هذه قصة فتاة قد تكون أي فتاة ,,,,,,,,,,,

انتظرته كعادتها قرب ذلك المنزل البعيد أسفل الثلة تنظر إلى ساعتها بين الفينة والأخرى تروح و تجيء و الأفكار تتصارع في ذهنها و تتشابك كأنها ألياف عنكبوت خرافيضخم, كلما احتكت ببعضها أشعلت بركانا مستعرا من الهواجس. تراه هل يفي بوعده معها ويشرعن علاقته بها؟ أم انه سيجعل منها مجرد سحابة صيف عابرة سرعان ما يلتهمها شفقالأفق عند الغروب ,نظرت مجددا إلى ساعتها بعينين يملأهما التوتر و عدم الاطمئنان وهي ترقب ناصية الطريق بقلب خافق يتسمع خشخشة خطواته,تناجيه في تبتل و خشوع و عينمهراقة من الدمع الساخن,جثت على ركبتيها مستعطفة الشمس بتوسل تستبطئ رحلتهاالسرمدية عسى حبيبها يراجع نفسه و يعود إلى أحضانها كما يعود المذنب إلى الراهبيبكي بين يديه متمسحا معترفا بذنوبه,لكن هيهات أن تخلف الشمس موعدها مع حبيبهاالقمر الذي ينتظر وصالها بفارغ الصبر و الشوق يملأ قلبه إلى قصائدها الغزلية التيتحملها إليه أشعتها الدافئة,أخيرا تسرب إليها اليأس و الإحباط فخارت قواها فاقتعدتالأرض و أودعت رأسها ركبتيها بعدما أحست بثقله فقبصت عليه بكلتي يديها تندب حظهاالعاثر متسائلة مع نفسها تراها بمن كانت متعلقة ؟مستحيل أن يكون إنسانا؟ أ ويكونذئبا في صفة إنسان غادر فقد إنسانيته؟ أم تراه مصاص دماء يقتات علىدماء العذارى؟هلتكون هي الضحية الأولى التي افتتح به تاريخ إجرامه الدموي أم تكون هي التي لم تعدهي مجرد حلقة أفسحت المجال لبدء حلقة مفرغة أخرى من حمم الدماء. لكن نظراته وتوسلاته, كلماته المتدفقة عواطفا جياشة التي تحطم أشد قلاع التمنع و الدلال, من أينكانت تنبع ؟أكانت تنبع من شاطئ بحري خدعها بمسحته المنعشة فانطلقت إلى مياههالزرقاء الصافية عارية و كأنها ولدت من جديد تغوص في أعماقه باحثة عن درره فقذفهابقسوة و دون رحمة إلى هوة سحيقة لا قرار لها, حتى أصبحت كزهرة بنفسج كانت تنتظرقطرات الوفاء ليشتد عودها, إلا أن حذاء الغدر سبق الندى إليها و داسها بقسوة, و هللزهرة مسحوقة أن تعاود انتصابها من جديد؟أ تكون قد أذنبت عندما حلمت ببيت دافئ وزوج حنون يلتقطها من براثن البؤس الذي تعيشه متقلبة بين أوجاع أم مريضة على فراشالموت و صراخ أب عاطل سكير و أخ يبتزها من يوم لآخر, أي آلهة هذه من آلهة اليونانالتي قد حكمت عليها بالألم و أي نصب من تماثيلها ستذبح عنده قرابينها, هل يكون نصبأفروديت الحسناء التي غرها حسنها أم تمثال سزيف المعذب أم تذبحه على نصب أب الآلهةزيوس الناقم على البشر.
نهضت بتثاقل و كأنها أعراش نخلة محملة بأسئلة و هموميزن كل واحد منها ضعف ما يزنه فج جبلي بأكمله, فعادت أدراجها من ذلك الممر الضيقالذي تتفرع منه سبل كثيرة فبدت لها أضواء المدينة باهتة باردة, شاحبة مصابيحها وكأنها رؤوس بشرية تضحك منها بسخرية فظنت ذلك الندى المتساقط من زجاجها أنها تبصقعليها بشماتة,دخلت إلى مخدع هاتفي فرفعت سماعة أحد هواتفه فركبت عليه رقما بيدمرتعشة يبدو من سرعتها في تركيبه أنها ألفت تركيبه مرارا, تحسست حرارته بقلب خافق والعرق يتصبب من إبطيها فلم يجبها إلا صوت المجيب الآلي الذي أعلمها أن الرقم الذيألحت في طلبه خارج التغطية ,فأعادت المحاولة مرات متعددة و المجيب لا يمل منالتكرار, وضعت السماعة بعنف أثار صوته حنق صاحبه فأتبعها سيلا من الشتائم و السبابالبذيء الذي آلمها لكنها لم ترد عليه لأنه لم يكن ينعتها إلا بما أصبحت متصفة به, نعم لقد أصبحت مجرد مومس تشق طريقها نحو الاحتراف.
اقتربت حادة من مشارفالكاريان فأثار انتباهها شيء قطع عليها تفكيرها متسائلة مع نفسها أين تلك الرائحةالتي كانت تشتمها على مشارفه, أليست هذه هي الزبالة التي لطالما تأففت من رائحتهاالنتنة كلما مرت بقربها؟ إذن فلماذا لم تزكم أنفها اليوم ؟أيمكن أن تكون قذارةفعلها أنتن من قذارة المز بلة نفسها؟ أم أنها باتت هي عينها مزبلة يمكن لأي واحد, أيا كان, أن يسكب بها قذارته .نظرت إلى الوجوه البائسة من جيرانها وهم ينظرون إليهابنوع من الشك والريبة.أوحت إليهاأن تكون رائحة الفضيحة المنبعثة من طريقة خطوها هيالتي أفشت لهم سرها و كشفت لهم مكنونات نفسها المتلاطمة بين جوانحها,أم هي تجربتهمالبالية في تتبع فضائح الناس هي التي كونت لديهم سليقة الإستقراء. حنت رأسها خجلا وألما من نظراتهم,خصوصا نظرات صويحباتها اللواتي لطالما حسدنها على جمالها الذي فاقجمالهن, ابتسمت في نفسها ابتسامة المرارة مأنبة نفسها, ارتحن الآن فقد دفعت ضريبةذلك,عفيفة الحي أمست عاهرة مثلكن. دخلت المنزل فخلعت جلبابها الأصفر المنمق بخطوطبيضاء من العرق,فنظرت بعيني ضمير معذب إلى أمها الممددة مخاطبة وجدانها, لم أستطعيا أمي أن أكون شريفة مثلك,فأنت أحببت سكيرا فتزوجته رغما عن أبويك خوفا من جنونالحب و هاهي ذي ابنتك تسقط صريعة عند أول تجربة خرجت منها ملوثة بدماء العار والفضيحة. ثم تنهدت تنهيدة عميقة تند عن تعب شديد, و ما إن تهالكت على كنبة مهترئةحتى مد إليها والدها يده مطالبا إياها بجزء من راتبها اليومي الذي تتقاضاه عن عملهاكما أوهمته أو ربما ما أوهم هو به نفسه المرتابة أو ما يحاول إيهام نفسه بهمرارا.تلعثمت الفتاة في الكلام متفاجئة بهذا الذي لم تضرب له حسابا, فأخبرته بشفاهمرتعشة أن الكلام أخذها مع صاحبتها "أمينة" حتى أدركهما الغروب على حين غرة. نزلتعليه كلماتها كالصاعقة فغدا كثور هائج مسعور يكسر كل شيء بالمنزل لم تسلم منه حتىالجماجم البشرية الصغيرة و الكبيرة , ناعتا ابنته بأحط الأوصاف و أحقرها فلطم خذهاو مزق قميصها حتى كشف عن تنورتها الرخيصة, لا لشيء إلا أنها حرمته فقط من علبةالتبغ و قارورة خمر يعاقرها بشكل بطولي عند رأس الزقاق, فتوعدها مقطبا جبينه مقسماببركة الولي سيدي عبد الرحمان إن لم تعوضه في الغد ليذبحنها بسكين من الوريد حتىالوريد ,أخذت الفتاة المرتعدة فرقا تهديداته على محمل الجد خصوصا و أنه أقسم لهابأعز الأولياء عنده, فلم تعد تفكر بغدر ذلك الماكر بل أمسى شغلها الشاغل هو كيفستحصل على النقود التي كانت تنالها بمجرد كلمات رقيقة من خليلها الهارب, فأمضتليلتها تفكر في طريقة تعفي رقبتها من الذبح وتعفي رقبة والدها من حبل المشنقةلأنها. رغم ذلك هي ما زالت تحبه.
استيقظت باكرا فلبست جلبابها الرث و رمت علىشعرها خمارا أسودا داكنا, لكن ذلك كله لم يكن ليمنع جمالها الباهر من الظهور ولفتالانتباه, حملت حقيبتها و هي تمشي على أصابعها حتى لا توقظ أخاها المخمور الذي يسمعدوي شخيره من رأس الدرب, مرت من نفس المسلك الذي ألفت سلوكه فربما قد تصادفه هناكأسفل الثلة فتعفي نفسها رحلة البحث عن الرغيف الحار بقدر حرارة قرص الشمس , نظرتناحية البيت المهجور فتذكرت كيف استسلمت لمداعباته وكيف فقدت السيطرة على نفسها منحرارة قبلاته, شعرت بندم شديد يأكل قلبها. فعادت صورة والدها و هو يتجه إليهامسعورا بسكينته اللامعة تراود خيالاتها و تلح عليها إلحاحا,ازدردت ريقها من الخوففأسرعت الخطى نحو المعامل التي وجدتها غاصة بالنساء و الرجال ينتظرون ساعة الفرجالموعودة, فانضمت إلى تلك الطوابير وضاعت بين الأجساد المتدافعة المتلاصقة, و بعدبرهة خرج موظف ضخم البنية أسمر السحنة شاربه يلامس شفتيه الغليظتين, خرج من بابصغير يحتضنه باب كبير يزدريهم بنظرات شرزاء متعالية , ينتقي منهم و يصطفي و كأنهأمام بائع الخضار و الفواكه يشير بإصبعه إلى ذاك الذي ينطلق كالسهم من الفرحة لكنالمسؤول يغتالها وهي في أوجها آسرا ابتسامة أطفاله الجيع في خيالاته بوقوفه حائلابينه و بين المدخل وهو يضحك من السخرية بملء شدقيه بدعوى أنه لم يكن المقصودبإشارته, فيعود المسكين إلى مكانه و كله أمل في معاودة الكرة, و على هذا المنوالأمضى المتعجرف ساعتين ينادي على هذا و يصد ذاك, ويتلاعب بهم كما يعبث طفل صغيربعرائس أصغر منه حجما لا تملك ردا على سخريته لأنهم لم يكونوا يملكون غير السكوتخيارا .
لم يحالف الحظ المسكينة"حادة" ثانية فظلت واقفة كغيرها من المئات تنظربوجوم إلى ذلك الباب الذي أغلق بإحكام فخالت صوت صريره رمحا حادا أصاب أملها فيمقتل فكان بذلك أول باب للكسب الحلال يوصد أمامها, انسلت من بين الأجسام الجاثمةبأعينها على الباب تستفتحه و كأنها أعداد نحل هائلة تحوم حول مرج من الزهوراليانعة,تمكنت أخيرا من الانسلال تمشي على غير هدى وفكرها مشتت بين مطرقة الأبالعاطل و سنديان الفضيحة, فكل شيء ملقى على عاتقها فاتورة الكهرباء, التبغ, الزيت والسكر ووو.... فجأة مرت أمامها دراجة نارية انتشلت من يدها محفظتها اليدوية فاختفتسريعا كما يختفي ذلك الدخان المتصاعد في السماء.استسلمت بعينين طافحتين بالحزنلإرادة القدر متيقنة أن الرزايا بدأت تخبط فيها خبط عشواء, حينها أدركت أنها أضحتكسفينة تمخر عباب البحر بدون ربان, تتقاذفها الأمواج هنا و هناك لتتساقط دسرها دسراتلو الآخر بعد أن نخرها سوس الخيانة و الفقر.
طرقت أول منزل في طريق عودتهاطرقات خجولة مترددة, فتحت ربة البيت بابها و عندما صدتها بلطف و لباقة طرقت المنزلالمجاور بنفس الإيقاع الذي طرقت به الأول فخرج إليها هذه المرة رجل متوسط القامةتبدو من ملامحه أنه في عقده الرابع سألته بأدب رفيع متهيب و هي ترمقه بنظراتالاستعطاف و الرجاء : أ أنتم في حاجة إلى خادمة سيدي تنفض الغبار عن أثاثكم و تغسلما اتسخ من ملابسكم و تنهي ما تبقي من طبيخكم, نظر إليها الرجل نظرات الريبةوالإغواء قائلا: بل أنا في حاجة إلى جسدك البض المكتنز وإن شئت أغرقتك برزم منالنقود تفضلي لتخلعي عنك هذه الأسمال البالية التي لا تليق بحسناء رائعة الجمالمثلك, نظرت إليه باحتقار و بصقت على وجهه وانصرفت في هدوء غير معهود فيها و هيتساءل نفسها لماذا بصقت عليه؟ ألم تنم مع فؤاد قبله متمرغة فوق صدره بجنون؟ ألمتفقد ما يبرر بصاقها ذاك؟ لماذا لم تنم معه و تحصل على ما تريد دون أن تكلف نفسهاهذا العناء؟, لكن كلا فلم يصل بها الأمر بعد إلى درجة اليأس فربما تضحك لها الدنيابعد أن نهشت في عرضها بأنيابها الطويلة أو ربما تبدي لها ذلك الوجه الوديع الهينالذي تبديه لأولئك الذين يعبثون بأجساد النساء المحتاجات لأولئك الذين ينتهكونأعراض الناس بنقودهم المتكدسة و سياراتهم الفارهة لأولئك الذين يمدون اللقماتالمسمومة للأفواه الجائعة المتعطشة للعيش الكريم على حساب عرق فروجهم.
اقتربتالشمس من المغيب فأحست أن الأبواب كلها سكرت في وجهها ما عدا باب واحد يلوح لهابابتسامة ساخرة شامتة يخاطب و جدانها مرددا أنت الآن من عليه استعطافي و التمسحببابي بعد أن سدت الأبواب كلها أمامك. في الماضي كنت بالنسبة إليك شبحا ظلاماهلاميا لا شكل له و أنا اليوم يا عزيزتي حقيقة مرة عليك معانقتها ثانية كما عانقتهاأسفل الثلة, أنا حقيقة يجب أن تقبليها إن أردت الاستمرار في الحياة فلن ينفعك الهربما دام الموت هو بديلي المحتمل فلست الأولى و الأخيرة التي هوت من صومعة الفضيلةإلى براثين الرذيلة.
و بينما هي تتقلب بين أمواج اليأس و الرجاء تنتظر لوحاخشبيا تعيدها إلى سكة أمها التي ضربت سيرة أسرتها مثلا للشرف و العفة.وبينما هيكذلك توقفت سيارة سوداء طويلة من نوع المرسيديس أشار إليها سائقها بالصعود فخفققلبها خفقان المشرف على الهلاك و ازدادت حدقتا عينيها اتساعا فالتصقت بالرصيفالتصاقا و كأنها تشعر أنه ينتزعها منه انتزاعا بنظراته فغدت كشجرة تحاول الرسوخبجذورها عميقا لكن حجارة الرصيف تمنع انسلالها إلى أعماق التربة الندية فظلت حائرةمرة تنظر إلى ساعتها و مرة أخرى تنظر إلى السيارة التي تلح عليها و صورة السكين مازالت ترعد فرائصها.
أخوكم عبد الحميد