لبنان وأصداء الماضي
بقلم :احمد عمرابي
لعل سعد الحريري قطب «حركة 14 آذار» كان يستوحي عقله الباطن عندما خرج عن السياق العام لخطابه أمام الجماهير البيروتية ليوجه تحية إلى اثنين من صنائع إسرائيل خلال الحرب الأهلية اللبنانية: بشير الجميل وداني شمعون اللذين أضفى على كل منهما نعت «الشهيد».
وبغض النظر عن معنى «الشهادة» في الإسلام ـ وسعد الحريري مسلم ـ يبدو أن هذا الزعيم الطارئ ورفيقيه في «حركة آذار» ـ وليد جنبلاط وسمير جعجع ـ يعتبرون أنفسهم حلفاء للخارج.
لقد كان بشير الجميل وداني شمعون حلفاء مناحيم بيغن وارييل شارون خلال سني الحرب الأهلية اللبنانية، وما تخللها من دخول الجنرال شارون بيروت على رأس حملة عسكرية ضارية تسلسلت إلى أن اختتمت بحلقة تحت عنوان «مذبحة صبرا وشاتيلا».
كقائد للميليشيا المارونية الرئيسية خلال الحرب كان من بين مهام بشير الجميل أن يكون حلقة الوصل بين الطائفة المارونية وإسرائيل بما في ذلك وضع مخططات مشتركة لتحقيق هدفين كبيرين:
تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان أولاً، وإنشاء دولة مارونية متحالفة مع الدولة اليهودية ضد العرب من ناحية أخرى.. على أن الجميل كان يستمد تمويل ميليشيته من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية على هيئة حسابات مصرفية سرية في سويسرا.. علماً بأن إسرائيل كانت تتولى دور التدريب.
داني شمعون كان زعيم تنظيم ماروني مسلح آخر باسم «النمور» وبالمثل كان تنظيماً تحت الخدمة الإسرائيلية يتلقى تمويله من الوكالة الاستخباراتية الأميركية.
الآن نستطيع أن نقول: «ما أشبه الليلة بالبارحة». فالبندان الرئيسيان على أجندة «حركة آذار» هما أولاً: نزع سلاح المقاومة المتمثلة في «حزب الله»، وثانياً: مواصلة استعداء إسرائيل والولايات المتحدة على ضرب سوريا أو على تدجينها وخلع أنيابها. ويدخل ضمن هذا السياق الإطاحة بالرئيس إميل لحود باعتبار أنه يمثل الامتداد السوري داخل مؤسسة السلطة اللبنانية.
هذه الأهداف ليست جديدة في حد ذاتها، الجديد هو أنها بينما كانت تعلن على استحياء قبل عام وبصورة ضمنية فإنها تطرح الآن جهراً وصراحة مما قد يعني أن واشنطن وتل أبيب أمرتا أقطاب حركة آذار بالتصعيد.
كان أقصى ما يصدع به هؤلاء القادة هو المطالبة بفتح حوار مع زعامة حزب الله «لمناقشة مستقبل المقاومة» لكن الآن وبعد مرور عام على حادثة اغتيال رفيق الحريري فإنهم لا يطالبون بنزع سلاح حزب الله فحسب بل عمدوا إلى الإساءة لقيادته علناً والتشكيك في وطنيتها. لقد قال أحدهم: «لا نرضى بأن يكون هناك سلاح خارج سلاح الجيش اللبناني».
أغلب الظن إذن أن واشنطن وتل أبيب قررتا دفع أقطاب في آذار إلى مصادمة حزب الله، وإذا افترضنا صحة هذا الظن الذي لم يعد مستبعداً تماماً فإن القيادات العميلة، ومن ورائها إسرائيل والولايات المتحدة قد تبتدر صداماً.. لكنها لن تستطيع وضع نهاية له.
