علماء الأمة
في عموده المنشور في 4 من أيلول (سبتمبر) 24 يصف الكاتب الشيخ القرضاوي "بشيخ التلفزيون" زاعما أنه "أفتى جهارا بجواز قتل المدنيين الأميركيين في العراق". ويضيف: "تصوروا عالم دين يحث على قتل مدنيين, شيخ في أرذل العمر يحرض صبية صغارا على قتل مدنيين.. كيف لأب مثله أن يواجه أم الفتى بيرغ الذي ذبح ابنها نحرا لأنه جاء للعراق, للعمل في أبراج هندسية؟ كيف نصدقه عندما يقول لنا إن الإسلام دين رحمة ودين تسامح, وهو يحوله إلى دين دم؟". طبعا الراشد لم يتطرق إلى مذابح الفلسطينيين, ولم يورد اسم شهيد فلسطيني واحد, وهو بالمناسبة لم يعلق على جريمة قتل الشيخ أحمد ياسين, إلا بقوله "دعوا الانتقام" لأنه "عمل أعمى, والحرب لا يكسبها العميان" كما قال(28 آذار/ مارس 24), ولم يعلق البتة على استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. لم يتذكر الراشد أن للشهداء الفلسطينيين أيضا أسماء تسجل وتعلن, واكتفى فقط بذكر اسم الأميركي بيرغ الذي جاء في ركاب دولة محتلة لغزو بلد عربي وتدميره.
ولا يقف الراشد في تأييده للأجندة الأميركية على حدود فلسطين, فأينما كانت لأميركا مصلحة, أو دخلت طرفا في نقاش نجده يجرد قلمه مستبقا حتى الموقف الأميركي منافحا عنه ومسوقا له.
كان الراشد من أوائل الكتاب الذين برروا الاجتياح الأميركي للعراق قبل حدوثه, ومن الذين دافعوا عنه بعد حدوثه, ووقف مع المشروع الأميركي في ذلك البلد, واصفا احتلال الأميركيين له (بالتحرير).
لا يسعني أن أثبت هنا كل ذلك لضيق المجال, لكن الرجل على سبيل المثال, امتدح تأسيس مجلس الحكم العراقي زاعما أن "الأميركيين أدخلوا فيه تقريبا كل القوى الأساسية التي تمثل العراقيين, وبين هؤلاء خصوم ألداء للولايات المتحدة" ( 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 23). وأسبغ الراشد مرارا صفات الديمقراطية والإصلاح والإعمار على المشروع الأميركي في العراق قائلا على سبيل المثال إن "توجه الأميركيين نحو إعمار العراق, دون الاكتفاء بمحاولة إصلاحه سياسيا, هي خطوة سليمة لصالح العراقيين وعرب المنطقة.." ( 26 تشرين الأول / أكتوبر 23).
يؤكد الراشد أن عراق ما بعد صدام يتمتع بديمقراطية منقطعة النظير, إذ انتقل بالاحتلال من"عهد صدام المحارب للدين ثلاثين سنة إلى انفتاح كامل يسمح للجميع بظهور حقيقي في الحياة العامة, بما في ذلك المراجع الدينية".
كما يثني على الحكومة التي تشكلت في ظل الاحتلال قائلا إنها "ابتعدت عن الانتماء لأي فريق ديني, بدليل أن معركتها ضد جبهة شيعية في النجف تأتي موازية لمعركتها ضد الجماعة السنية المتطرفة في الفلوجة" (24 آب / أغسطس 24).
أما ما يتعلق بالسنة العرب في العراق, فقد تبنى الراشد الموقف الأميركي تجاههم, زاعما أنهم يفتقرون إلى النضج السياسي. في مقال له من حلقتين بعنوان "من ينقذ السنة من السنة", نشرا في يومي 1 و2 من كانون الأول (ديسمبر) 24 انتقد الراشد المقاومة السنية في العراق متسائلا بتهكم: "هل المسالخ البشرية التي عثر عليها في الفلوجة, وروعت صورها العالم هي بيوت سنية؟ وهل المجالس والعلماء الذين توعدوا أقوى قوة في العالم, ينطقون بالفعل بلسان أضعف فريق في العراق؟".
يتجاهل الراشد الصور التي روعت الضمير الإنساني حقا, وهي صور الذبح الجماعي, وسياسة الأرض المحروقة, والإجهاز على الأسرى في المساجد, وحرب الإبادة التي شنتها قوات الاحتلال الأميركية على تلك المدينة العراقية الصغيرة. يجعل الراشد معيار العدل والحكمة هو الاستسلام للقوي المتجبر, والإقرار بالضعف والخنوع أمام دمويته وإرهابه, عندما يتساءل: هل العلماء الذين توعدوا أميركا ينطقون بلسان السنة الضعفاء؟ من قال إن القوة الأميركية لا راد لقضائها, ولا معقب لحكمها, ومن قال إن السنة هم أضعف فريق في العراق؟ يضيف الراشد شامتا بالسنة العرب: "الفلوجة المعركة رغم ما سببته من أذى كبير, ربما أنقذتهم من متطرفيهم, الذين كانوا يقودونهم نحو الدمار.. تحصنهم في الفلوجة حولها إلى مقبرة لهم.. وما حدث يبرهن كذلك على انعدام خبرة القيادة والمفاوضة عند السنة العرب. وهم بالفعل أناس بلا خبرة سياسية".
في الحلقة الثانية من مقاله "من ينقذ السنة من السنة" يواصل الكاتب هجومه على السنة العرب, فيقول إنهم "تحت القصف, وخارج سوق الانتخاب, بسبب عنادهم وجهلهم, وترك زمام قيادتهم للمتطرفين الذين يسكنون بينهم, أو يتحدثون باسمهم, وعلى سنة العراق أن يتذكروا أن متطرفي السنة, لم يفلحوا في البلدان ذات الأغلبية السنية, كما في الخليج ومصر والأردن, حتى يمكن أن يفلح تطرفهم في فعل شيء لصالح العشرين في المائة من سكان العراق". لا يضيف الكاتب جديدا هنا سوى أنه رمى السنة العرب عن بكرة أبيهم بالتطرف, بمن فيهم هيئة علماء المسلمين, أبرز المنظمات المدنية الساعية إلى الحفاظ على عراق عربي مسلم موحد وغير طائفي, بل ذهب إلى خارج حدود العراق فرمى حركات معارضة إسلامية في بلدان عديدة بالتطرف, وكرر المقولة الدعائية الأميركية القاضية بأن سنة العرب أقلية لا تتجاوز نسبتها عشرين في المائة من سكان العراق.