يقص ذلك وهولا يعلم بعد ما ألم بوالديه الشهيدين
ان لم تكن تأثرت فأؤكد لك أن رؤيتك للفتي اليتيم وهو يقص حكايته أمام الاعلاميين وهم يطلبوا أي من يتعرف عليه الي القدوم لاصطحابه كفيلة بأن تستفز أعينك الجامدة علي أن تذرف بعضا من الدمع
أن تتخيل الطفلة لقاء ابنة العام الثاني والعبارة تتراقص بها هي وأمها .. وقلوبهما ستتوقف من الرعب الزاحف علي العبارة الغارقة في سكون الليل
حينما تعزف الأمواج علي جسد العبارة المائلة ألحان الموت القادم
حينما يقفز الرجال بلا أمل في المياه العميقة المظلمة
حينما تتعالي صرخات النسوة ويتعالي بكاء الأطفال وتتعالي أصوات الدعوات مقترنة بالدموع المالحة علي الألسن الموحدة والمياه تغشي الباقي من جسد العبارة المعدني وفوقه الأجساد الحية
حينما تتخيل تلك الطفلة حينما تبعدها أي موجة عاتية أو يقذف بها أي تدافع أهوج عن أحضان أمها الي مياه البحر المترامية
حينما تتخيل رئتيها الصغيرتان وقد امتلئتا بالمياه الباردة .. أو حينما تتخيلها وقد تجمدت أطرافها بفعل المياه الباردة .. أو حينما تتخيلها في أحشاء سمكة قرش تلذذت بلحمها الطري وعظمها النئ يحول ويصول بين فكيها
هل بامكانك تخيل مثل ذلك المشهد لأولادك؟
لا وكلا
أنا علي يقين أنك ستفقد الوعي اذا جابهت مثل هذا الموقف وربما اذا اكتفيت بتخيله
أن تتخيل الجثث وهي تطفو حول أحياء ينظروا وينتظروا المصير ذاته .. أن تشعر بالوهن عن الاستغاثة وأنت في بحر فيه ظلمات فوق ظلمات
منذ بضعة أيام غرقت عبارة كانت تقل 1400 راكب .. عدد الناجون 379 ناجي تقريبا .. استطاعوا التشبث بما أمكنهم التشبث به في حين ابتلع البحر ومن بعده الأسماك الجائعة البقية
في ذلك الوقت كان هناك أكثر من 80 ألف مشجع ومشجعة في استاد القاهرة لطخوا وجوهم بألوان العلم يتراقصوا طربا مع تراقص العبارة بيد الأمواج .. الأمواج في المدرجات تهتز معها نهود الفتيات والأمواج في البحر لا تهتز لها الا القلوب هلعا
حناجر الألوف تغطي علي استغاثات المساكين .. الرئيس يزور المنتخب الوطني ويدعوه لتحقيق أحلام الجماهير .. لدينا شباب متحمس فهم أخيرا معاني الوطنية فهنيئا لنا
هؤلاء لم يجربوا الموت غرقا وهؤلاء لم يجربوا دخول الاستاد مع صاحبة الحس الوطني العالي
هل هي سخرية القدر من بني البشر؟
أم هي رسالة للشباب؟
وأعتقد أن الرسالة لم تصل بعد
الجزيرة نقلت اليوم تصوير مباشر لتقاتل ما يقرب من نصف مليون مصري علي نوافذ بيع تذاكر المباراة النهائية في كأس الأمم الافريقية بين فريقهم الوطني وبين الفريق الايفواري
خرج مجانين الكرة زحفا علي نوافذ البيع منذ الفجر وفي الجو العاصف فسقط منهم كثيريين مغشي عليهم من عناء الوقوف والتدافع والتزاحم
يا ضيعة العقل
خرجوا في تاسوعاء وعاشوراء
وهي بالمناسبة نفس الأيام التي دعي لها كبار الدعاة المصريين للصوم والدعاء علي المتهجمين علي حبيبنا المصطفي صلوات ربي عليه وتناقلت الخبر عشرات الرسائل علي الهواتف المحمولة تطالب بتوحيد الصلاة والدعاء
ربما أنست الكرة مخابيلها الدعاء الي الله بعد ما حدث في الدنمارك وأنستهم التفكر في الكارثة الحادثة
وربما ينقصنا الكثير جدا
قولي وحزني ليس للمصريين وحدهم وانما علي شبابنا واخوتنا المرفهة عقولهم بدرجة التسطح
وهم كثر للأسف






































