الإخصاء.. صمت المواقف
عندما يُذبح الفلسطيني على مدار الساعة أو يكون هدفاً مستباحاً هو ومنزله وأبناؤه وأحفاده وكل أسرته، لا تفرق القذائف أو الدبابة أو البلدوزر بين كبيرهم وصغيرهم، ولا بين شيخهم ومريضهم، ولا بين رجالهم ونسائهم، على النحو الحاصل الآن في قطاع غزة؛ فهنا القتل مشروع ومباح ولا علاقة له بالإرهاب.
أما إذا دافع الفلسطيني ورد الاعتبار لنفسه وانتقم انتقاماً طبيعياً لمن قتل والده أو أمه أو أحد أفراد عائلته أو دفاعاً عن أرضه المحتلة وعرضه وشرف مقدساته المغتصبة فإن كل ذلك يعتبر إرهاباً وسلوكاً عدائياً غير مقبول ويستحق فاعله الإعدام أو الملاحقة فى أي مكان يعيش فيه،
وغالباً ما يكون عمله ومقاومته هدفاً لبيانات استنكار وتنديد السلطات الفلسطينية والأنظمة العربية التي عادة ما تسبق غيرها من البيانات الصهيونية والأمريكية! أي، كأنما يراد للمسلمين عموماً وللفلسطينيين خصوصاً أن يبقوا جماداً بين الأحياء ويفقدوا إنسانيتهم ويتخلوا عن كرامتهم، ولا يدافعوا عن أرواحهم وأعراضهم وأوطانهم ومقدساتهم، ولا تهزّهم مناظر القتل والظلم، ولا تؤثر فيهم مشاهد الدماء والأشلاء،
ولا تستثير كل هذه المجازر والاغتيالات الرغبة عندهم في الانتقام ولا تدفعهم على الأقل للمقاومة والرد على جزاريهم. ويجب عليهم أن يصمتوا ويصبروا على ذبح أهاليهم وأبنائهم، وألا يحزنوا على هدم منازلهم وتدمير مزارعهم، ليبرهنوا للسلطة الفلسطينية ولحكومة أولمرت والبيت الأبيض وللاتحاد الأوروبي ومعهم الكثير من الأنظمة العربية أن حب السلام والأمن والاستقرار إنما لا يتأتى إلا عن هذا الطريق الخانع المذل!!
وأن استرداد أوطانهم لا يأتي إلا عن طريق هكذا نوع من التضحيات والمجازر والقتل البشع للفلسطينيين. وخلاف ذلك يجعل الفلسطينيين إرهابيين متشددين يتحركون ضد السلام، ويتهمون بتقويض أركان الأمن والاستقرار في المنطقة، يستحقون القتل والفتك بهم وتشريدهم ومحاصرتهم وتجويعهم.
وتأسيساً على ذلك، فإنه لم يعد مستغرباً هذا الصمت العربي والإسلامي في المواقف وردود الأفعال إزاء المجازر اليومية في غزة، التي راح ضحيتها حتى وقت كتابة هذا المقال (35) شهيداً وجُرح المئات.
إنه صمتُ القبور الذي يسود في أُمة تلعقُ هزائمها واحدةً تلو أُخرى، أمة محكومة بغرائزها والمحافظة على مصالحها، تنصُر الباطل وتنأى عن الحق، تقاتلُ بالأسنان والأظافر ضدّ أبناءِ جِلدتها وتحني هاماتها صاغرةً أمام جلاديها ومصّاصي دم أبنائها وإخوانها، تعزّ الظالم الباغي وتتكالب على المظلوم والمُستضعف، وتتحالف مع الغرباء والطغاة على خنق (غزتها) وإحكام محاصرة أهلها وأبنائها.
أمة لا تجرؤ على الرفض، ولا تقوى على أن تقول (مجرّد قول) هذا خطأ. وبالتالي لا تُنتظر النصرة من أنظمة صامتة، مسكونة بالخوف والذل والهوان على الرغم مما يملكون من ترسانات عسكرية ضخمة عادة ما تبلى وتصدأ في مخازنها من دون أن يُرخص لها بشرف خوض غمار الدفاع عن العزّة أو الكرامة المستباحة أو الاستجابة لصيحات الاستغاثة وطلبات النجدة من الأيتام والثكالى والأرامل والأطفال في فلسطين الحبيبة الذين صاروا يصدّون بحجارتهم الشمّاء صنوف شتّى من المهانة التي تمسّ المسلمين جميعهم.
قبل بضع سنوات كنّا نستهزئ بأنظمتنا العربية والإسلامية بأنها لا تملك أمام المجازر الصهيونية سوى الاستنكار والشجب والتنديد، وكنّا نصفها بأنها سلاح أو حيلة العاجز الضعيف. أما الآن؛ فحتى هذه الاستنكارات تم منعها وإجراء عملية إخصاء سياسي بشأنها، حتى لا تعكر مزاج الجزارين أو تسبب لهم أدنى إزعاج في مهمتهم التي يقومون بها الآن في ثرى الأقصى المبارك على مرأى ومسمع من العالم الصامت.
http://www.akhbar-alkhaleej.com/ArticlesFO.asp?Article=220218&Sn=RASD
لكن .. لا أحد يخجل
العدو الإسرائيلي الإرهابي يشن حرب
إبادة على غزة.
الشهداء من الأطفال والنساء والرجال يسقطون
كل يوم في مجازر همجية مروعة. والعدو
أغلق القطاع بالكامل ومنع وصول أي مساعدات إنسانية، وهو ما يعني التخطيط وتنفيذ
جريمة إبادة جماعية بترك أهل غزة يموتون جوعا ومرضا. كل هذا يحدث أمام
كل العرب وأمام كل العالم.
لكن كما نرى ونتابع، لا أحد يحرك ساكنا أو يفعل شيئا. لماذا؟.. لأن الكل كان يعلم ان هذه المذابح قادمة، والكثيرون من العرب ومن القوى العالمية يعتبرونها «ضرورية«. قبل مؤتمر انابوليس التعيس، كان العدو قد أعلن أن غزة «كيان معاد«. أي أنها مستباحة في أي وقت وبأي صورة من صور التنكيل والعدوان. العدو الإرهابي المحتل المجرم هو الذي تحدث عن
«غزة المعادية«.
ومع هذا،
صمت الجميع وقبلوا بهذا الإرهاب. وفي انابوليس، وبعده، أعلن العدو، ومعه أمريكا بالطبع، ان القضاء نهائيا على حركة حماس في غزة هو شرط أساسي لأي مفاوضات. وأعلن أن العدوان الكبير على غزة تم التخطيط له وأن الخطط التفصيلية جاهزة. وحين زار الرئيس الامريكي
بوش الكيان الاسرائيلي مؤخرا عرضوا عليه الخطط التفصيلية للعدوان و«خريطة طريق« المذابح التي سوف يرتكبونها في غزة، بما في ذلك خطط اغتيال قادة حماس. وبالطبع، أقر بوش هذه الخطط وباركها.
إذن، لم تكن هذه
المجازر التي يرتكبها العدو في غزة تطورا مفاجئا، ولم تكن نتاجا كما يزعمون لبضعة صواريخ تم اطلاقها من غزة. هي
جريمة حرب تم التخطيط لها مسبقا بإحكام بعلم ومعرفة الكل في العالم العربي والعالم.
لهذا، فإن هذه المجازر بكل وحشيتها هي في بدايتها. فإذا كان الهدف المعلن هو القضاء نهائيا على حماس في غزة، فمعنى هذا ان العدو سوف يذهب بحرب الذبح والإبادة هذه الى نهايتها. سوف لن يتردد العدو عن
ذبح الآلاف وعن إبادة كل ما يستطيع إبادته.
وإذا كان كل هذا الإرهاب ليس غريبا على الكيان الإسرائيلي وعن الولايات المتحدة الامريكية، فإن الغريب حقا هو هذا
الصمت العربي، وهذا الاحجام عن فعل أي شيء على الاطلاق
لوقف ذبح أهلنا في غزة.
رد الفعل العربي حتى اليوم
مخزي وعار علينا جميعا. إننا لم نسمع حكومة عربية أدانت المذابح، أو طالبت بوقفها، أو هددت بفعل أي شيء في مواجهة أمريكا أو العدو اذا لم تتوقف الجرائم الاسرائيلية. يحدث هذا على الرغم من ان منظمات الامم المتحدة الانسانية أطلقت
صيحة تحذير للعالم كله من الكارثة المروعة التي تترتب على الجرائم الاسرائيلية.
ولم نسمع مسئولا عربيا يجرؤ على أن يقول ما قاله
جون دوجارد خبير الأمم المتحدة بالأمس، من أن هؤلاء القتلة الإسرائيليين الذين نفذوا مذابح غزة هم مجرمو حرب يجب أن يحاكمهم العالم على جرائمهم.
هذا الموقف العربي يعني موافقة عربية على المذابح، ويعني ضوءا أخضر للعدو المجرم للمضي فيها قدما. ليس له معنى آخر غير هذا. وليس هناك عار أكبر من هذا. بالأمس، في معرض دعوته الى الحوار الفلسطيني وتجاوز الخلافات الفلسطينية بعد هذه المذابح في غزة، قال احمد حلس، وهو أحد قيادات حركة فتح: «
يجب علينا ان نخجل أمام هذه التضحيات«. نعم .. يجب على كل العرب ان يخجلوا من أنفسهم اليوم، وهم يرون عدوا همجيا يستبيح غزة ويذبح أهلها ويشن عليهم حرب إبادة. لكن.. لا أحد يخجل.. لا في السلطة الفلسطينية، ولا في الحكومات العربية.
http://www.akhbar-alkhaleej.com/ArticlesFO.asp?Article=220124&Sn=DAYS